الدراسات والبحوث

القلق الوجودي عند مارتن هيدغر

القلق الوجودي عند مارتن هيدغر

 

 

تخيل أنك تجلس في غرفتك المعتادة، وسط أشيائك التي تعرفها جيداً؛ السرير، المكتب، المصباح، وربما أصوات الشارع المألوفة تتسرب من النافذة. فجأة، وبلا أي إنذار مسبق، تفقد كل هذه الأشياء معناها. لا تبدو الغرفة مخيفة، لكنها تبدو غريبة، غريبة بشكل جذري وكأنك تراها لأول مرة، وكأن صلتك العاطفية والعملية بهذا العالم قد قُطعت تماماً. هذه التجربة المربكة، التي تجعل المرء يشعر بأنه “ليس في بيته” وسط عالمه الخاص، هي ما يطلق عليه الفيلسوف الألماني مارتن هيدغر حالة “القلق” (Angst) .

في مسار الفلسفة الوجودية، يُعتبر التمييز الذي وضعه هيدغر بين “الخوف” (Furcht) و”القلق” (Angst) واحداً من أهم التمييزات المفاهيمية. الخوف، وفقاً لهذا التصور، يكون دائماً من شيء محدد؛ أنت تخاف من حيوان مفترس، من فقدان وظيفتك، أو من مرض يهدد صحتك. للخوف موضوع واضح ومكان محدد يأتي منه التهديد. أما القلق، فهو على العكس تماماً، إنه ينبثق من “اللا-شيء” ومن “اللا-مكان”. إن ما يثير القلق ليس كياناً محدداً يتربص بنا، بل هو “العالم بما هو عالم”، أو بعبارة أدق، هو الوجود ذاته في كليته وانفتاحه المطلق.

يفسر هيدغر هذه الحالة بأنها ليست مجرد عارض نفسي أو اضطراب عصبي كما قد ينظر إليها علم النفس الحديث، بل هي “حالة مزاجية أساسية” (Grundbefindlichkeit) ذات وظيفة كشفية عميقة. في حياتنا اليومية، نحن منغمسون في أعمالنا، محاطون بالأدوات، ومندمجون في شبكة من العلاقات والأهداف التافهة التي تمنحنا شعوراً زائفاً بالأمان والانتماء. هذا الانغماس يسميه هيدغر بـ “السقوط” في عالم “العوام” أو “الهُم” (Das Man)، حيث نفكر كما يفكر الناس، ونشعر كما يشعرون.

تكمن الوظيفة الأنطولوجية للقلق في كونه يكسر هذه الدورة الروتينية. عندما يضرب القلق، فإنه يُسقط فجأة كل تلك الأهمية التي نضفيها على الأشياء. تتراجع الأدوات، وتفقد الأهداف اليومية بريقها، وينسحب الآخرون، ليجد الفرد نفسه معزولاً ومتروكاً وجهاً لوجه أمام حقيقة وجوده العاري. هذا الانسحاب الكلي للمألوف يولد شعوراً مروعاً بالوحشة (Unheimlichkeit)، حيث يفقد المرء وهم الاستقرار في العالم.

ورغم قسوة هذه التجربة، إلا أنها تُعد في الفلسفة الهيدغرية لحظة تحرر بامتياز. فالقلق يوقظ الإنسان من سباته اليومي المريح، وينتزعه من تماهيه مع الجموع، ليعيده إلى ذاته ككائن متفرد. في قلب هذا الفراغ الذي يخلفه القلق، تتجلى حقيقة أن الإنسان كائن حر، غير محدد مسبقاً، ومسؤول كلياً عن اختيار ماهيته وطريقة وجوده. إنها اللحظة التي يدرك فيها المرء فرد

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى