طرق و مدارس

دور الحركات الصوفية في نشر الإسلام وثقافته في النيجر المعاصر

دور الحركات الصوفية في نشر الإسلام وثقافته في النيجر المعاصر

الطريقة التجانية نموذجاً

تقديم:

تمر التجمعات الأفريقية في الوقت الراهن بمرحلة من أشد المراحل خطورة في تاريخ تطورها، تتمثل في تعرضها لكثير من التيارات الفكرية، والمذاهب العقدية والفقهية، والاتجاهات الأيديولوجية الغربية الوافدة التي يستقطب بريقها كثيرا من الأذهان. وكان لا بد لهذا الهجوم لهذا الهجوم الفكري والأيديولوجي أن يثير جدلا عنيفا بين المفكرين في المجتمعات الإفريقية، لسبر أغوار هذه الأيديولوجيات والمذاهب الدينية والفكرية الجديدية، وتحديد موقف الإسلام منها، ومعرفة ما يكمن قبوله أو رفضه منها، والوسيلة التي يمكن بها تطويع بعض تلك الاتجاهات والمواقف الفكرية الحديثة وإخضاعها للحياة والنظم الإسلامية الأصيلة، بحيث تنصهر آخر الأمر- إذا أمكن- في بوتقة الفكر الإسلامي الأصيل، أو تحديد الجوانب التي يمكن تعديلها في النظم وأنماط الحياة التقليدية السائدة في المجتمعات الأفريقية ذاتها، بحيث تتماشى وتتلاءم مع الأوضاع التي تسود بقية أنحاء العالم دون أن تفقد في الوقت ذاته هويتها الأفريقية وأصالتها الإسلامية.
وعلى الرغم من خطورة المرحلة الحالية فإن هذا الموقف ليس بالشيء الجديد في تاريخ المجتمعات الأفريقية والتصوف الإسلامي الذي يعتبر اليوم الحركة الإسلامية السائدة في أفريقيا المسلمة. فقد تعرض التصوف منذ ظهوره لكثير من الانتقادات، ودخل في كثير من الصراع الطويل المرير مع التيارات والمذاهب الفكرية الإسلامية والأجنبية، التي كانت تتعارض تعارضا جذريا مع مبادئه وتعاليمه. وهذا معناه أن الصعوبة التي يواجهها التصوف الإسلامي الآن هي –على ما نفترض- صعوبة مرحلية. فالتصوف حركة وصراع، دخل منذ يومه الأول في صراعات عقدية وفكرية خرج منها ظافرا. وكانت الأخطار العقدية والفكرية محدقة به من كل جانب في بعض الأنظمة السياسية العربية، ولكنه تغلب عليها وتجاوزها. وكذلك كان شأنه في جميع الساحات الفكرية، وكان دائما يؤكد أصالته وقدرته على البقاء والتغيير في هذا المجتمع أو ذاك.
وعلى أي حال فإنه على الرغم من كل ما قد تمر به المجتمعات الأفريقية من تغييرات، وما قد مر به فعلا خلال تاريخه الإسلامي الطويل، فإن الذي كان يميزها دائما هو أنها مجتمعات “صوفية” في المحل الأول، تستمد أصولها وقيمها وثقافتها ومبادئها ونظمها من التصوف، باعتبار أن التصوف ليس مجرد ظاهرة دينية وتربوية فحسب، وإنما باعتباره أيضا أسلوبا أو طريقة للحياة، وثقافة متكاملة ومتمايزة ومتفردة بذاتها، لها خصائصها ومقوماتها الذاتية الواضحة. لكن ما معنى التصوف؟ وما مكانته في الفكر الإسلامي؟ وبماذا يتميز التصوف عن بقية الاتجاهات في الفكر الإسلامي؟ وهل قام الصوفية بدور في نشر الإسلام وثقافية في العالم عامة وفي أفريقيا السوداء على وجه الخصوص؟

في مفهوم التصوف:

لقد تضاربت الآراء في أصل كلمة التصوف ومصادره، ولن نضيع الوقت في عرض هذه الآراء ومناقشتها، وإنما نكتفي بذكر بعض التعريفات التي يمكن بموجبها فهم المقصود بالتصوف.
إن كلمة التصوف مشتقة من “الصوف” والصوفي هو الذي يرتدي غليظ الصوف. قال السهروردي، صاحب كتاب “عوارف المعارف”: تصوف إذا لبس الصوف، كما يقال تقمّص إذا لبس القميص… فنسبوا إلى ظاهر اللبسة، وكان ذلك أبين في الإشارة إليهم(1).
وفي المعجم الوسيط نجد: التصوف: طريقة سلوكية قوامها التقشف والتحلي بالفضائل، لتزكو النفس وتسمو الروح(2) وفي نفس الإطار، يرى البعض بأن التصوف مأخوذ من الصفاء، ثم غلبت تسميته على المؤمنين الذين صفوا أنفسهم لله وآثروا حب الله ورسوله على أنفسهم وقاموا بالدعوة إلى الهدى وإحياء سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعملوا للدين والدنيا. فهؤلاء مع الله ومع الرسول صلى الله عليه وسلم لأن تصوفهم مزاج كامل بين متعة الحلال والبعد عن الحرام(3).
وهناك من يرى أن التصوف من الصُّفة، “وهي فناء ملحق بمسجد الرسول صلى الله عليه وسلم بالمدينة المنورة”(4) .
ويعرف ترتيب القاموس المحيط أخل الصُّفة بأنهم: “كانوا أضياف الإسلام، كانوا يبيتون في مسجده صلى الله عليه وسلم، وهي موضع مظلل في المسجد(5).
وفي حين أن علم التصوف: مجموعة المبادئ التي يعتقدها المتصوفة والآداب التي يتأدبون بها في مجتمعاتهم وخلواتهم(6).
وعلى صعيد المبادئ، “فذكر التصوف يبعث دائما على التفكير في الزهد والتقوى والإخلاص والورع والإيمان القوي والمبالغة في العبادة وتزكية النفس وإجلاء البصيرة وهيمنة الروح والتمسك الشديد بالسنة والحب الإلهي القاهر الجارف الذي انفرد به الصوفية من بين الطوائف الإسلامية(7).
ومن خلال ما سبق يمكن القول بأن “الصوفي نسبة إلى الصوفية وهم طائفة من المسلمين همهم من العمل إصلاح القلوب وتصفية السرائر والاستقبال بالأرواح وجهة الحق الأعلى جل شأنه حتى تأخذهم الجذبات عمن سواه وتفنى ذاتهم في ذاته وصفاتهم في صفاته، والعارفون منهم البالغون إلى الغاية من سيرهم في أعلى مرتبة من الكمال البشري بعد النبوة”(8).
وهكذا يتبين بشكل جلي أن التصوف: “.. منهج روحي وجداني يقوم على مجاهدة النفس للأهواء، وعلى تذوق حلاوة البعد الروحي في العبادة وهو الذي يحقق حالا من اليقين والاطمئنان لا تأتي من طريق الإشباع المادي بل من طريق الفؤاد وصفاء السرائر(9).
وفي إطار هذه التعريفات يمكن استخلاص القول بأن: “… الصوفية.. تبدو لنا حلا وسطا تلجأ إليه العقول المتدينة الحريصة على التوفيق بين الدين ومستلزماته الخلقية من جهة، ومعطيات العلم الناجمة عن الاختيار الحسي من جهة أخرى(10).
والسؤال المركزي الذي تتناوله المحاولة هو: هل لعب التصوف دورا هاما في نشر التعاليم الإسلامية وتأصيلها؟ وهل يمكن القول بأن التصوف حافظ على الإسلام ذاته في كثير من الفترات الحرجة في أفريقيا الغربية؟ وما هي طبيعة الظاهرة الصوفية في النيجر ودورها في نشر الثقافة الإسلامية وترسيخها في المجتمع؟

العلاقة بين التصوف وانتشار الإسلام في غرب أفريقيا

بالطبع، ليس الهدف من كتابة هذا العرض هو الإحاطة بكل جوانب التصوف في غرب أفريقيا أو حتى بأهم تلك الجوانب. فهذا موضوع أوسع وأشمل من أن يستوعبه الحيز المخصص لمثل هذا العرض. وإنما نسعى في هذه المحاولة إلى تقديم عدد من الآراء التي تحاول إلقاء الضوء على دور الحركات الصوفية في نشر الإسلام وثقافته في غرب أفريقيا، وذلك عن طريق تحليل حالة النيجر، كما سنرى في المحور الرابع من هذا العرض.
هذا، وبغض النظر عن الجدل الحاد الذي يثار بشأن إذا كان لبعض الحركات الصوفية في غرب أفريقيا دور بارز في تمكين الاستعمار من التغلغل في المجتمعات، فإن التصوف الإسلامي يعد بمختلف مدارسه من أقدم التيارات الدينية المتأصلة في المجتمعات الأفريقية التي يعتبر التصوف أحد أهم سماته الثقافية والفكرية. وقد انتشرت الثقافة الصوفية في المجتمعات الأفريقية بشكل لافت، سواء من حيث مظاهرها أو على مستوى النطاق الذي تتفاعل فيه، أو بالنسبة إلى عدد الجماعات الدينية التي تتمسك بها.
وعلى الرغم من الجهود، الجماعية والفردية، الكبيرة التي بذلتها بعض الحكومات العربية للحد من هذه الحركات الصوفية التي شغلت حكومات ومنظمات غير صوفية إلا أنها لم تأت بنتائج مريحة. وما تنامي دعوات الحوار بين المذاهب والطوائف الإسلامية وظهور شبكات ثقافة السلام والتسامح في المجتمعات الإسلامية إلا دليل على ذلك.
وتعد الحركة الصوفية مظهرا من مظاهر الإسلام الممارس الذي يتفشى في المجتمعات الأفريقية والآسيوية. وعلى الرغم من تنامي هذه الحركات وأهميتها في التعبئة الشعبية التي لا يختلف في شأنها اثنان، فإن وضع دراسة دقيقة وجادة لها واجهتها عدة صعوبات ومشكلات تحكمها الخلفيات الأيديولوجية والمصلحية والمذهبية سواء بالنسبة إلى الباحثين أو المفكرين، وكذا بالنسبة إلى المنظمات التي حاولت مقاربة هذه الحركة، وهذا طبعا ما سيثير عدة إشكالات وصعوبات عند دراسة دور التصوف في انتشار الإسلام، أو عند تحديد إطار جغرافي واجتماعي لتأثيرات ثقافته.
فمنذ بداية القرن الماضي وموضوع التصوف كحركة دينية سوسيو-ثقافية في أفريقيا يحظى باهتمام المفكرين والفقهاء الشرعيين ورجال السياسة، ويشكل محورا أساسيا لعدة لقاءات ومؤتمرات دولية (ندوة عين ماضي 1984، وندوة فاس 1985، ملتقى طرابلس 1995، ملتقى باماكو وملتقى الأغواط 2006.. الخ)، غير أن مجمل المحاولات التي تمت في هذا الصدد من أجل إعداد دراسة علمية ودقيقة للحركة، انتهت إلى إخفاق نسبي جراء اعتمادها على تحليلات عامة فضفاضة ومتباينة أحيانا.
وغني عن البيان “أن الصوفية في كل عصرهم حملة راية الإسلام في كل فن، في التوحيد والفقه والتفسير وعلوم الحديث واللغة وعلم الأخلاق، علم تهذيب النفوس التهذيب الروحي الذي هو لب الإسلام(11).
ومن الثابت لدى المؤرخين، قديما وحديثا، “أن السادة الصوفية هم الذين أدخلوا الإسلام إلى هذه البقاع (الأفريقية) منذ عهد قديم جدا، ولذلك بادر إلى التمسك به والسير على دربه أئمة البلاد ويتوارثونه خلفا عن سلف.”(12).
وضمن السياق نفسه، تأكد “.. إن انتشار الإسلام في السنغال، ومالي، والنيجر، وغينيا، وغانا، ونيجيريا، والتشاد.. إنما يرجع الشطر الأكبر من الفضل فيه إلى الطرق الصوفية.. فكانت الزوايا والرباطات التي أسسها شيوخ هذه الطرق الصوفية بؤرات لنشر الدعوة الإسلامية بين الشعوب الوثنية في غربي القارة الأفريقية وقلبها(13). ومرد هذا خصوصا إلى اختلاط الصوفية بالطبقات الشعبية في هذه البلاد، وعيشهم بين العامة والفقراء، مما أبدى لهؤلاء نماذج حية تتصف بالتقوى”(14).
وعلى العموم، فقد “ثبت تاريخيا أن التجار المتنقلين “جُولا” قاموا بنشر العقيدة الإسلامية أثناء أسفارهم وتجوالهم، لكن الدور الأول يرجع في ذلك إلى شيوخ (صوفية) أفارقة وعرب وبربر أبلوا البلاء الحسن في هذا المجال(15). فقد عم الإسلام في المنطقة –غربي أفريقيا- بفضل شجاعة وتفاني هؤلاء الرجال المتواضعون من الشيوخ المخلصين .. الذين كانوا يسلكون أوعر المسالك”(16).
وخلاصة القول إن انتشار الإسلام وثقافته في غرب أفريقيا قد بدأ، في الأوساط الصوفية، منذ الفتوحات التي قادها الشيخ الحاج عمر الفوتي، “. ولا زالت جهود العلماء (الصوفية) مستمرة لنشر تعاليم الدين الحق كجهود عائلة نياس في السنغال التي تخطو خطى الوالد المربي شيخ الإسلام بحق سيدي إبراهيم نياس الذي جاب العالم غربا وشرقا طالبا العلم وناشرا له، وترك مؤلفات عديدة ومريدين يعدون بالملايين، وغيرها من العائلات الكريمة الأخرى(17) في بقية الأقطار الأفريقية الأخرى.

  دور الطريقة التجانية في نشر الإسلام وثقافته في النيجر المعاصر:

ليس لهذا المحور أن يغطي هذه الطريقة بالدراسة أو تشملها بالشرح فيما يتعلق بدخولها إلى النيجر وانتشارها في أغلب المدن والمناطق النيجرية ودورها في حركة التصوف الإسلامي خصوصا والنشاط الثقافي والفكري عموما، فهذا يحتاج إلى دراسة عميقة ومتخصصة.
وإنما الهدف منه ذكر بعض الخصائص والإنجازات الدالة على الدور البارز الذي لعبته الطريقة التجانية في نشر الإسلام وثقافته في المجتمع النيجري المعاصر.

دور الطريقة التجانية في نشر الإسلام:
حاول شيوخ الطريقة التجانية منذ البداية، واستمروا على الدوام، أن يعملوا من أجل تعريف الناس بعقيدة الإسلام وقيمه الأخلاقية، ونشر ثقافة الإسلام، التي هي ثقافة التسامح والحوار والسلام، بين المواطنين النيجريين لجذب أكبر عدد منهم لاتجاه التصوف الإسلامي وجعلهم من أتباع ومريدي الطريقة التجانية، خاصة وأن الفكر التجاني كان ولا يزال يجد دائما تجاوبا من كثير من النيجريين الذين تستميلهم الأفكار الروحية وتستهويهم حياة التقشف والتقوى والورع. ولذا كانت الطريقة التجانية في النيجر من أقوى الحركات الصوفية التي استطاعت أن تسحر العقل النيجري دون أن تثير خلافات حول الطقوس والشعائر والفرائض طالما أنها لا تدعو إلاّ إلى حياة روحية لا يكاد يختلف فيها التجاني عن القادري، حتى تمكنت هذه الحركة الصوفية في النهاية من أن تكسب أرضا شعبية ضمت عامة الناس وخاصتهم، وأصبح التجاني محترما عند جميع المسلمين وعند أتباع الديانات الأخرى على السواء.. يتنافس الجميع في الالتفاف حولهم والاستماع إليهم.
ولقد سبق أن ترددت على النيجر المعاصر وفود متتالية من علماء الطريقة التجانية وتركت زياراتهم آثارا روحية عميقة نجحت في تأسيس مدرسة صوفية انخرط في سلكها أتباع ومريدون كثيرون. فكان من أبرز مشائخ الطريقة التجانية الذين طابت لهم الحياة في النيجر ودعموا الفكر التجاني فيه: شيخ الإسلام الحاج إبراهيم نياس الكولخي (1900-1975) مؤلف كتاب: “كاشف الإلباس عن فيضة الختم أبي العباس” باللغة العربية في النصف الأول من القرن الماضي.. وهو يعد من أشمل الكتب التي تعرض دراسات وافية لمختلف المذاهب الصوفية وشتى طرقها وعامة أحوالها، مع التركيز بطبيعة الحال على تجربة الشيخ أحمد التجاني (1717-1815).
ويعد فضيلة الشيخ الحاج إبراهيم نياس الكولخي، كما سبق الذكر، من العوامل الرئيسية التي أذاعت الأفكار الصوفية والطريقة التجانية بين عامة الناس من النيجريين، وخاصة الفقهاء منهم، الذين سرعان ما أدركوا ذلك التقارب الشديد بين طرق متصوفة الطريقة التجانية في المجاهدة والطرق الصوفية الأخرى في قهر الشهوات وترويض النفس والضبط الروحي وإعداد الروح للتأمل الذي لا تعكره نزوة ولا تصرفه عن الحقيقة رغبة.
هذا، وقد تمكنت الطريقة التجانية، من خلال عدد من الآليات، أن تنشر الدعوة الإسلامية، وأن تجعلها مقبولة لدى الجميع بدون غزوة ولا سلاح، فهي التي حملت نورها إلى المدن والقرى، وشيوخ التجانية هم الذين صمدوا في وجه التيارات الإلحادية والانحلالية، وهم الذين وقفوا حصنا منيعا شامخا ضد الاستعمار والغزو الثقافي.

المدارس القرآنية والمجالس العلمية:
تعتبر حلقات التعليم القرآني والشرعي من أنجح الطرق وأفضلها التي اعتمدتها التجانية في نشر الإسلام، بل لا تزال هي الطريقة الأكثر فائدة لنشر الثقافة الإسلامية، حيث أن الشيخ الفقيه يتصل بتلاميذه مباشرة في حلقات التعليم القرآني تلاوة وحفظا. وقد انتشرت المجالس العلمية كذلك بفضل هذا الأسلوب الميسر، وفي حالات كثيرة يستعين الشيخ الفقيه بكبار تلاميذه على صغارهم، وبهذا تتسع طاقة المجالس. وبالإضافة إلى تعليم القرآن الكريم، هناك دروس الفقه والسيرة والتفسير والحديث واللغة في المساجد الجامعة، وإن كانت العناية بهذه العلوم أقل من الاعتناء بالقرآن الكريم، وذلك أمر طبيعي في مثل تلك البيئات.

اعتماد مبدأ الأخوة الإسلامية:
لأتباع الطريقة التجانية في النيجر عناية خاصة بتحقيق التآخي والتكافل بين أفراد المجتمع النيجري المسلم، فليس تجانيا على الحقيقة من يرى نفسه أعلى من بني جنسه، بل من لوازم النظرة التجانية أن المسلمين إخوة يجب عليهم أن يتعاونوا، لأن الأخوة بين الأفراد المقبلين على الله تعالى وتبادل التآزر والتناصح والتضامن فينا بينهم دافع مهم في ابتغاء القرب من الله جل شأنه. وقد أثر هذا الفهم السامي لمعنى الأخوة في علاقة التجانيين بغيرهم من المواطنين النيجريين مما يجعلهم محل تقدير وثناء واقتداء.

أسلمة الحياة الاجتماعية:
تقوم التجانية بقيادة المجتمع النيجري المسلم نحو القيم الراقية وتحي فيه المفاهيم الأخلاقية العالية، وتعمل على نشر الثقافة الإسلامية السمحة في كل الأوساط الاجتماعية، كما أنها تستنهض همم المسلمين للمحافظة على دينهم الحنيف، وتسعى جاهدة إلى نشره مما أدى إلى دخول أتباع جدد في دين الله أفواجا عن طريق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وذلك تمثلا بقوله تعالى: )كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون من المنكر وتؤمنون بالله((18).
وعلى ضوء ما سبق، تدعو التجانية إلى ضرورة استئصال الشر والفساد، وتغيير الفرد والمجتمع، وتنمية حركة الخير والإصلاح فيه. فرسالة الطريقة التجانية رسالة مغيرة تستهدف استئصال الوجود الجاهلي، وحذف كل أشكال الفساد والانحراف من حياة الفرد والمجتمع تمهيدا لبناء الإنسان بناء فكريا وروحيا وسلوكيا، وتنظيم المجتمع تنظيما قانونيا وأخلاقيا وروحيا متماسكا.

دور الطريقة التجانية في ترسيخ الثقافة الإسلامية داخل المجتمع النيجري:
نحن هنا لسنا بصدد الحديث عن المؤسسات الفكرية والثقافية التابعة للزوايا التجانية في النيجر والتي تساهم في بناء صرح الثقافة الإسلامية؛ وإنما نريد تسليط الضوء على الدور الثقافي والحضاري الذي تضطلع به الطريقة التجانية إلى جانب عملها الروحي والاجتماعي على اعتبار أن الفكر التجاني فكر شامل لكل مناحي الحياة. وهي مرتبطة ببعضها ارتباطا وثيقا. واتخذنا من دور الزوايا التجانية هذا نموذجا لهذا الدور الذي لا يختلف البتة عما تقوم به في هذا المجال باقي الزوايا الصوفية في دول غرب أفريقيا. فالكل يعمل من أجل نشر الإسلام وترسيخ ثقافته في الحياة العملية للأفراد والجماعات، ومن ثم مصلحة الشعوب وتقدمها ورقيها وازدهارها.
وبعيدا عن عمل الزاوية التجانية الأساسي وهو الجدل الروحي والاجتماعي، فقد جاء في استراتيجية الزاوية ومنطلقاتها الأساسية أن الشيوخ يسعون جاهدين من خلال أعمالهم إلى إقامة المشاريع التعليمية والثقافية ودعمها، والتعريف بقيم الإسلام العليا ومثله السمحة بالوسائل التربوية الحديثة، المرئية والمسموعة والمقروءة، بعيدا عن التدخل في الشؤون السياسية. وهذا الأمر في الحقيقة أعطاها مرونة واسعة في التحرك والانتشار. وتعكس الإنجازات التي حققتها التجانية في هذا الجانب مدى الاهتمام الذي توليه للمشروعات الثقافية الإسلامية سواء داخل المدن أو في القرى. فقد بنى شيوخ الزوايا التجانية عشرات المدارس والمعاهد والمراكز الإسلامية وكفلوا المئات من طلبة العلم ودعموا الخلاوي القرآنية بالمال والمصاحف، ووزعوا أطنانا من المواد الغذائية على هذه المدارس القرآنية. وأنشأ أيضا بعض الشيوخ الوقفيات التي تخدم الأمور الثقافية والتعليمية والدعوية. وفي هذا الإطار أيضا تمثل الأعياد والمناسبات الإسلامية، التي يهتم الشيوخ التجانيون بإحيائها كل اهتمام، وسيلة خيرة من وسائل ترسيخ الجانب الأخلاقي والثقافي في نفوس الأتباع والمريدين.
ومن اللافت، عموما، أن دور الطريقة التجانية الرائدة في نشر الإسلام وثقافته دور جلي وواضح ومعروف في كل أرجاء عالمنا الإسلامي. وهذا ما أعطاها دورا خاصا في وجدان الإنسان المسلم، وأهلها بجدارة لتكون رافدا من روافد الثقافة الإسلامية. وزوايا الطريقة التجانية اليوم تتحرك وبجميع قطاعاتها ومؤسساتها من أجل دعم هذا التوجه الثقافي والمعرفي وإبراز وجه التجانية في الثقافة الإسلامية.

خلاصة واستنتاج:
من المعلوم أن انتشار الإسلام وثقافته في دول غرب أفريقيا كان بفضل جهود الزوايا الصوفية بشكل عام، والطريقة التجانية على وجه الخصوص. ومعلوم أن التجانية تشكل أقوى الطرق الصوفية العالمية الداعية والمروجة للثقافة الإسلامية. وهذا بحد ذاته يكفي لإعطاء فكرة واضحة عن دور التصوف الإسلامي في نشر العقيدة الإسلامية الصحيحة المبنية على الكتاب والسنة وأعمال السلف الصالح.
ومن معالم الحقبة التاريخية التي تمر بها منطقة غرب أفريقيا في الوقت الراهن، محاولة أعداء الصوفية لتجنيد الرأي العام العالمي ضد التصوف الإسلامي، وعبر ذلك ضد الصوفية علماء مسلمين وموجهين لحياة المجتمعات الأفريقية. على أن هذه هموم استراتيجية لا بد من إعطائها مكانتها التي تستحق كخلفية أيديولوجية للجهد الصوفي المطلوب لمعالجة الهموم الآنية التي تفرضها العولمة وتطبيق قوانين محاربة الإرهاب. لكن ما هي هذه الهموم الآنية؟ وهل يمكن التصدي لها؟ وكيف يجب ذلك؟.
إن رفع أي تحدٍّ أو حل أية مشكلة يبدأ بالوعي بها واستيعاب مكوناتها وإدراك مفاعيلها تمهيدا لاستنباط الحل المناسب لها. وبهذا المعنى نستطيع أن نقول إن هناك بعض التقدم في التعامل مع تحديات العولمة ومعضلة علمنة الحياة الثقافية في المجتمعات الأفريقية، وخاصة على مستوى المثقفين المتصوفة، ذلك أن الندوات والمؤتمرات والأبحاث التي عقدت وكتبت حول الموضوع تجاوزت العشرات، وهذا دليل يقظة وعلامة إيجابية. ولقد دعت الملتقيات جميعها تقريبا إلى وضع تصور لمشروع حضاري صوفي يكون دليلا للجماهير الصوفية في تصديها للهجمات العدائية في المجالات الفكرية والثقافية والتربوية وغيرها. لكن إن ما يلفت النظر أن هذه الدعوة لم تحظ بالمتابعة التي تستحق مع تحديات الحاضر ورهانات المستقبل، ولم يشترك فيها العدد المرغوب فيه من الكفاءات الفكرية الصوفية القادرة على الإنتاج والعطاء. ولعل ما يخفف من الأثر السلبي لهذا الواقع أن الموضوع ليس ظرفيا، بل هو من النوع المعقد والذي يطرح نفسه على مدى عقود من السنين، ولذلك فإنه يمكن أخذ فسحة أطول من الوقت حتى تكون حصيلة الجهد أكثر صوابا وفعلا. وهكذا فإن ما طرح في هذه الندوات والمؤتمرات لا يعدو أن يكون جملة أفكار جيدة ولكنها مبعثرة لا توحدها رؤية استراتيجية واضحة المعالم مشفوعة ببرنامج عمل مدروس.
إزاء هذا الواقع، لو أردنا أن نستخلص من الأفكار التي استعرضناها فيما تقدم صيغة عقلانية لما ينبغي أن يكون عليه الجهد الصوفي في أفريقيا الغربية، لاستطعنا أن نجتهد ونقدم التالي: لعل الجهد الصوفي الذي ينبغي أن يكون بالطبع على المستوى الجماهيري والنخبوي، يجب أن يركز على مجالين: الأول، مجال تحصين الذات الصوفية وتقوية المناعة الفكرية لدى الأفراد، والثاني، مجال إعادة النظر في أسس العمل الصوفي المشترك وأطره من أجل إعادة بنائه في ضوء التجارب الماضية الفاشلة، وفي ضوء الدروس المستفادة من جهاد شيوخ الصوفية الأوائل والتحولات العالمية على الصعيدين السياسي والثقافي في آن.

الهوامش والمراجع
(1) نقلا عن: حنا الفاخوري وخليل الجر، تاريخ الفلسفة العربية، دار الجيل، بيروت، 1993، ص: 283.
(2) جماعي، المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية، القاهرة، 1972، ص: 554.
(3) محمود السعيد الطنطاوي، عشرات على طريق التصوف الرشيد، …..؟، القاهرة، 1975، ص:5.
(4) أسعد السحمراني، التصوف: منشؤه ومصطلحاته، دار النفائس، بيروت، 2000، ص: 15.
(5) الطاهر الزاوي، ترتيب القاموس المحيط، دار عالم الكتب، الرياض، 1996، ص: 831.
(6) جماعي، المعجم الوسيط، مرجع سابق، ص: 554.
(7) الشيخ أحمد التجاني الفوتي، التصوف الإسلامي: مبادئه ومقاصده وغاياته، مركز الدراسات الإسلامية، أبيدجان (كوت دريڤوار)، 1991، ص: 20.
(8) نفس المرجع السابق، ص: 9.
(9) أسعد السحمراني، مرجع سابق، ص: 19-20.
(10) حنا الفاخوري وخليل الجر، مرجع سابق، ص: 283.
(11) محمد الحافظ التجاني، علماء تزكية النفس من أعلم الناس بالكتاب والسنة، من منشورات الزاوية التجانية الكبرى بمصر، القاهرة، 2004، ص: 10.
(12) محمد الناصر الكبرى، المرآة الصافية في بيان حقيقة التصوف وبعض رجاله ذوي المقامات العالية، المكتبة القادرية، كانو (نيجيريا) د ت، ص: 10
(13) أسعد السحمراني، مرجع سابق، ص: 163
(14) عبد الرحمن بدوي، تاريخ التصوف الإسلامي، وكالة المطبوعات، الكويت، 1975، ص: 25.
(15) عبد القادر سيلا، المسلمون في السنغال: معالم الحاضر وآفاق المستقبل، سلسلة كتاب الأمة (12)، الدوحة، 1986، ص: 63.
(16) لمزيد من المعلومات حول هذه النقطة، يمكن الرجوع إلى: قنسان مونتي في كتابه الشهير: الإسلام الأسود (بالفرنسية) والذي صدرت ترجمته إلى العربية بعنوان: الإسلام في إفريقيا السوداء.
(17) سي السعيد، الانتشار العالمي للطريقة التجانية وثمرة جهودها في التربية الروحية والاجتماعية، في أعمال الملتقى الدولي للإخوان التجانيين، الأغواط (الجزائر)، 2006، ص: 16.
(18) سورة آل عمران، الآية: 110.

_____________________

*المصدر: موقع “جنة العارفين”.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى