رسائل جامعية

فلسفة الفيزياء

 

 

الجامعة اللبنانية

كلية الآداب والعلوم الإنسانية

قسم الفلسفة – السنة الأولى ماستر

 

بحث فلسفي أكاديمي

فلسفة الفيزياء

اضاءة على مفردات الوجود والمعرفة والحقيقة في ضوء الفيزياء المعاصرة

 

 

 

 

إعداد الطالبة :شيراز صفا أستاذ المادة :د .حبيب فياض

المادة :فلسفة العلوم

 

بيروت – 2025/2026

 

الفهرس

 

المقدمة   ………………………………………….    3

الإشكالية الفلسفية     4………………………………………….

 

 

5 ………………………………………….

6 ………………………………………….

8 ………………………………………….

الفرضيات الفلسفية )التساؤلات الكبرى( المبحث الأول :فلسفة الزمان والمكان المبحث الثاني :الواقعية مقابل الأداتية

 

.المبحث الثالث :السببية والحتمية في ضوء ميكانيكا الكم9…………………………….

المبحث الرابع :إشكالية المراقب وانهيار الفصل بين الذات والموضوع…………… 11

المبحث الخامس :المعرفة اكتشاف أم انكشاف؟   ………………………………………….  13

الخاتمة   15……………

قائمة المصادر والمراجع 16………………………………………….

 

المقدمة

 

تُعَدُّ فَلْسَفَةُ العُلُومِ Science) of (Philosophy حَقْ الً يَتَسَاءَلُ عَنِ الُأسُسِ المَنْطِقِيَّةِ لِلنَّظَرِيَّاتِ العِلْمِيَّةِ. وَبَيْنَمَا يُجِيبُ الفِيزْيَائِيُّ عَنْ سُؤَالِ “كَيْفَ؟”، يَسْأَلُ الفَيْلَسُوفُ عَنْ مَاهِيَّةِ هَذِهِ المَعْرِفَةِ، وَهَلْ هِيَ يَقِينِيَّةٌ (Certain) أَمْ مُجَرَّدُ تَقْرِيبٍ وَظِيفِ ‘يٍ. يَسْعَى هَذَا البَحْثُ إِلَى اسْتِكْشَافِ الِإشْكَالِيَّاتِ الَّتِي أَثَارَتْهَا النِ’سْبِيَّةُ (Relativity) وَمِيكَانِيكا الكَ ِ ‘م Mechanics) (Quantum وَتَأْثِيرِهَا عَلَى مَفَاهِيمِ المَوْضُوعِيَّةِ (Objectivity) وَاللَّيًَقِينِ

.(Uncertainty)

 

وإذا كانت الفيزياء تُمث’ل اللغة الأ ‘م التي يكتب بها الكون قوانينه الكبرى، فإن فلسفة الفيزياء هي التي تتولى كشف القواعد الداخلية لهذه اللغة ومنطقها الضمني .ومن هنا تنهض فلسفة الفيزياء بوصفها من أكثر ميادين المعرفة إثارةً وعمقاً؛ لأنها لا تدرس معطيات العلم وحسب، بل تتساءل عن الأسس الأنطولوجية والإبستيمولوجية التي تقوم عليها النظريات الفيزيائية الكبرى.

وبينما يتفرغ الفيزيائي لصياغة المعادلات وإجراء القياسات واستنباط القوانين، يجيء الفيلسوف ليسأل عن معنى .تلك القوانين، وعن الواقع الذي تعب’ر عنه، وعما إذا كان العقل البشري قادراً على إدراك الكون كما هو في ذاته

وهذا التقاطع المهم بين المنهجين هو ما يمنح فلسفة الفيزياء طابعها الفر يد.

وقد بلغ هذا التوتر الفلسفي ذروتَه مع مطلع القرن العشرين، حين أطل’ت النظريةُ النسبية لألبرت أينشتاين وميكانيكا الكم على يد هايزنبرغ وبور وشرودنغر وغيرهم .فقد تزعزعت بذلك دعائم اليقين الكلاسيكي الذي أرساه نيوتن، وانفتحت أمام الفلاسفة والعلماء على ح „د’ سواء أسئلة وجودية لم يسبق لها مثيل :هل الواقع موضوعي مستقل عن مراقبه؟ هل الزمان والمكان مطلقان أم نسبيان؟ وهل يسير الكون وفق حتمية صارمة أم يكتنفه الاحتمال واللايقين؟

انطلاقاً من هذه الأسئلة المُل  ‘حة، يسعى هذا البحث إلى اضاءةعلى الإشكاليات الفلسفية الكبرى التي أثارتها الفيزياء المعاصرة، وذلك عبر منهجية تحليلية تجمع بين الدقة المفاهيمية والعمق الفلسفي .وسيتناول البحث ،خمسة مباحث رئيسية تغطي أبرز المحاور التي تتقاطع فيها الفيزياء مع الفلسفة : أولها فلسفة الزمان والمكان وثانيها إشكالية الواقعية في مقابل الأداتية، وثالثها مسألة السببية والحتمية، ورابعها إشكالية المراقب وانهيار الحدود بين الذات والموضوع، وخامسها طبيعة المعرفة العلمية بين الاكتشاف والانكشاف.

 

 

الإشكالية الفلسفية

 

تنبثق الإشكاليةُ المحورية لهذا البحث من قلب التذبذب القائم بين ما تكشفه الفيزياء المعاصرة من نتائج ثورية وما تفرضه على الفلسفة من تحديات جوهرية تم ‘س معنى الوجود والمعرفة والحقيقة في آ „نواحد.

فإذا كانت الفيزياء الكلاسيكية قد أوحت بأن الكون آلة دقيقة منتظمة يمكن للعقل أن يبلغ معرفتها الكاملة وأن يحدد ماضيها ومستقبلها تحديداً دقيقاً، فإن الفيزياء الحديثة قد كشفت أن هذا الكون أكثر تعقيداً وغرابةً مما كنا نتصور .ذلك أن مبدأ الريبة لهايزنبرغ يُثبت أن اللايقين ليس قصوراً في أدواتنا المعرفية، بل هو سمة أنطولوجية تلتصق بالمادة نفسها .فضلًا عن ذلك، فإن التشابك الكمي يُق ‘وض مفهوم المحلية ويُشير إلى ترابط عميق يسري في نسيج الكون كله .أما ظاهرة التراكب فتُثبت أن الجسيمات لا تملك واقعاً محدداً قبل عملية القياس.

من هنا تنشأ الإشكالية المركزية للبحث، والتي يمكن صياغتها على النحو الآتي :هل تُعيد الفيزياء المعاصرة رسم حدود المعرفة الإنسانية وتقلب تصوراتنا الجوهرية عن الوجود والحقيقة والسببية، أم أنها لا تعدو كونها تطويراً للمنظومة الفيزيائية الكلاسيكية دون أن تم ‘س الأسس الفلسفية الكبرى؟

وتتفرع عن هذه الإشكالية المركزية جملة من التساؤلات التي ستو ‘جه مسار البحث وتحكم بنيته المنهجية، وهي ما نستعرضه في القسم التالي.

 

 

التساؤلات الكبرى والفرضيات الفلسفية

 

تنطلق هذه التساؤلات من الإشكالية المطروحة، وهي ليست إجابات جاهزة بل مسارا ت للتفكير الفلسفي

المنهجي، يسعىهذا البحث إلى تحليلها واختبارهاومناقشتها.

التساؤل الاول: ما طبيعة الزمان والمكان؟

هل يمث’ل الزمانُ والمكانُ وعاءين مستقلين يحتضنان الأحداث كما ذهب نيوتن، أم أنهمافي حالةتعالق ينبثق من تفاعل الأجسام ببعضها كما أكد ليبنتز؟ وكيف غي’رت النسبية العامة لأينشتاين فهمنا لهما بوصفهما نسيجاً ديناميكياً يتأثر بالمادة والطاقة؟

التساؤل الثاني: هل النظريات الفيزيائية تصف الواقع فحسب ام تتنبأ بالظواهر ؟

هل الكيانات التي تفترضها الفيزياء كالإلكترونات والثقوب السوداء موجودة بالفعل وفق الموقف الواقعي، أم أنها مجرد نماذج رياضية وظيفية لتفسير الظواهر والتنبؤ بها دون أن يعني ذلك وجودها الحقيقي وفق الموقف الأداتي؟

التساؤل الثالت : هل الكون حتمي ام احتمالي في جوهره؟

هل مبدأ الريبة لهايزنبرغ يكشف عن لايقين معرفي ناجم عن قصور أدواتنا، أم أنه يُعب’ر عن حقيقة أنطولوجية تكشف أن الاحتمال سمة جوهرية في بنية الكون ذاتها؟ وما انعكاس ذلك على مفهومَي الحرية والمسؤولية الأخلاقية؟

التساؤل الرابع: ما دور المراقب في ظل الواقع الكمي؟

هل يكفي التفاعل الفيزيائي لإنهاء حالة التراكب الكمي وتحديد الحالة المادية، أم أن الوعي البشري يُسهم فعلياً في التأثير بالواقع؟ وما الحد’ الفاصل بين الذات العارفة والموضوع المعروف في ضوء التجارب الكمية؟

التساؤل الخامس :هل المعرفة العلمية اكتشاف أم انكشاف؟

 

هل يرفع العالِم الستار عن حقيقة مكتملة سابقة لوجوده، أم أنه يشارك بفاعلية في إبراز وج „ه من وجوه الحقيقة يتحدد بطبيعة أسئلته وأدواته وسياق بحثه؟

 

لمَبْحَثُ الَأوَّلُ: فَلْسَفَةُ الزَّمَانِ وَالمَكَانِ Time) and Space of (Philosophy

 

 

 

 

 

 

 (Absolute vs. Relative):ِي ْسِب الِن ُمَقاِبَل لُمْطَلُق

أولاا:

 

 

دَافَعَ نِيُوتُن عَنِ المَكَانِ المُطْلَقِ Space) (Absolute وَالزَّمَانِ المُطْلَقِ Time) (Absolute بِاعْتِبَارِهِمَا وِعَاءَيْنِ مُسْتَقِلَّيْنِ. فِي المُقَابِلِ، نَادَى لِيبْنِتْز بِـ النِ’سْبِيَّةِ العَلَئًِقِيَّةِ(Relationalism) ، حَيْثُ الزَّمَانُ وَالمَكَانُ مُجَرَّدُ أَطْرٍ تَنْشَأُ بَيْنَ الَأشْيَاءِ.

طرح الفلاسفة والعلماء منذ القدم تساؤلات جوهرية حول طبيعة الزمان والمكان .وقد هيمن على الفكر الغربي الحديث موقفان متعارضان رئيسيان :الموقف المطلق الذي دافع عنه إسحاق نيوتن، والموقف النسبي الذي نادى به غوتفريد ليبنتز .ولا يُمث’ل هذا التعارض خلافاً فيزيائياً وحسب، بل هو في جوهره إشكالية أنطولوجية عميقة

تتعلق بماهية الوجود والبنية التحتية للكون.

 

١ الزمان والمكان المطلقان عند نيوتن

رأى نيوتن أن الزمان والمكان حاضران وموجودان بصرف النظر عن الأجسام والأحداث التي تجري فيهما. فالمكان عنده وعا ء ثابت لا يتغير، والزمان نه ر مستقل يجري في اتجاه واحد ثابت، سواء وُجد فيه شيء أم لم يوجد .وقد دافع عن هذا الموقف بحجة دلو الماء الدوار، إذ رأى أن الماء يميل نحو حواف الدلو حتى حين يكون معلقاً بعيداً عن أي جسم آخر، مما يُشير إلى وجود فضاء مطلق تُنسب إليه الحركة وتُقاس بالنسبة إليه.

٢ النسبية العلائقية عند ليبنتز

في المقابل، يرى ليبنتز أن الزمان والمكان ليسا سوى أُطر علائقية، أي أنهما لا يوجدان إلا بوصفهما عالقات بين الأشياء لا مستقلَّين عنها .فالمكان عنده هو نظام التجاور بين الأجسام، والزمان هو نظام التتالي بين الأحداث، ولو خلا الكون من الأشياء والأحداث لما بقي زما ن ولا مكان .وقد دافع ليبنتز عن هذا الموقف مستنداً إلى مبدأ العقل الكافي، إذ تساءل :لو كان المكان مطلقاً وفارغاً لَمَا كان ثمة سبب يُر ‘جح وجود الكون في موضع بعينه دون سواه.

(Einsteinian Revolution): اَلأْيْنْشَتاْيِنَّيُة الَّثْوَرُة٣ –

 

دَمَجَتِ النِ’سْبِيَّةُ الزَّمَانَ وَالمَكَانَ فِي بِنْيَةٍ وَاحِدَةٍ تُعْرَفُ بِـ الزَّمَكَانِ(Spacetime) ، وَأَثْبَتَتْ أَنَّ الجَاذِبِيَّةَ هِيَ انْحِنَاءٌ (Curvature)فِي هَذَا النَّسِيجِ.

جاءت النسبية الخاصة عام 1905 لتُق ‘رر أن الزمن والمكان ليسا مستقلَّين بل يتشابكان في بنية واحدة هي الزمكان وعلى خلاف النظرة النيوتنية التي تعتبر الزمان مطلقاً متساوياً لجميع المراقبين، أثبتت النسبية أن الزمن نسبي يتباطأ مع سرعة الجسم وتشتد كثافته بالقرب من المادة الكبيرة .وقد أكملت النسبية العامة عام 1915 هذا التحول

 

الجذري بإثبات أن المادة والطاقةتحني نسيج الزمكان، وأن الجاذبية ليست قوةً بالمعنى النيوتني، بل هي انحنا ء في هذا النسيج.

وقد كان لهذا التحول الأينشتاين أث ر فلسفي بالغ؛ فلم يَعُد الزمان والمكان إطارين محايدَين للأحداث، بل صارا

مُك ‘ونَين فاعلَين في بنية الكون يتأثران بما يحدث فيهما ويؤثران فيه .وهذا ما يُعيد رسم حدود مفهوم الوجود ذاته.

 

 

ثانياا :سَهْمُ الزَّمَنِ Time): of (Arrow

 

تَبْرُزُ إِشْكَالِيَّةٌ بَيْنَ القَوَانِينِ المِيكْرُوسْكُوبِيَّةِ المُتَمَاثِلَةِ زَمَنِيًّا (Time-Symmetric) وَتَجْرِبَتِنَا لِزَمَنٍ يَنْطَلِقُ فِي اتِ’جَاهٍ وَاحِدٍ بِسَبَبِ الِإنْتُرُوبِيَا(Entropy) .

تطرح فيزياء الزمن إشكالية فلسفية وعلمية بالغة الدقة؛ فبينما تبدو القوانين الفيزيائية في مستوياتها “الميكروسكوبية” كقوانين نيوتن ومعادلات شرودنغرمتماثلةً زمنياً، أي أنها تعمل بالطريقة ذاتها سواء تحرك الزمن للأمام أو للخلف، إلا أن تجربتنا الشعورية تُخبرنا بأن الزمن “سهم “ينطلق في اتجاه واحد لا رجعة فيه من الماضي نحوالمستقبل.

ويعزو العلماء هذا التناقض عادةً إلى القانون الثاني للديناميكا الحرارية، الذي ينص على أن” الإنتروبيا” أي مقياس العشوائيةوالفوضى فيأي نظام معزول تميل دائماً إلى الازدياد .فهذا التزايد هو ما يمنح الزمن اتجاه ويخلق الفارق الذي نلمسه بين الماضي “المنظم “والمستقبل “الأقل نظاما.

ثالثا:كَوْنُ الكُتْلَةِUniverse): (Block هلالزمن وهم؟

 

تَقْتَرِحُ نَظَرِيَّةُ الَأزَلِيَّةِ (Eternalism) أَنَّ الكَوْنَ كُتْلَةٌ رُبَاعِيَّةُ الَأبْعَادِ، حَيْثُ المَاضِي وَالحَاضِرُ وَالمُسْتَقْبَلُ مَوْجُودُونَ بِالتَّسَاوِي.

يقودنا هذا البحث إلى تساؤل فلسفي أعمق حول طبيعة الوجود :هل الماضي والمستقبل موجودان بالفعل كجزء من نسيج كوني ثابت، أم أن “الحاضر “وحده هو الحقيقة الوجودية؟ تبرز هنا نظرية “كون الكتلة” المرتبطة فلسفياً بمذهب الأزلية والتي تقترح أن الكون عبارة عن كتلة رباعية الأبعاد :ثلاثة أبعاد للمكان وبُعد رابع للزمان .وفي هذا النموذج لا “يتدفق “الزمن كما نشعر به، بل هو موجود كبنية كاملة دفعةً واحدة.

وفقاً لهذه النظرية، فإن شعورنا بمرور الوقت هو مجرد “وهم “ناتج عن الطريقة التي يُعالج بها وعينا البشري للمعلومات ؛ وهو ما يجعل كل النقاط الزمنية موجودةً بتسا „و وجودي .في المقابل، ترى الحاضرية أن الحاضر وحده هو الموجود، أما الماضي فقد زال والمستقبل لم يوجد بعد .وتظل هذه المسألة موضع جدل محتدم بين

الموقفين، وهي إشكالية يُلقي عليها كل من الفيزياء والفلسفة ضوءاً مختلفاً.

 

 

 

 

 

المبحث الثَّانِي: الوَاقِعِيَّةُ مُقَابِلَ الَأدَاتِيَّةِ Instrumentalism) vs. (Realism

 

أولاا :تحديد الموقفين وجذورهما

 

تُعد’ إشكالي’ةُ الواقعي’ةُ في مقابلِ الأداتي’ةِ منْ أعمقِ الإشكالي’اتِ في فلسفةِ العلمِ، وتتمحورُ حولَ سؤالٍ جوهر ‘يٍ: ماذا تعني نظري’ةٌ فيزيائي’ةٌ ناجحةٌ؟ هل تعني أن’ها تُخبرُنا بشيءٍ حقيق  ‘يٍ عنِ العالمِ المستقلِ عن عقولِنا، أم تعني فقط أن’ها أداةٌ رياضي’ةٌ فع’الةٌ للت’نبؤِ بال ‘ظواهرِ الملحًظةِ دونَ أنْ نلتزمَ بأ ‘يِ

موقفٍ ميتافيزيق ‘يِ؟ هذا السؤالُ الجوهر ‘ي هو ما يفصلُ بين المعسكريْنِ أو بين هذين الموقفيْن.

 (Scientific Realism):الِعْلِمَّيُة الَواِقِعَّيُة

 

يُؤْمِنُ أَصْحَابُهَا أَنَّ النَّظَرِيَّاتِ تَصِفُ الوَاقِعَ المُسْتَقِلَّ عَنِ العَقْلِreality) (Mind-independent ، مُسْتَنِدِينَ إِلَى الحُجَّةِ الِإعْجَازِيَّةِArgument) (No-Miracles ؛ فَهُوَ مِنَ المُعْجِزِ أَنْ تَنْجَحَ النَّظَرِيَّاتُ دُونَ أَنْ تَكُونَ حَقِيقِيَّةا.

يؤمنُ الواقعيونَ بأنَّ الن’ظرياتِ الفيزيائي’ةَ الن’اجحةَ تصفُ الواقعَ المستقِ’لَ عنِ العقلِ البشر  ‘يِ. فحينَ تتحد’ثُ الن’ظري’ةُ الك ‘ميةُ عنِ الإلكترونِ أوِ المجالِ الك ‘موم ‘ي، فهي تُشيرُ إلى كياناتٍ موجودةٍ في الكونِ بصرفِ الن’ظرِ عن ملحًظتِنا لها. ويستندُ الواقعيونَ في ذلك إلى ما يُسمى “الح ‘جةُ الإعجازي’ةُ” : لو لم تكنِ الن’ظرياتُ الفيزيائي’ةُ تُقاربُ الحقيقةَ

لَكانَ نجاحُها الت’نبُّؤيُّ الهائلُ معجزةا خارقةا لا تفسيرَ لها ومنْ أبرزِ الواقعيينَ في هذا ال  ‘صددِ هيلرًي بوتنام الذي صاغَ هذه الحُ ‘جةَ في صورتِها الأوضحِ .

 (Instrumentalism):اَلأَداِتَّيُة

 

يَرَى الَأدَاتِيُّونَ أَنَّ النَّظَرِيَّاتِ مُجَرَّدُ أَدَوَاتٍ حِسَابِيَّةٍ tools) (Computational لِلتَّنَبُّؤِ بِالظَّوَاهِرِ، وَالكِيَانَاتِ كَـ الِإلِكْتُرُونِ (Electron) هِيَ نَمَاذِجُ رِيَاضِيَّةٌ وَلَيْسَتْ بِالضَّرُورَةِ كِيَانَاتٍ حَقِيقِيَّةا.

وقدِ اعتمدَ نيلز بور موقفاا شبي اها بهذا في تفسيرِ كوبنهاجن، إذ رفضَ الحديثَ ع ‘ما يفعلُهُ الجُسيْمُ حينَ لا نُراقبُه، معتب ارا أنَّ ال ‘سؤالَ عنِ الواقعِ قبلَ القياسِ لا معناى له ؟

 

ثانياً: نقدُ الموقفين والمواقفِ الوسيطةِ

الوَاقِعِيَّةُ البِنْيَوِيَّةُ Realism): (Structural مَوْقِفٌ وَسِيطٌ يَقُولُ إِنَّ العِلْمَ لَا يَكْشِفُ طَبِيعَةَ الَأشْيَاءِ، بَلْ يَكْشِفُ البِنْيَةَ ال ِ’ريَاضِيَّةَ structure) (Mathematical لِلْعَلَقًَاتِ بَيْنَهَا.

واجهَ كِلً الموقفيْنِ انتقاداتٍ جدي’ةا ومع ‘مقةا. فالواقعي’ةُ تصطدمُ بما يُعرفُ بـ”الت’شاؤمِ الاستقرائ ‘ي” إذ إنَّ الن’ظرياتِ الن’اجحةَ تاريخيًّا كفيزياءِ نيوتن ونظريةِ جُسيْماتِ الأثيرِ قدْ استُبدلَتْ بنظرياتٍ

مغايرةٍ كُل’يًّا، مما يُش ‘ككُ في إمكاني’ةِ الاطمئنانِ إلى أنَّ نظرياتِنا ال ‘راهنةَ تُخبرُنا بالحقيقةِ الن’هائي’ةِ. وفي المقابلِ، تُحرجُ الأداتي’ةَ قدرتُها على تفسيرِ نجاحِ التقنياتِ المبني’ةِ على ميكانيكا الكمَّ كالت’رانزستور والليزر والتشفيرِ الكم ‘يِ؛ فكيفَ تنجحُ الأداةُ في إنتاجِ تكنولوجيا حقيقيةٍ إنْ لم تكنْ

تُشيرُ إلى شيءٍ ما في الواقعِ؟ وقدْ ظهرتْ نتيجةا لذلك مواقفُ وسيطةٌ محاولةا الخروجَ من هذا

المأزقِ. ففي حين تُر ‘سخُ “الواقعي’ةُ البنيوي’ةُ ” أنَّ ما تكشفُه الن’ظرياتُ هو البُنى الرياضي’ةُ للواقعِ لا طبيعةَ الكياناتِ في ذاتِها، يذهبُ “الواقعيُّ التجريبيُّ” إلى الإقرارِ بالوجودِ الحقيق ‘يِ للكياناتِ التي

التي يُمكنُ الت’لعًبُ بها تجريبيًّا دونَ الالتزامِ بأكثرِ من ذلك. وهذه المواقفُ الوسيطةُ هي التي

تشغلُ حيْ ازا واسعاا منَ الن’قاشِ الفلسف ‘يِ المعاصر.

المَبْحَثُ الثَّالِثُ: السَّبَبِيَّةُ وَالحَتْمِيَّةُ Determinism) and (Causality

أ ولًا: حتمي ة نيوتن والكون ال ساعة

الحَتْمِيَّةُ النِ’يوُتُنِيَّةُ Determinism): (Strict تَصَوَّرَ الكَوْنَ كَآلَةٍ دَقِيقَةٍ. وَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ لَابْلَسً بِمَا يُعْرَفُ بِـ “شَيْطَانِ لَابْلَسًDemon) (Laplace’s “، الَّذِي يَمْلِكُ مَعْرِفَةا كَامِلَةا بِالمَاضِي وَالمُسْتَقْبَلِ.

أفضى الإنجازُ الن’يوتنيُّ في القرنِ ال ‘سابعِ عشرَ إلى تص ‘ورٍ كون ‘يٍ قائمٍ على الحتمي’ةِ ال  ‘صارمةِ: الكونُ آلةٌ ضخمةٌ تخضعُ لقوانينَ ثابتةٍ، ولو عرفْنا مواضعَ جميعِ الجُسيْمات وسرعاتِها في لحظةٍ بعينِها لاستطعْنا أنْ نتنب’أَ بمستقبلِ الكونِ بأسرِهِ وأنْ نرسمَ ماضيَه كام الً وهذا ما عب’رَ عنه عالِمُ الرياضياتِ” بيار سيمون دو لابلسً” بصورةٍ جلي’ةٍ حينَ تص ‘ورَ كياناا خياليًّا باتَ يُعرفُ بـ”شيطانِ لابلسً”لديه معرفةٌ كاملةٌ بالحالةِ ال ‘راهنةِ للكونِ، فلنْ يكونَ ث ‘مةَ شيءٌ غامضٌ أمامَه لا في الماضي ولا في المستقبلِ. وفي هذا الإطارِ الحتم ‘يِ الذي لا يُفسحُ مكاناا للصدفةِ الحقيقي’ةِ

ولا للإرادةِ الح ‘رةِ بالمعنى الميتافيزيق ‘يِ، كانَ كلُّ شيءٍ مجردَ تك ‘شفٍ ضرور ‘يٍ لقوانينَ مكتوبةٍ في بنيةِ ال ‘طبيعةِ.

وقدْ ترتبَ على هذه الن’ظرةِ إشكالياتٌ أخلقًي’ةٌ بالغةُ الأثرِ: كيفَ نُحاسبُ الإنسانَ على أفعالِهِ إذا كانتْ محد’دةا سلفاا

بقوانينِ ال ‘طبيعةِ ؟

 

ثانياً: مبدأُ ال ريبةِ وانهيارُ الحتمي ةِ الكلاسيكي ةِ

مَبْدَأُ ال ِ’ريبَةِ Principle) :(Uncertainty أَثْبَتَ هَايْزِنْبِرْغ أَنَّ اللَّيًَقِينَ (Indeterminacy) لَيْسَ قُصُو ارا فِي الَأدَوَاتِ، بَلْ هُوَ قَيْدٌ أَصِيلٌ فِي طَبِيعَةِ الوَاقِعِ ذَاتِهِ.

في عام 1927، صاغَ فيرنر هايزنبرغ مبدأه الشهيرَ الذي ينصُّ على أن’ه من المستحيلِ قياسُ موضعِ الجسيمِ وزخمِه بدق’ةٍ تا ‘مةِ في آنٍ واحدٍ؛ فكل’ما ازدادتْ دِق’ةُ قياسِ الموضعِ ازدادَ الغموضُ في قياسِ ال ‘زخمِ، والعكسُ صحيحٌ. والأهمُّ فلسفيًّا أنَّ هذا القيدَ ليسَ قصو ارا في أجهزةِ القياسٌ بل هو قيدٌ أساسيٌّ في طبيعةِ الواقعِ ذاتِه، لا في قصورِ أدواتِنا . وقد أوجدَ هذا المبدأُ شر اخا عميقاا في صرحِ الحتمي’ةِ الكلسًيكي’ةِ؛ إذ إن كانَ منَ المستحيلِ معرفةُ الحالةِ الكاملةِ للن’ظامِ الك ‘م ‘يِ، فكيفَ يمكنُ الت’نب’ؤُ بمستقبلِه بصورةٍ يقيني’ةٍ؟ وقدْ فُتحَ ذلك البابُ أمامَ فلسًفةِ الح ‘ري’ةِ لإعادةِ الاعتبارِ لمفهومِ الإرادةِ الح ‘رةِ في ضوءِ هذا الليًقينِ الكون ‘يِ .

 

ثالثاً: التَّشَابُكُ الكَ مِ يEntanglement Quantum وإشكالية السببية

يُمث’ل التشابكُ الك ‘م  ‘ي تحد’يًّا آخرَ لمفهومِ السببي’ةِ الكلسًيكي’ةِ. فحينَ يتشابكُ جسيمان كميان، يُصبحُ قياسُ خصائصَ أحدِهما مُحدِ’داا آنيًّا لخصائصِ الآخرِ بصرفٌ الن’ظرِِ عنِ المسافةِ الفاصلةِ بينَهما. يُشِيرُ إِلَى أَنَّ قِيَاسَ خَصَائِصِ جُسَيْمٍ يُحَدِ’دُ آنِيًّا خَصَائِصَ الآخَرِ، مِمَّا يَتَحَدَّى مَفْهُومَ المَحَلِ’يَّةِ(Locality) . وقد وْصفَ أينشتاين هذا الأمرَ بـ”التأثيرِ الشبح ‘يِ عن بُعدٍ”، راف  اضا قبولِه لأن’ه يبدو مخالفاا لمبدإِ المحل’ي’ةِ ولمبدإِ عدمِ تجاوزِ أ ‘يِ تأثيرٍ لسرعةِ

ال  ‘ضوءِ. بيدَ أنَّ تجاربَ جون بيل عام 1964 وما تلهًا من تجاربَ مختبري’ةٍ خا  ‘صةا تلكَ ال’تي أنجزَها آلان أسبيه

وزملؤًه , أثبتتْ ص ‘حةَ التنبؤاتِ الك ‘مي’ةِ وأكدتْ أنَّ الت’شابكَ حقيقةٌ لا يمكنُ تفسيرُها بالمتغي’راتِ الخفيةِ المحل’ي’ةِ وقدْ حازَ العلماءُ المساهمون في هذا الإثباتِ جائزةَ نوبل في الفيزياءِ عام .2022 وهذا يطرحُ على الفيلسوفِ سؤالاا عسي ارا: هلْ يُمكنُ الحفاظُ على مفهومِ السببيةِ في كونٍ يتجاوزُ فيهِ الت’أثيرُ الك ‘ميُّ حدودَ المكانِ والزمانِ؟

 

 

رابعاً: موقفُ الفلسفةِ الت راثي ةِ من ال سببي ةِ

لم يكُنْ تساؤلُ ال ‘سببيةِ وافداا من بوابةِ الفيزياءِ الحديثةِ وحدها؛ فقدْ سبقَ ديفيد هيوم في القرنِ الث’امنِ عشر أن ج ‘ردَ مفهومَ ال ‘سببي’ةِ منْ هالتِها الميتافيزيقي’ةِ، مُبي’ناا أنَّنا لا نُدركُ “ال ‘رابطَ ال  ‘ضروريَّ” بينَ ال ‘سببِ والأثرِ، بلْ نُلحًظُ مجردَ تتالٍ منتظمٍ بين أحداثٍ. وقدْ وجدَ هذا النقدَ الهيوم ‘ي صداى عميقاا في دراساتِ فلسفةِ ميكانيكا الك ِ ‘م، حيث لا

يوجدُ رابطٌ سببيٌّ حتميٌّ بينَ الحالةِ الأولي’ةِ للجُسيْمِ ونتيجةِ قياسِه، مما يجعلُ موقفَ هيوم أكثرَ اتساقاا مع المعطياتِ

العلميةِ الراهنةِ مما كان يبدو في عصرِه.

تُمثَّلُ إشكاليةُ السببيةِ في الفلسفةِ التراثي’ةِ بصراعٍ محتدمٍ بين “ضرورةِ العقلِ” و”طلقًةِ القدرةِ الإلهية”؛ حيث ذهبَ الفلسًفةُ المشاؤون، كابن سينا وابن رشد، إلى أ ‘ن السببيةَ نظامٌ كونيٌّ محكمٌ وقانونٌ ضروريٌّ لا يتبدلُ، معتبرين أ ‘ن وجودَ العل’ةِ يستلزمُ وجودَ المعلولِ بالضرورةِ، لأن نفيَ هذا الارتباطِ هو نفيٌ للعقلِ ولإمكانيةِ العلمِ بالواقعِ. يَتَقَاطَعُ هَذَا مَعَ نَقْدِ دِيفِيد هِيُوم لِلرَّابِطِ الضَّرُورِ ‘يِ، وَال ِ ‘صرَاعِ بَيْنَ الضَّرُورَةِ (Necessity) عِنْدَ ابْنِ رُشْدٍ وَ الِاقْتِرَانِ العَادِ ‘يِ Conjunction) (Habitual عِنْدَ الغَزَالِ ‘يِ .

 

وفي المقابل، قاد الإمام الغزالي والمتكلمون ثورة نقدية ضد هذا المفهوم، مرجعين التلزًم بين الأسباب ونتائجها )كالنار والإحراق( إلى “الاقتران العادي” لا “الضرورة الذاتية”، فالفاعل الحقيقي هو الله الذي يجري العادة بربط الظواهر ببعضها، وهو قادر على خرق هذه العادة متى شاء )كما في المعجزات.( وهكذا، ظل الموقف التراثي منقسماا بين رؤية “رشدية” ترى العالم كآلة عقلية منتظمة، ورؤية “غزالية” تراه مسرحاا دائماا للإرادة الإلهية، وهي مفارقة مهدت الطريق لاحقاا لنقاشات فلسفية وعلمية كبرى حول الحتمية في العصر الحديث.

 

المَبْحَثُ الرَّابِعُ: إِشْكَالِيَّةُ المُرَاقِبِ Problem) Observer (The وانهيار الفصل بين الذات والموضوع

أولا : مَبْدَأُ التَّرَاكُبِومشكلة القياس(Superposition):

 

ثانياا :تجربة الشق المزدوج والمفارقة الكبرى

تُج ‘سد تجربةُ الشق المزدوج هذه المفارقة في أوضح صورها .فحين نُطلق إلكترونات نحو حاجز فيه شق’ان دون أن نراقب من أيهما يمر الإلكترون، نُلاحظ على الشاشة خلفه نمط تداخل موجي كأن الإلكترون م ‘ر من الشقين معاً في الوقت ذاته .يُشِيرُ إِلَى أَنَّ الجُسَيْمَ يُوجَدُ فِي حَالَاتٍ مُتَعَدِ’دَةٍ مَعاا تُوصَفُ بِـ الدَّالَّةِ المَوْجِيَّةِ (Wavefunction)قَبْلَ عَمَلِيَّةِ الرَّصْدِ ،لكن بمجرد أن نضع أجهزة رصد لمعرفة من أي الشقين يمر الإلكترون يختفي نمط التداخل ويُصبح الإلكترون يمر من شق واحد فحسب تصرفاً كالجسيم العادي .

ومعنى ذلك أن الرصد نفسه – أي “النظر –” يُغي’ر السلوك الفيزيائي للجسيم .وقد ألهمت هذه الظاهرة كثيراً من الفلاسفة للتساؤل :هل يخلق الوعي الواقع أم يكشفه فحسب؟ وهل ثمة واقع موضوعي قائم دون مراقب؟

ثالثاا :التفسيرات الفلسفية لمشكلة القياس

لم يُجمع العلماء والفلاسفة على إجابة واحدة لمشكلة القياس، فتعددت التفسيرات وتشعبت .مُشْكِلَةُ القِيَاسِ Problem): (Measurementتَتَجَلَّى فِي أَنَّ فِعْلَ الرَّصْدِ يُؤَدِ’ي إِلَى انْهِيَارِ الدَّالَّةِ المَوْجِيَّةِ (Wavefunction Collapse)لِيَتَحَدَّدَ مَوْقِعُ الجُسَيْمِ .

:(Copenhagen Interpretation) ُكوِبْنَهاِجن َتْفِسيُر

يَرَى أَنَّ الوَاقِعَ يُولَدُ مَعَ القِيَاسِ، وَأَنَّ السُّؤَالَ عَمَّا يَفْعَلُهُ الجُسَيْمُ حِينَ لَا نُرَاقِبُهُ لَا مَعْنَى لَهُ.

صاغه نيلز بور وبات الأكثر شيوعاً في أوساط الفيزيائيين .يرى هذا التفسير أن الحديث عن “الواقع الكمي “قبل القياس لا معنى له، وأنه يجب الكف عن السؤال عما يفعله الجسيم حين لا نُراقبه .الواقع يُولد مع القياس، وما قبله من اكتمال التراكب يبقى في دائرة المجهول المطلق .وهو موقف براغماتي بامتياز يرفض الميتافيزيقا من حيث المبدأ .

 

 

 

تفسير العوالم المتعددة

اقترحه هيو إيفرت عام 1957، ويرى أن كل قياس لا يُنهي حالة التراكب بل يُشع’ب الكون إلى فروع متعددة, كل فرع يتحقق فيه أحد الاحتمالات .فالقطة ليست حي’ة وميتة في الوقت ذاته في كون واحد، بل هي حي’ة في كون مواز وميتة في كون آخر، والمراقب ينشق بدوره ليحتل كلا الكونين .وهو تفسير يحتفظ بالحتمية على مستوى الكون الكلي لكنه يتخلى عن وحدانيته.

العَوَالِمُ المُتَعَ ِ ددَةُ (Many-Worlds): يَقْتَرِحُ أَنَّ الكَوْنَ يَتَشَعَّبُ عِنْدَ كُ ِ’ل قِيَاسٍ إِلَى فُرُوعٍ مُتَعَدِ’دَةٍ يَتَحَقَّقُ فِيهَا كُلُّ احْتِمَالٍ.

قد’مه ديفيد بوم، ويذهب إلى أن الغرابة الكمية ليست انعكاساً للطبيعة الأعمق بل هي نتاج جهلنا بمتغيرات أعمق لم نكشفها بعد .الكون حتمي في جوهره، غير أن قوانينه الأعمق تعمل على مستوى لا نستطيع الوصول إليه بأدواتنا الراهنة .وهو موقف يُنقذ الحتمية لكنه يستلزم قبول قوى غير محلية تتعارض مع مبدأالخصوصية.

تفسير فون نيومان – ويغنر

يذهب هذا التفسير إلى أن ما يُنهي التراكب هو الوعي الذاتي للمراقب، إذ إن أجهزة القياس مادية وتخضع هي أيضاً لقوانين الكم فلا تستطيع وحدها تحديد الحالة .الوعيُ وحده هو الكيان غير المادي القادر على إسقاط الدالة الموجية .وقد استقطب هذا التفسير جدلًا واسعاً لأنه يُعيد الروح والوعي إلى قلب الفيزياء بعد قرون من محاولات الإقصاءالمادي.

رابعاا :الشاهد والمشهود في التراث الفلسفي

 

لا تنفصل إشكالية المراقب عن تراث فلسفي عريق يمتد منتساؤلات جورجبركلي  حول استحالة الوجود بلا

مُدرِك، إلى المفهوم الهايدغري للانكشاف .وفي التراث الفلسفي العربي الإسلامي، ثمة صدى لهذه الثنائية في

مفهوم “الشاهد والمشهود “عند ابنعربي،حيث تتداخل الذات العارفة والحقيقة المُدرَكة في لحظة الكشف والتجلي حتى لا تبقى بينهما مسافة فاصلة .ويُشير بعض الباحثين كذلك إلى أن مفهوم انتقال الجسيم من

” القوة ” إلى “الفعل “في الفلسفة الأرسطية يُجاوب صورةً من صور الانتقال الكمي من حالة التراكب الاحتمالي إلى الحالة الفعلية المُقاسة، مما يُظهر أن هذه الإشكاليات لها جذور في أعمق تقاليد الفكر الإنساني.

 

المَبْحَثُ الخَامِسُ: المَعْرِفَةُ اكْتِشَافٌ أَمْ انْكِشَافٌ؟Unconcealment) vs. (Discovery

 

أولاا :نموذج الاكتشاف ومرجعياته الكلاسيكية

 

نَمُوذَجُ الِاكْتِشَافِ Model) :(Discovery يَرَى العِلْمَ كَـرَفْعِ سِتَارٍ عَنْ حَقِيقَةٍ جَاهِزَةٍ، وَهُوَ تَقْلِيدٌ يَعُودُ إِلَى الثَّنَائِيَّةِ

.(Cartesian Dualism) يَكاْرِتَّيِة’الِد

 

دأب الفكر العلمي التقليدي على تصوير المعرفة بوصفها “اكتشافاً”؛ أي الكشف عن حقيقة كاملة وموضوعية تسبق وجود الإنسان وتنتظره كالكنز المطمور .ويفترض هذا النموذج أن العالِم يرفع الستار عن حقيقة جاهزة قائمة بذاتها، وأن العقل البشري مجرد مرآة تعكس تلك الحقيقة وتُس ‘جلملمًحها.

وقد ر ‘سخ هذا التصور الإطارُ الأفلاطوني الذي يرى أن الحقائق موجودة في عالم المُثُل مسبقاً، والفيلسوف لا يزيد على أن يتذكرها أو يستنبطها .كذلك أسهم الإطار الديكارتي في عصر الحداثة في ترسيخ الفصل بين الذات العارفة والموضوع المعروف، مُب ‘شراً بإمكانية المعرفة الموضوعية الكاملة التي لا تشوبها ذاتيةالمراقب.

ثانياا :نموذج الانكشاف ومرجعياته الحديثة

 

نَمُوذَجُ الِانْكِشَافِ :(Unconcealment) مَفْهُومٌ هَايْدِغِرِيٌّ (Aletheia) يَرَى المَعْرِفَةَ عَمَلِيَّةا حَرَكِيَّةا يَشْتَبِكُ فِيهَا الظُّهُورُ بِالِاحْتِجَابِ.

في مقابل ذلك، يُقد’م الفيلسوفالألماني مارتنهايدغرمفهوم “الانكشاف “بوصفه نموذجاً بديلًا لفهم المعرفة فالحقيقة عنده ليست شيئاً يُكشف كشفاً تاماً، بل هي عملية انكشاف مستمرة تتشابك فيها الذات والموضوع .وكل انكشاف هو في الوقت ذاتهاحتجاب: فكلما أضاءت المعرفة جانباً ظل جانب آخر في الظل.

وتجد هذه النظرة في الفيزياء الكمية أرضاً خصبة :فمبدأ الريبة يُخبرنا بأن قياس موضع الجسيم بدقة أكبر يعني احتجاب زخمه بقدر مسا „و والتشابك الكمي يُبي’ن أن الكون لا ينكشف في معزل عن العلاقات والتفاعلات والجسيم لا يملك واقعاً محدداً قبل التفاعل مع المراقب، مما يجعل “المعرفة “حدثاً لامجرد تسجيل.

ثالثاا :المعرفة كحوار بين الإنسان والكون

 

الكَوْنُ المُشَارِكُ Universe) :(Participatory يَرَى جُون وِيلَر أَنَّ المُرَاقِبَ البَشَرِيَّ يُسْهِمُ فِعْلِيًّا فِي تَشْكِيلِ الوَاقِعِ، عَبْرَ مَبْدَئِهِ “الشَّيْءُ مِنَ البَ ‘تِ” Bit) from .(It

يدعونا الفيزيائي جون أرشيبالد ويلر إلى فهم الكون باعتباره كوناًمشاركاا, إذ إن المراقبين البشريين لا يقفون

الكون ينظرون إليه بعين باردة محايدة، بل هم جزء أصيل منه يُسهمون بفاعلية في تشكيل ما يُلاحظون خارج

ويُصاغ مبدأه الشهير بـ”الشيء من الب ‘ت” الكون في عمقه ليس مادةً بل معلوما ت، والواقع المادي ينبثق من

الأسئلة الثنائية التي يطرحها المراقب علىالطبيعة.

 

وتتقاطع هذه الرؤية مع مفهوم توماس كون عن “البارادايم” النموذج المعرفي، إذ يرى كون أن العلماء لا يرون الواقع “كما هو “بل يرونه من خلال عدسة نموذجهم المعرفي .وحين تتراكم الاكتشافات الشاذة التي يعجز النموذج عن استيعابها، تنشأ ثورة علمية تُنتج نموذجاً جديداً يُعيد ترتيب كل شيء من الأساس .وهذا يعني أن ما نُس ‘ميه “حقيقة “هو في بعض وجوهه بنا ء يعكس النموذج الذي نعتمد.

رابعاا :الأبعاد الأخلاقية والوجودية للإشكالية

 

إذا كانت المعرفة انكشافاً يُسهم الإنسان في تشكيله، فإن ذلك يحمل في طياته أبعاداً أخلاقية عميقة :العالِم ليس ناقلًا محايداً لمعطيات الطبيعة بل هو مشار ك مسؤول .فالأسئلة التي يطرحها، وطريقة تصميمه لتجاربه، وما يختاره من مجالات للبحث، كل ذلك يُحدد جزءاً من الحقيقة التي ستُولد .وهذا الإدراك يُعيد الاعتبار للمسؤولية الأخلاقية في البحث العلمي، ويجعل أسئلة من قبيل “لصالح من نبحث؟ “و”ما الثمن الأخلاقي لهذا الاكتشاف؟ “أسئلةً فلسفية وعلمية في آ „نواحد.

كما تُلقي هذه الإشكالية بظلالهاعلى مسألة الوجود والعدم في الفلسفة الوجودية؛ فإذا كان الكون لا يُبدي وجهاً محدداً إلا حين يُواجهه وع ي بشري بالسؤال والبحث، فهذا يُر ‘سخ مقولة سارتر بأن “الوجود يسبق الماهية”، وأن الإنسان يحمل عبء إعطاء معنى لكون لا يحمل معناه كاملًا فيذاته.

 

(Conclusion) الَخاِتَمُة

انْتَهَى البَحْثُ إِلَى أَنَّ الفِيزْيَاءَ المُعَاصِرَةَ قَدْ هَدَمَتِ الحُدُودَ الفَاصِلَةَ بَيْنَ الذَّاتِ وَالمَوْضُوعِ ) and Subject .(Object وَأَنَّ العِلْمَ لَيْسَ نَاقِ الً مُحَايِداا، بَلْ هُوَ فِعْلٌ أَخْلَقًِيٌّ وَوُجُودِيٌّ يُشَارِكُ فِي صِيَاغَةِ مَعْنَى الكَوْنِ.

انطلق هذا البحث من الإشكالية الكبرى التي تطرحها الفيزياء المعاصرة على الفلسفة :هل تُعيد الفيزياء الحديثة

رسم حدود المعرفة الإنسانية وتصوراتنا الجوهرية عن الوجود والحقيقة؟ وقد سعينا إلى معالجة هذه الإشكالية عبر خمسة مباحث متكاملة تتلاحق أجزاؤها في بنية واحدةمنسجمة.

فعلى صعيد المبحث الأول، كشفت دراسةُ فلسفة الزمان والمكان أن الانتقال من المطلقية النيوتنية إلى نسبية أينشتاين لم يكن مجرد تطور رياضي، بل كان تحولًا فلسفياً عميقاً في تصورنا لبنية الكون الأساسية، مُبي’ناً أن ما كان يبدو ثابتاً مطلقاً هو في حقيقته نسب ي ومتشابك بالمادة والطاقة .وقد انتهى ذلك إلى التشكيك في إمكانية المعرفة المطلقة اللازمانية التي حلم بها الفكرالكلسًيكي.

وعلى صعيد المبحث الثاني، تبي’ن أن التذبذب بين الواقعية والأداتية ليس مجرد خلاف أكاديمي، بل يمس جوهر السؤال عن علاقة العقل بالكون .وقد تجل’ى أن الحقيقة تكمن في مكان أعمق من كلا الموقفين، يتل ‘مسها البحث الفلسفي المتواضع المُدرِك لحدوده، مما يدفع نحو مواقف وسيطة أكثر تمايزاً من الثنائيةالتقليدية.

أما على صعيد المبحث الثالث، فقد أظهر أن ميكانيكا الكم قد قضت على الحتمية الصارمة الكلاسيكية بإدخال اللايقين الجوهري في صميم الواقع، مما أعاد فتح النقاش حول السببية والحرية والمسؤولية على أسس فلسفية جديدة لا يمكن للمنظومة الكلاسيكيةاستيعابها.

وفيما يخص المبحث الرابع، فقد كشف أن إشكالية المراقب تُهدم الحدود الصارمة بين الذات والموضوع التي رسمها الفكر الديكارتي، مُشيرةً إلى أن “الشاهد “ليس مجرد را „ئ بل هو مُشارك فاعل في تشكيل المشهود .وهذا الانهيار لثنائية الذات والموضوع هو ربما أكثر إسهامات الفيزياء الكمية أثراً في تاريخالفلسفة.

وأخيراً، انتهى المبحث الخامس إلى أن نموذج المعرفة كـ”انكشاف “يُمث’ل إضافةً نوعية لفلسفة العلم، إذ يُعيد الاعتبار للإنسان بوصفه شريكاً في بناء المعرفة لا مجرد ناقل سلبي لمعطيات الطبيعة .وهذا ما يجعل البحث العلمي فعلًا أخلاقياً بامتياز لا مجرد إجراءتقني.

والحقيقة التي يُجل’يها هذا البحث في مجمله هي أن الفيزياء المعاصرة لم تُجِب على أسئلة الفلسفة القديمة، بل جعلتها أشد إلحاحاً وأعمق تجذراً .فسؤال :ما هو الوجود؟ وما هي المعرفة؟ وما هو الزمان؟ وما مكانة الإنسان ،في هذا الكون؟ لا يزال ينتظر إجابات فلسفية لن تكتمل ما لم تلتقِ الرياضياتُ بالميتافيزيقا، والتجربةُ بالتأمل والعِلمُبالحكمة.

 

الفيزياء كانت تبحث في ما هو موجود، فإذا بها تجرّنا إلى التساؤل :كيف نعرف ما هو موجود؟ وهذا هو السؤال الذي لا تنفرد به فيزياء ولا تستغني عنه فلسفة

 

 

 

قائمة المصادر والمراجع

 

أولاا :المصادر العربية

١ .ابن رشد، أبو الوليد محمد .تفسير ما بعد الطبيعة .تحقيق موريس بويج .بيروت :دار المشرق، 1984

٢ .ابن عربي، محيي الدين .الفتوحات المكية .تحقيق عثمان يحيى .القاهرة :الهيئة المصرية العامة للكتاب1972

٣ .الفارابي، أبو نصر .آراء أهل المدينة الفاضلة .تحقيق علي بو ملحم .بيروت :دار ومكتبة الهلال، 1995

٤ .ابن سينا، أبو علي .كتاب الشفاء (الطبيعيات ).القاهرة :الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1983

٥ .الغزالي، أبو حامد .تهافت الفلاسفة .تحقيق سليمان دنيا .القاهرة :دار المعارف، 1972

 

ثانياا :المراجع العربية المترجمة

٦ .أينشتاين، ألبرت .النظرية النسبية الخاصة والعامة .ترجمة محمود حامد .القاهرة :المجلس الأعلى .للثقافة2001

٧ .بور، نيلز .الفيزياء الذرية والمعرفة البشرية .ترجمة يوسف عبد الله .بيروت :دار الكتب العلمية، 1998

٨ .هايزنبرغ، فيرنر .الفيزياء والفلسفة .ترجمة مروان يوسف .دمشق :دار الفكر، 2005

٩ .كون، توماس .بنية الثورات العلمية .ترجمة شوقي جلال .الكويت :عالم المعرفة، 1992

١٠ .بوبر، كارل .منطق الكشف العلمي .ترجمة ماهر عبد القادر .الإسكندرية :دار المعرفة الجامعية، 1994

١١ .هايدغر، مارتن .الكينونة والزمان .ترجمة فتحي المسكيني .بيروت :دار الكتاب الجديد المتحدة، 2012

 

ثالثاا :المراجع الأجنبية

 

  1. Bell, S. (1964). “On the Einstein Podolsky Rosen Paradox”. Physics Physique Fizika, 1(3), 195–200.
  2. Bohm, David (1952). “A Suggested Interpretation of the Quantum Theory in Terms of Hidden Variables”. Physical Review, 85(2), 166–179.
  3. Bohr, Niels (1958). Atomic Physics and Human New York: Wiley.
  4. Einstein, A.; Podolsky, B.; Rosen, N. (1935). “Can Quantum-Mechanical Description of Physical Reality Be Considered Complete?”. Physical Review, 47(10), 777–780.
  5. Everett III, Hugh (1957). “Relative State Formulation of Quantum Mechanics”. Reviews of Modern Physics, 29(3), 454–462.

 

  1. Heisenberg, Werner (1927). “Über den anschaulichen Inhalt der quantentheoretischen Kinematik und Mechanik”. Zeitschrift für Physik, 43(3–4), 172–
  2. Kuhn, Thomas (1962). The Structure of Scientific Revolutions. Chicago: University of Chicago Press.
  3. Leibniz, W. & Clarke, S. (2000). Correspondence. Indianapolis: Hackett Publishing.
  4. Newton, Isaac (1687). Philosophiæ Naturalis Principia London: Royal Society.
  5. Penrose, Roger (1989). The Emperor’s New Oxford: Oxford University Press.
  6. Popper, Karl (1959). The Logic of Scientific Discovery. London:
  7. Schrödinger, Erwin (1935). “Die gegenwärtige Situation in der Quantenmechanik”. Naturwissenschaften, 23(48–50), 807–849.
  8. Wheeler, John (1990). “Information, Physics, Quantum: The Search for Links”. In W. Zurek (Ed.), Complexity, Entropy, and the Physics of Information. Redwood City: Addison-Wesley.
  9. Wigner, Eugene (1961). “Remarks on the Mind-Body Question”. In I. J. Good (Ed.), The Scientist Speculates. London: Heinemann.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى