
مابعد الكولونيالية في مشروع إدريس هاني
ما بعد الاستعمار في المشروع الفلسفي لإدريس هاني: نحو تمثيل جديد للذات والآخر لماذا لا نزال كعرب نُسمي الاحتلال “استعمارًا”؟ أليست هذه التسمية نفسها شكلًا من أشكال الهزيمة الثقافية؟ أليس الاستعمار، في جوهره، احتلالًا وهيمنة، لا مهمة تمدينية كما حاول الغرب أن يُقنعنا؟ هذا السؤال يمثّل مدخلًا حيويًا لفهم جوهر نظرية ما بعد الاستعمار، تلك النظرية التي لا تقف عند حدّ نقد الآخر – أي الغرب – بل تذهب إلى تفكيك “الذات” المُستعمَرة، كيف تمثّلت الغرب، وكيف تبنّت سردياته، حتى في رفضها له! في هذه الورقة، أحاول أن أستعرض مشروع المفكر المغربي إدريس هاني، الذي أعتبره بحق أحد أبرز من تفاعلوا مع هذا التيار من داخل السياق الإسلامي، وسأركز على ثلاث قضايا جوهرية: 1. الاشتباك مع الواقع أو ما يُعرف بالدنيوية. 2. التمثيل وإعادة إنتاج المعنى. 3. التبني الحضاري بوصفه نسقًا مضادًا للهيمنة. أولًا: الدنيوية ما يميز مشروع إدريس هاني هو تخلصه من “التعالي الأكاديمي” الذي يجعل من المفكر كائنًا خارج السياق. فالرجل مشتبك مع قضايا الواقع العربي والإسلامي، لا بوصفه مراقبًا بل فاعلًا. وهو يذكّرنا أن الحداثة الغربية نفسها لم تكن يومًا نزيهة أو شمولية، إذ بدأت منذ ديكارت، لكنها لم تلبث أن تزعزعت مع فوكو وفرويد وداروين وسعيد… إلى أن وصلنا إلى ما بعد الحداثة. إدريس هاني ينخرط في هذه المعركة من خلال نقد مزدوج: نقد للحداثة الغربية، ونقد أيضًا للنسق الإسلامي الذي تبنّى الحداثة بطريقة تبعية، أو قاومها من موقع تقليدي. ثانيًا: التمثيل هنا نعود إلى إدوارد سعيد، حين اقتبس من ماركس قوله: “إنهم لا يستطيعون تمثيل أنفسهم، يجب أن نقوم نحن بتمثيلهم.” ما يقوله سعيد هو أن الخطاب الاستعماري ليس فقط قوة عسكرية أو اقتصادية، بل قوة رمزية تصنع المعاني. إدريس هاني يعيد تمثيل المفاهيم: الدين، الفلسفة، التشيع، النهضة… لا على الطريقة الاستشراقية، ولا حتى على الطريقة السلفية أو التغريبية. بل كفاعلية دنيوية، وكمفاهيم مرنة وقابلة لإعادة التشكيل. فهو لا يكتفي بنقد الاستشراق، بل يبيّن كيف أن بعض الأسماء التي تُقدّم اليوم كرموز كونية – من مثل ابن تيمية أو حتى الرومي – لم يُنتجها السياق الإسلامي فقط، بل أُعيد تشكيلها داخل ماكينة التمثيل الغربي. ثالثًا: التبني الحضاري والتجديد الجذري المصطلح مفتاح لفهم مشروع هاني. إنه لا يدعو للقطيعة مع الغرب، ولا للانغلاق في التراث، بل للتبني النقدي، كما يُتبنّى طفل دون التخلّي عن الأبناء البيولوجيين! أي أن نتبنى الحداثة، لا بذوبان، بل بوعي جذري، وبمنهج لا يحبسنا في التكرار أو الانتقاء. من هنا، يقترح الدكتور هاني أن نخرج من سؤال النهضة بصيغته البسيطة: “كيف ننهض؟”، إلى سؤال أكثر عمقًا: كيف نعيد تمثيل أنفسنا والعالم؟، وهي المقاربة الأقرب إلى جوهر تيار ما بعد الاستعمار كما نظّر له سعيد، وسبيفاك، وهومي بابا. ألسنا نُعيد اليوم – دون وعي – إنتاج خريطة ما قبل الاستقلال؟ نبحث عن نخب جديدة، بينما نعيد تكرار نفس المفاهيم التي وُلدت داخل المركز الكولونيالي؟ أليس الوقت قد حان لنتحدث عن “نحن” خارج مرآة “الآخر”، أن نطرح فكرًا لا يريد فقط استعادة المجد، بل إعادة تشكيل الواقع؟ مشروع إدريس هاني، برأيي، ليس إجابة جاهزة، بل دعوة مفتوحة لمشروع فكري جماعي… مشروع نحتاج إليه في زمن لم يعد فيه الهامش متاحًا، ولا الفرص كثيرة. ألسنا نُعيد اليوم – دون وعي – إنتاج خريطة ما قبل الاستقلال؟ نبحث عن نخب جديدة، بينما نعيد تكرار نفس المفاهيم التي وُلدت داخل المركز الكولونيالي؟ أليس الوقت قد حان لنتحدث عن “نحن” خارج مرآة “الآخر”، أن نطرح فكرًا لا يريد فقط استعادة المجد، بل إعادة تشكيل الواقع؟ مشروع إدريس هاني، برأيي، ليس إجابة جاهزة، بل دعوة مفتوحة لمشروع فكري جماعي… مشروع نحتاج إليه في زمن لم يعد فيه الهامش متاحًا، ولا الفرص كثيرة.
12/08/2025




