مشاهد ومراقد

تكيَّة النقشبندي الكبير في دير الزور

تكيَّة النقشبندي الكبير في دير الزور

تم بناء تكية (مسجد) الشيخ محمد أويس النقشبندي الكبير في مدينة دير الزور بسوريا قبل عام (1885) من قبل الشيخ أحمد العزي النقشبندي الكبير على نفقته الخاصة، ثم أعاد بناءها في بداية القرن العشرين ما بين عامي   1900-1905، وعلى مساحة 562م2.

تقع التكيَّة في حي الشيخ ياسين، أو ما يعرف اليوم بشارع التكايا، وقد اشتق اسمه من التكايا الثلاث الموجودة في الشارع نفسه، كما يقول الشيخ إياد النقشبندي مدير أوقاف دير الزور ومفتي المحافظة الأسبق.

ويضيف: “تم بناء جدران التكية من الحجر الكلسي البلدي المقطع مع مادة الربط (الجص الأسود)، أما القباب فقد بنيت من حجر السهل البلدي المتساوي الحجم (بحجم جوزة الهند تقريباً)، والجص الأسود البلدي أيضاً. أما الأعمدة فهي على شكل أميال رخامية، تعلوها تيجان منحوتة على شكل وريقات شجر جميلة ومهذبة تشكل قطعة فنية رائعة، لاسيما أن كل عمود عبارة عن قطعة رخامية واحدة غير مقطعة، عددها أربعة تحمل أطراف القبة الوسطية التي تحوي ست نوافذ عمودية نصف دائرية من الأعلى، ويحيط بها ثماني قباب صغيرة تشكل السقف العلوي للحرم التي أضفت على المسجد رونقاً بديعاً بأقواسه وأمياله على الطراز العثماني، وتبلغ مساحة الحرم |122م2| يوجد فيه اثنتا عشرة نافذة، أربع نوافذ من الأعلى تتوسط الجدران الأربعة، وثماني نوافذ من الأسفل على جدرانه الأربعة أيضاً بقياس 70180، يعلو كل شباك نصف قبة، وللحرم بوابة شمالية تطل إلى باحة “المسجد” والتي ضُمت إلى المسجد لاحقاً لضيق المكان بمساحة 196 يوجد فيه محراب قديم يعلوه لوحة شعرية تضمنت اسم المسجد واسم مؤسسه وتاريخه.

الشيخ إياد النقشبندي

ويوجد في الجهة الغربية للحرم بوابتان تطلان على إيوان أبعاده 125م، ثم يليه من الغرب أيضاً غرفتان إحداهما الديوان للدرس والذكر بأبعاد 64م، والثانية بأبعاد 44م، ويفصل بين الحرم والصالون فتحة بأبعاد 6080 سم عبارة عن بوابة تقع بأرض الحرم تؤدي إلى غرفة تحت الأرض تسمَّى (الخلوة)، وهي على شكل غرفتين صغيرتين بأبعاد 160*160سم وبعمق ثلاثة أمتار.

ونجد في الحوش (ساحة) الغربي مقبرة تتضمن باحة وغرفة 5*5م وتعلوها قبة على كاملها وتحوي هذه القبة ضريح الشيخ (أحمد العزي النقشبندي) وعلى قبور أخرى من آل النقشبندي.

وثائق سلطانية لتكيَّة النقشبندي

وتابع الشيخ إياد: “يحوي الطابق الثاني على غرفتين كبيرتين بمساحة 54م وصالون كبير 48م كانتا للدرس والعلم وإقامة التلاميذ والمريدين، والمكتبة الخاصة بالشيخ، ويوجد حرم النساء أنشئ حديثاً فوق باحة المسجد الشمالية سابقاً، وإذا عدنا إلى الحرم وشاهدنا المحراب سوف نجده قد أخذ حلة جديدة من الخط العربي المزخرف من الرخام الأبيض والأسود والبني حيث جمع الفن الإسلامي القديم والجديد، بعدما  كان حجرياً غير أنه ما زال بالحجم نفسه، يعلوه لوحة قرآنية.

أما المنبر الجديد فهو مصنوع من مادة الخشب الجيد (كلير) بثلاث درجات ويأخذ زاوية عمودية مع المحراب باتجاه الشمال، كان في السابق من الحجر والجص بالحجم نفسه والمكان نفسه. وإذا نظرنا إلى الأعلى سنجد ثلاث ثريات نادرة فريدة كانت قد قدمت هدية للشيخ أحمد النقشبندي الكبير من قبل السلطان عبد الحميد الثاني، وأعلى المدخل الرئيس للتكية ترتفع “السدة” بمقدار 2,75 سم وهي مصنوعة من الخشب تستند إلى الأعمدة الرخامية وإلى جدار “المسجد” الخلفي.

منبر التكية

كانت تستخدم “للمؤذنين” حيث يقومون بالتمجيد والتهليل قبل صلاة الجمعة من كل أسبوع وقبل صلاة العيدين من كل عام. وبجوار التكية مباشرة من الجهة الشمالية يقع منزل الشيخ المؤسس حيث كان يدخل ويخرج عن طريق باب يسمَّى (الخوخة) يطل على المسجد والذي لا يزال حتى يوما هذا.

أما مئذنة المسجد فهي مع ثلاث مآذن أخرى (العمري، والسرايا، الراوي) في ديرالزور هدية من السلطان عبد الحميد، وتتموضع بمسقطها المربع الذي تبلغ أبعاده33.5م على الضلع الشرقي بجوار البوابة الرئيسية، وتتألف المئذنة من قاعدة مربعة تماماً ابعادها 3.53.5م في الضلع الغربي من القاعدة باب خارجي يطل على باحة المسجد سابقاً (أصبحت الآن صالوناً كبيراً ضُم إلى المسجد من خلال التوسعة التي قام بها الشيخ عبد الجليل عام 1980م)، والذي يتم الدخول منه إلى المئذنة في أعلاه لوحة شعرية تضمنت تاريخ الانتهاء من البناء، ويتم الصعود إلى المئذنة بدرج دائري داخلي حجري من أصل بناء المئذنة، وحجر المئذنة كلسي أصفر. ويتم الانتقال من المسقط المربع إلى الشكل الدائري عن طريق أشكال هرمية يعلوها إفريز أسطواني يحيط ببدن المئذنة ليعلوها إفريز أخر أصغر حجماً يحمل كتلة المئذنة الأولى، ويتخلل هذه الكتلة العديد من الفتحات الصغيرة البيضوية الشكل للتهوية والإنارة، وقبل نهاية الجزء الأول من المئذنة يتموضع شريط زخرفي بسيط عبارة عن تتالي مربعات إحداها مصمت والآخر مفرغ وبشكل متناوب يعلوه إطار محدب مفروز ظاهري، ثم شرفة المئذنة الدائرية والمحمولة عل مقرنص مسنن يسمى (أكباش)، ثم يعلوه أشرطة دائرية متتالية أخرى، ويقسم محيط الشرفة إلى عدد من القطع المربعة الإطار يتخللها نقوش أفقية وشاقولية وفتحات على شكل مربعات معين عددها تسعة ضمن كل مربع،  ويوجد في الشرفة ميزاب متجه للشرق.

يعلو الشرفة الجزء الثاني من المئذنة الأسطواني الشكل أيضاً، ولكن بقطر أصغر من قطر القسم الأول بقليل، ويوجد باب مقوس من الأعلى بارتفاع 170 سم متجه إلى القبلة جنوباً، ويوجد فيه قطع من قبضات معدنية في جدار المئذنة من الخارج لتستخدم سلماً للصعود إلى قمة المئذنة، وفي نهاية القسم العلوي شريط زخرفي آخر يماثل الشريط الزخرفي الذي يقع في الجزء السفلي غير أنه بيضوي من الأسفل يعلوه إفريز دائري، وتنتهي المئذنة بقبة على شكل قلنسوة مصمتة من دون أفاريز يوجد فيها أربع فتحات مربعة صغيرة للتهوية والإنارة، وتحمل في أعلاها ثلاث “كرات معدنية” متصلة في نهايتها “بهلال”، ويبدو أن المئذنة صممت لحوضين من خلال الدرج المستمر حتى قبة المئذنة من الداخل. ويبلغ قطر الجزء الأسطواني الأول 2.8 م وقطر القسم الأسطواني العلوي 2.4م بينما يبلغ طول ضلع القاعدة 3.5م ويبلغ قطر القبة 2.4م، علماً أن ارتفاع المئذنة بحدود خمسة وعشرين متراً.

وعن دور التكية قال الشيخ النقشبندي: “لقد قامت التكايا في مدينة دير الزور بأدوار غاية بالأهمية، ففي مجال العلم والتعليم درَّس فيها علماء أجلاَّء منهم الشيخ (أحمد الكبير) والشيخ (ويس)، وكل من المشايخ الأفاضل (حسين رمضان)، و(محمد سعيد المفتي)، و(جعفر الرحبي)، و(عبد الجليل النقشبندي)، و(عمر النقشبندي) مفتي المحافظة، و(مهيدي الأشرم)، و (قطب الدين الحامدي) مفتي المحافظة، والدكتور (محمد صالح يساوي) مفتي المحافظة، والدكتور (خليل ملا خاطر)، والدكتور (عز الدين الشيخ)، وغيرهم الكثير كما تخرج منها الكثير من طلاب العلم ومازالت. كما كانت المنارة التي يهتدي بها المسافرون حيث يحطون أمتعتهم ويأكلون ويشربون وينامون، كذلك أبناء السبيل والمقطوعون الذين لا يجدون مأوى حيث كانت الحضن الدافئ لهم.

ولا ينس أهالي المحافظة ذلك، كما يذكرون تلك الوجبات الخاصة بالتكايا، ولا سيما في شهر رمضان والمناسبات وأيام الأعياد. فقد اشتهرت بتقديم وجبة طعام خاصة بعد صلاة عيد الفطر والأضحى للمصلين والضيوف وللجوار تسمَّى (الحبيَّة)، وهي مطبوخة من القمح واللحم بطريقة خاصة متعارف عليها على نفقة شيخ التكيّة، وتقدم بمناسف كبيرة في باحة التكايا، إضافة إلى ذلك كله فقد كانت المجالس الهامة التي يتم بها الحل والعقد في كثير من الأمور التي تهم الناس وعلاقاتهم تعقد في التكايا. وقد تم توسيعها في عام 1980 على يد الشيخ عبد الجليل النقشبندي.

تكية النقشبندي الكبير اليوم تلبس الحلة الجديدة التي حافظت بها على أصالتها القديمة من دون المساس بالتراث العريق، حيث تم الترميم بمساعدة الخبرات المحلية، وذلك بتلبيس الجدران بالحجارة المناسبة مع الألوان المتناسقة المتراصة حسب نظام البناء القديم عام 2002- 2003م. هذا وقد اعتمدت التكيَّة موقعاً أثرياً إسلامياً في مدينة دير الزور في وزارة الثقافة والسياحة أصولاً عام 2004م. علماً أنها شهدت في عام 1987افتتاح أول معهد لتحفيظ القرآن في “ديرالزور”، كما شهدت في العام 2006افتتاح فرع خاص بالإناث تابع للمعهد.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى