فنون و آداب

ثقل اللغة وآفاق الكينونة

ثقل اللغة وآفاق الكينونة

ألا زال الكائن في حاجة إلى اللغة نفسها؟

 

إدريس هاني

باحث ومفكر مغربي   

 

 

فيسبوك تويتر لينكدإن بوكيت

 

أن تنطق اللغة شيء غير أن تستكشف من خلالها ذوقا يفتحك على آفاق غير نهائية من العوالم، أو لنتحدث عن أصوات متعددة بلغة باختين، أصوات تتدافع داخل النص الواحد، وعوالم تتجاذب إن شئت القول داخل العالم الواحد.

هذه اللغة ليس فقط أنّها منسية اليوم، بل إننا في كلّ ممارسة لغوية لا نفعل سوى أن نبيد اللغة المنسية للمعنى المؤجّل أو المخفيّ، لغة جعلت التناص متعذّرا في تجاذب لغوي خالي من أي رافد معنوي حقيقي، يجعل اللغة مجرد وعاء لمعاني محنّطة أو لنقل إنّ اللغة هنا مأوى مهجور تسكنه أشباح وأعدام، ولا توجد فيه رائحة الوجود بله الوجود.

نحتاج في زمن الرداءة إلى قلب السؤال الهيدغيري، ليصبح: لماذا العدم وليس الوجود؟ أسئلة زمن الانحطاط لا تمتّ للوجود بصلة، بل هي التفاف على الوجود وانفتاحا على العدم.

وبما أنّ العدم ليس معطى وجوديا وإن أمكن تصوره، لأنّ لا نقيض للوجود لبساطته وشموله لكل الأشياء، فإنّ ما يبدو عدما هو مراتب متادنية من الوجود، إذ لا حدود للتداني، فإنّ العدمية هي توسّل بالمدارك الدّنيا من الوجود، أولى أحاسيس البُغاث بالوجود، وهي أحاسيس بينها والأونسة فجوة أنطولوجية، لا تستذوق اللغة المنسية، حتى تكون لغة الأنوسة بحسب مرتبة من يعكس قولهم همّا بالوجود.

فقدت اللغة زمامها الأنوسي وباتت مواءً تقابله طقطقة الحوافر في وجود أدنى، لا معنى فيه حاضرا أو بائدا أو مؤجّلا، أي لا شعور قلِق بالمآل، بل لغة تقدحها الحاجة الطبيعية والبيولوجية، لكائن مُفَرِّط في أنوسته، ساقط في سفح الأعدام المتربّصة بهيكل النور الوجودي، متزاحم على عتبة التّطلُّبات الدّنيا، وتلك آفاقهم الظّلمانية المحرومة من التّشوّف لمنازل النّور.

إذا فقدت اللغة هذا المقصد الكبير، وباتت شأنا تواصليّا بين كائن فقد أفق كينونته، فإنّها لا عليها أن تتحوّل إلى تكرار بيولوجي لغريزة رد الشرط، لغة بافلوف التي يسيل لها لعاب الكلاب كلغة المستكلبين – بني كلبون -، لا مانع إذاك أن تصبح مواء أو نهيقا أو عواء أو ما شابه، لأنّ الكائنات الواقعة خارج القلق الوجودي، لا تبدع اللغة، بقدر ما تبدع أصواتا، ولا تحمل معنى سوى ما يعبر عن حاجة بيولوجية صرف.

فذلك شرط التواصل برسم البُهومة لا الأنوسة، ومثل هذه اللغة بالنسبة لكائن متدهور أنطولوجيا لن تكون مأوى الوجود، بل هي فضيحة أنطولوجية وبيت للأشباح.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى