دراسات مقارنة

تجلي الجليل- هشام جعيط وفينومينولوجيا الإسلام- عطية

                                                            

تجلِّي الجليل

فينومينولوجيا الإسلام في أعمال هشام جعيط

 

د. أحمد عبد الحليم عطيَّة*

مقدِّمة:

يحيلنا مصطلح “تجلِّي الجليل” إلى عنوان كتاب “تجلِّي الجميل”(1) للفيلسوف الفينومينولوجيِّ الهيرمينوطيقيِّ الألمانيِّ المعاصر هانز جورج غادامر Gadamer. وإذا كان هذا الكتاب في فينومينولوجيا الفنِّ، فإنَّ “الجليل”؛ وهو مصطلح فلسفيٌّ كانطيٌّ يجمع بين معاني الرهبة والقداسة، ينقلنا من المجال الجماليِّ إلى المجال الدينيّْ.

ولفظ الجليل حسبما يطلق عليه المفكِّر التونسيُّ هشام جعيط في المجلَّد الأول من كتابه      “السيرة النبويَّة: الوحي والقرآن والنبوَّة(2)، يعني التجلِّي والكشف. ومن أجل تحديد معالم فينومينولوجيا دينيَّة  تتعلَّق بالوحي والقرآن والسيرة النبويَّة، كما تظهر في عمله هذا، سنشير إلى محتويات كتابه وموضوعه وقضاياه بعد تقديم مجموعة من الملاحظات العامَّة؛ حتى نستطيع مناقشة منهجيَّته التي يظهر فيها دور الفينومينولوجيا والتاريخ في إدراك الوحي والقرآن والنبوَّة في الإسلام.

______________________________________________

-أستاذ الفلسفة في جامعة القاهرة – مصر.

بدايةً، سنرصد عدداً من الملاحظات حول القضايا الأساسيَّة التي انشغل بها المثقَّف والمفكِّر والمؤرِّخ جعيط توضح بعض السِّمات والخصائص المنهجيَّة التي تميِّز أعماله وكتاباته، حتى نستطيع تحديد رؤيته العامَّة للإسلام وتحليله الفينومينولوجي له عبر مفهوم الكشف والتجلِّي أو تجلِّي الجليل:

1- التجلِّي هو مفهوم صوفيٌّ فى الأساس، ومُعطى ظاهرياتيٌّ أيضاً استخدمه فلاسفة الفينومينولوجيا، ويتَّضح خصوصاً في كتاب جعيط “السيرة النبويَّة”، وإن كان قد سبق وأشار إليه قبل ذلك بحوالي عقدين ونصف العقد في كتابه “الشخصيَّة العربيَّة الإسلاميَّة والمصير العربي” تحت عنوان “الإسلام والعروبة: تحليل ظواهريّْ”.(3)

يتحدَّث جعيط عن التجربة الحضاريَّة الكبرى في حياتن،ا وهي الإسلام، على مستويات متعدِّدة. ولا نقصد بذلك المستوى الدينيَّ العقديَّ، ولا السياسيَّ إصلاحيَّاً كان أو ثوريَّاً فحسب؛ بل نقصد أيضاً المستوى الوجوديَّ التاريخيَّ الحضاريَّ والذي يمكن أن يتجسَّد في التجربة الإسلاميَّة بتعدُّدها وتنوُّعها في الأشكال التي اتَّخذها الإسلام في الأقطار المختلفة، وفي التجربة التونسيَّة تحديداً، أو المغربيَّة بصفة أوسع، أو على مستوى التجربة الشخصيَّة الفرديَّة له باعتباره مثقَّفاً مسلماً يحيا “صدام الثقافة والحداثة”، و”المصير العربيِّ”، و”جدليَّة الدين والسياسة”.

2- يلاحَظ ظهور مصطلح “الإسلام” و”الإسلامي” و”الإسلاميَّة”؛ عنواناً صريحاً أو مُضمَراً في كتاباته جميعاً: “أوروبا والإسلام: صدام الثقافة والحداثة” 1995 بالعربيَّة، و”الفتنة جدليَّة الدين والسياسة في الإسلام المبكر” 1991، و”الشخصيَّة العربيَّة الإسلاميَّة والمصير العربي” 1990، و”أزمنة الثقافة الإسلاميَّة “بالعربيَّة 2000 و 2004، و”نشأة المدينة الإسلاميَة: الكوفة” طبعات عدَّة، و“تأسيس الغرب الإسلامي”. كما يظهر عنوان الإسلام مُضمَراً في          “السيرة النبويَّة بجزأيه: الوحي والقرآن والنبوَّة” 1991، و”تاريخيَّة الدعوة المحمَّديَّة في مكَّة” 2007.

3-  يرتبط بالتجربة الإسلامية الإشارة والإحالة والتأكيد والإلحاح على التجربة التونسيَّة كما يظهر ذلك بوضوح في بداية حديثه عن الشخصيَّة العربيَّة الإسلاميَّة في كتابه الذي يحمل  العنوان نفسه؛ حين يعرض “مثال تونسي معاصر” (صفحة 17-20)، ودراسته عن المثال التونسي: والمؤسَّسات الأوليَّة، الشخصيَّة التونسيَّة في نهاية العصر الاستعماريِّ (صفحة 163-171) في الكتاب نفسه. وتتَّسع التجربة التونسيَّة حتى تشمل المغرب الإسلاميَّ كما يظهر في “جدل التاريخ والثقافة والدين في المغرب الإسلاميِّ” (صفحة 165-183)، والإسلام في المغرب الحديث (صفحة 184-192)، وفي كتاب “تأسيس الغرب الإسلاميّْ”.

4-  نحن نذكر التجربة التونسيَّة والمغربيَّة عامَّة لدى جعيط في إطار التجربة الكليَّة الأشمل وهي الإسلام لبيان معنيين له: الأول هو الفهم أو المعنى المشرقيُّ للإسلام التعبُّديِّ الأقرب إلى الإسلام في العصور الوسطى، والثاني هو الفهم الثقافيُّ الحداثيُّ للإسلام والذي يظهر حديثاً لدى مفكِّري ومثقَّفي المغرب العربيِّ، وهو الإسلام الأخلاقيُّ الإنسانيُّ الحيُّ الذي يعبِّر عن روح الإسلام الأصيل.

5- دور الآخر في تكوين الذات الإسلاميَّة العربيَّة ونقصد هنا الآخر الأوروبيَّ، وذلك من خلال بيان نظرة الآخر لنا، وهو ما يشغل حيِّزاً ليس بقليل في أعمال جعيط، ويتجلَّي كذلك في المصادر المعرفيَّة والمنهجيَّة في كتاباته، ونتبيَّن تعدُّدها وتنوُّعها وراهنيَّتها وكونها لا تقتصر على المصادر الأوروبيَّة التقليديَّة في التاريخ والاستشراق والفلسفة والعلوم الاجتماعيَّة، بل تشمل أيضاً المصادر المعاصرة الراهنة ما بعد الحداثيَّة، والتي تهمُّنا منها المصادر الفلسفيَّة، وقد شملت أعمال كلٍّ من: لويس التوسير Louis Althusser وميشيل فوكو Michel Foucault الذي ارتبط في بداية حياته العلميَّة بالتدريس في الجامعة التونسيَّة، وكذلك جان هيبولت شارح هيغل ومفسِّره. ولهيغل ظهور واضح في عمل جعيط؛ خصوصاً دروس حول فلسفة التاريخ، ودروس حول فلسفة الدين، روح المسيحيَّة ومصيرها، وما كتبه إريك فايل Eric weil عن “هيغل والدولة“. هذا فضلاً عن كتابات نيتشه وريكور. والأهمُّ في هذه المصادر بالنسبة إلينا هي كتابات الفلاسفة الفينومينولوجيين وفي مقدِّمتها كتب ميرلوبونتي المتعدِّدة مع سارتر وهايدغر اللذين يذكرهما أيضاً، فهم يمثِّلون امتداداً للفينومينولوجيا عند هوسرل الذي يفرد له جعيط مكانة خاصَّة متميِّزة، وهذا الأمر يستدعي منَّا التوقُّف عند هوسرل  والفينومينولوجيا، وبيان القراءات العربيَّة للفينومينولوجيا من أجل تحديد قراءة جعيط التاريخيَّة لها.

من المعروف أنَّ حضور الفينومينولوجيا كان مبكراً في الفكر العربيِّ المعاصر في الثلاثينيَّات والأربعينيَّات من القرن العشرين لدى كلٍّ من: شارل مالك اللبنانيِّ وعبد الرحمن بدوي المصريِّ حيث تعلَّم الأول في ألمانيا على هوسرل وهايدغر، وعمل معاوناً للأخير، كما يذكر لنا في كتابه المقدِّمة، بينما تلقَّى بدوي معرفته بالفلسفة الألمانيَّة والفينومينولوجيا وهايدغر عبر دروس أستاذه ألكسندر كويريه في الجامعة المصريَّة، وظهر ذلك في أطروحته للدكتوراه عن الزمان الوجوديِّ، كما يذكر لنا في سيرة حياته(4)، ومن كتاباتهما وجهود تلاميذهما تتميَّز معالم قراءة إبستمولوجيَّة في المشرق، تجدَّدت مع بداية القرن الحالي لدى الأساتذة التونسيين الذين يمثِّلون مدرسة فينومينولوجيَّة حديثة، كما تظهر في مجلَّتهم “حوليَّات الفينومينولوجيا والهيرمنيوطيقا”(5).

من المفيد القول أنَّ الفينومينولوجيا عموماً وفينومينولوجيا هوسرل خصوصاً، لا تزال ميداناً بكراً في العالم العربيِّ باستثناء كلٍّ من: مالك بن نبي في “الظاهرة القرآنيَّة“، وحسن حنفي في “تأويل الظاهريَّات”(6)، وما أعلن عنه هشام جعيط في “الوحي والقرآن والنبوة” 1999. وفي هذا السياق يشير أحد الباحثين إلى أنَّ: المؤرِّخ يقف عند الظواهر وعند الفينومينولوجيا، وما عسى أن تكون هذه الفينومينولوجيا التي يقف عندها المؤرِّخ { يقصد جعيط} إلاَّ يستقيم الحديث في مقابل ذلك عن فينومينولوجيا ما لا يظهر Phenomenology de L’inapparent بدل من فينومينولوجيا الظاهرة، والحال أنَّ الأمر يتعلَّق هنا بالنبوَّة والوحي والله والغيب واللاَّمرئي بامتياز. (ص 7).

نلفت هنا إلى أنَّ الفينومينولوجيا بما هي فلسفة وعي لا تمنح التاريخ أيَّ اعتبار أو امتياز، بل على العكس إنَّ الإنسان التاريخيَّ هو مجرَّد لحظة، درجة من الاجتماعيَّة، “طبقة” من العالم المتقدِّم، وهو بذلك مطمور كظلِّ عالٍ في الوعي المطلق، ويرجع الأمر إلى “الردِّ الماهويِّ”؛ الذي يؤخِّر الحالات الفرديَّة، أو بالأحرى يغيِّبها، ولا يأخذ منها سوى المعنى، وهو ما يحصل تماماً مع التاريخ بما هو موضوع التفكير Noeme. فقد تمَّ تأجيل البحث في التاريخ، وفي الإنسان، وفي الله بموجب هذه الضرورة المنهجيَّة، حتى أصبحنا نتوهَّم أنَّ فلسفة هوسرل لا تناقش بل ترفض إمكان النقاش في مثل هذه الموضوعات ذات العلاقة الوطيدة بالتاريخ (ص 25). وليس من المفارقة في شيء كون الفينومينولوجيا تتناول التاريخ بالدراسة ما دامت ستعمل على تكييفه وفقاً لمنطلقاتها المنهجيَّة، أي بما هي فلسفة للوعي الخالص ذلك أنَّها ستوجِّه قصديَّتها نحو فهم التاريخ.

في هذا الإطار،  يرى قواسمي مراد أنَّ الشُّروع في البحث في مجال التاريخ يستوجب أولاً انتظار مرحلته من الانشغالات المنطقيَّة في أزمة العلوم الأوروبيَّة والفلسفة الفينومينولوجيَّة،  مروراً بالفلسفة بما هي علم صارم، ورغبته الأصليَّة في التعبير عن موقفه من التاريخ نستشفُّه من بداية النصِّ الذي تمَّ تحريره في 7 مايو 1935 “أزمة الإنسانيَّة الأوروبيَّة والفلسفة” (ص 26).

يتجلَّى الحدث الجديد في فلسفة هوسرل: الخطوط العريضة لفكرة الفلسفة التي لا تُقرأ سوى حول التاريخ. وعليه، فإنَّ تاريخ العقل كمهمَّة لا نهائيَّة يتضمَّن تحقيقاً تقدُّميَّاً، ومجرَّد العودة على التاريخ هي الملهم الممتاز لمعنى فوق- تاريخيِّ Sens Supreme Historique، وبالكشف عن الأصل Ursprung التأسيس البدئيِّ تأسيساً نهائيَّاً؛ يمكِّن من معرفة الذات، وهذا الطابع التاريخيُّ لفهم الذات يتجلَّى لدى انفصاله عن المعركة المعلنة ضدَّ الحكم المسبق (ص 27).

لقد سادت بفضل كتابات حسن حنفي بالفرنسيَّة أولاً، ثم بالعربيَّة ما يمكن أن نطلق عليه القراءة الدينيَّة للفينومينولوجيا، أو تطبيق الفينومينولوجيا في مجال الدين (6). يضاف إلى ذلك ما يمكن أن نطلق القراءة التاريخيَّة للفينومينولوجيا التي سعى لبيانها كلٌّ من: بن مزيان بن شرقي ومراد قواسمي من الجزائر(7) نظرياً، وحاول تطبيقها وممارستها في تحليلات هشام جعيط الذي نتناول تطبيقه لها على الإسلام.

 

جعيط واستشهاده بروَّاد الفينومينولوجيا:

يستشهد جعيط في مختلف كتبه بروَّاد الفينومينولوجيا، مثل سارتر الذي يشير إليه في “تجديد الرؤية في الإيمان” في سياق تحليله للعلاقة بين الذات والموضوع؛ والذي يمثِّل صميم فلسفة الوعي، حيث يقول: إنَّ الكلِّيُّ ينحصر في وعيي، وبالنزول إليه فإني أصعد رجوعاً الدرجات التي مرَّ بها الكائن لا لأنَّ الأشياء غير موجودة بل بالعكس أنَّ لها وجوداً أصمَّ سميكاً. يكفي أن نحيل في هذا الصدد إلى التحليل الجيِّد العميق للشيء في ذاته en-soi الذي ورد في كتاب سارتر “الوجود والعدم”… ويضيف: أنَّ هذا الامتلاء في الوجود هو نوع من العدم وحده نور الوعي يجعله كائناً. في حين أنَّ العدم في مفهوم الشيء لذاته هو عدم فاعل يخلق في قلب الوعي ذلك اللاَّتجانس الذي يدفع في الفكر الطاقة الضروريَّة لكي يتشكَّل بها فكراً. ولذا يمكن القول بصورة من الصور أنَّ العالم يستمدُّ كيانه من الفكر، والثابت أنَّه يستمدُّ منه قيمته. إنَّ كوناً من دون فكر هو كون فارغ. هو فعلاً مجرَّد مجال لنشاط الإنسان (الشخصيَّة العربيَّة، طبعة2، صفحة 129).

إلاَّ أنَّ الفيلسوف الأقرب إلى جعيط هو الفينومينولوجيُّ الفرنسيُّ موريس ميرلوبونتي صاحب فينومينولوجيا الإدراك، والذي يذكره حين يشير إلى الفترات الاستثنائيَّة المتميِّزة في حياة الشعوب ويشيَّد فيها المستقبل. يميِّز ميرلوبونتي؛ في ما ينقل عنه جعيط، بين الفترة Periode والعصر  époqueفيعرِّف العصر بأنَّه واحد من تلك الأزمنة التي تنهار خلالها الأرضيَّة التقليديَّة لأمَّة من الأمم، أو مجتمع معيَّن، ومهما كان الوضع فعلى الإنسان أن يعيد بنفسه بناء العلاقات البشريَّة، وفي الفترة Periode يقتصر الإنسان السياسيُّ على إدارة نظام أو حق موضوعيّْ. (المصدر السابق صفحة 46) .

يخبرنا جعيط حين يذكر ميرلوبونتي(8) “أنه يشعر نحوه بقرب كبير” (صفحة 129)، وسوف نتعرَّف من تحليلنا عمله أسباب ووشائج هذه القربى الفكِّرية التي تساعدنا في بيان تحليلاته حول تجلِّي الجليل وفينومينولوجيا الإسلام. ولكي نوضح نظريَّاً هذا القرب، ونبيِّن كيف تساعد فلسفة ميرلوبونتي في بيان أفكار جعيط، سنقدِّم الإستشهادين التاليين:

الاستشهاد الأول: يؤكِّد جعيط في ما كتبه عن “تحديد الرؤية في الإيمان” أنَّ ظهور الرسالة هو أكبر عنصر تاريخيٍّ في الإسلام، والمعجزة في أنَّه ما كان جديراً بالنجاح نجح، وأنَّ الخير والحقَّ انتصر آخر الأمر. وهو يستشهد بقول ميرلوبونتي: “إنَّ الحركة التي تنجح حيناً ليست دائماً الأكثر حقَّاً والأكثر قيمة، لكن يجب أن تكون كذلك لو كان عليها أن تستمرَّ، وأنَّه إذا وُجد شيء منعش في التاريخ البشريِّ فهو أنَّ عملاً جميلاً عظيماً يقع الاعتراف به آخر الأمر بصفة عامَّة”. (صفحة 122).

الاستشهاد الثاني: يواصل جعيط تحليله الفنيومينولوجيَّ الذي عرض فيه لتمييز سارتر بين الشيء في ذاته en-soi والشيء لذاته  pour soi، والذي يوظِّفه لتأكيد أولويَّة الروحانيِّ؛ الذي لا يعني تقليصاً للمادَّة إلى الروح أو الفكر، ولا تقليصاً للعالم الخارجيِّ إلى الوعي. وأنَّ الانسان مؤسِّسٌ للعالم ومقيمٌ له. وأنَّ الوعي موجود في آن في العالم وخارجه. ويضيف أنَّ جدليَّة الله تندرج في هذه الجدليَّة الأوليَّة، ولئن أحالت الرؤية الأولى إلى إله خارج متعالٍ فإنَّ وجهة نظر الوعي تحملنا خلافاً لذلك على البحث عن الله بالنزول في ذاتنا والاتِّجاه إلى الله الباطنيّْ.

وفي هذا المجال، يستشهد جعيط بقول ميرلوبونتي الذي يشعر نحوه بقرب شديد تعقيباً على العودة إلى ذاتك” أنَّ الله يصبح في هذا الأفق وذلك الضوء المطلق؛ ذلك النور الذي هو أنا في أفضل لحظاتي. إنِّي أؤسِّس فعلاً تأكيدي للحقيقة المطلقة والروح المطلقة التي تفكِّرها على تجربتي الباطنة للحقّْ. إنَّ الله موجود في نفسي لا كفكرة أو رغبة، بل كأعمق طبقة من كياني حين أقوم بهذا النزول في نفسي. كينونتي الحقيقيَّة التي ألاقي من حين لآخر بالكيفيَّة التي أماثل فيها إرادتي الخيِّرة بأصالتي”. وفي إحالاته يوضح أنَّ ميرلوبونتي هو الذي يشعر نحوه بقرب كبير بقوله:” لقد اطَّلعت على كتاباته الأخيرة المجموعة في كتابه المرئي واللاَّ مرئي بعد أن حرَّرت هذا الفصل فزاد قوله تأكيداً لرأيي” (صفحة 129 /14 ). وهذا ما سوف ينكشف ويتَّضح جليَّاً في تناولنا لعمله “السيرة النبويَّة: الوحي والقرآن والنبوَّة”.

 

“السيرة النبويَّة: الوحي والقرآن والنبوَّة”

يتكوَّن هذا العمل الذي صدر بالعربيَّة والإنكليزيَّة والفرنسيَّة من مقدِّمة وثمانية أقسام، بالإضافة إلى الهوامش والتعليقات العديدة المستفيضة. والأقسام الثمانية هي: القرآن ككتاب مقدَّس، الرؤيا والوحي في المنام، قصة الغار التجلِّي وانطلاق الوحي، الله وجبريل، الرؤى والوحي في التقليد الدينيِّ، النبوَّة والجنون، قوَّة النبيّْ. وهي، كما نرى، عناوين تجمع تخصُّصات ومفاهيم متعدِّدة في العلوم الاجتماعيَّة المختلفة خصوصاً التاريخ والفلسفة وعلم النفس، وتناقش ظواهر إنسانيَّة من موضوعات هذه العلوم مثل: المقدَّس، الوحي، الرؤى والأحلام، الكشف، التجلِّي وغيرها

يؤكِّد جعيط في المقدِّمة على مسائل عديدة يظهر منها النقد المزدوج لمناهج المسلمين والغربيين، لعلَّ أبرزها:

– اعتماده المقتصر على القرآن كمصدر، كما عى التاريخ المقارن للأديان، والانفتاح على أفق الثقافة التاريخيَّة والإنثربولوجيَّة والفلسفيَّة.

– اتِّجاهه إلى تصوُّر أغراض معيَّنة لابدَّ من التعمُّق فيها: الوحي، والنبوَّة ومعاني القرآن وتاريخيَّة النبوَّة والنبيّْ.

– تأكيده على الدقَّة وجزالة الخطاب، والابتعاد عن الأسلوب الحماسيِّ الوهَّاج المشوب دوماً بالضبابيَّة. فالقرآن وحده جمع بين دقَّة التعبير والعمق والوضوح الكامل البيِّن.

– اعتباره الوحي جدلاً بين أعماق الضمير المحمَّديِّ وهو الإله الداخليِّ، وبين الإله الخارجيِّ في ما وراء العالم.

– إلحاحه على أنَّ النبيَّ لعب دوراً استثنائيَّاً فريداً في بلورة الإسلام، وإنَّ الخطَّ الأصليَّ القرآنيَّ في المعتقد والعبادات واضح لا يمكن مسُّه، وهو على وعي صيغة التأكيد في القرآن واعتباره ككتاب الله المنزَل بكلِّيَّته خلافاً للكتب الأخرى، والحفاظ عليه من الشوائب، وإصرار النبي في حياته على حقيقة الوحي… كلُّ هذ أعطى الإسلام قوَّة داخليَّة كبيرة.

– اعتماده على المعرفة واستنباط منهج عقلانيٍّ تفهُّميٍّ لم نجده لا عند المسلمين القدامى من أهل السير والتاريخ والحديث، ولا عند المسلمين المعاصرين. وأكثر من ذلك إنَّ المستشرقين على سعة اطِّلاعهم، لم يأتوا ببحث يُذكر في هذا الميدان. وتبقى دراساتهم هزيلة، مقارنة بفحول الفكر والتاريخ في الغرب.

– تعريفه – بوجه المقارنة – بالحضارات والأديان الأخرى، إنما يرجو منه خروج العرب المسلمين من تقوقعهم وضيق أفقهم الفكريّْ.

ويبيِّن جعيط في الفقرة الأولى من الدراسة التي نحن بصددها القرآن ككتاب مقدَّس، وأنَّ كلمة الوحي موجودة فيه مرات عديدة لوصف “ماهيَّة الخطاب القرآنيِّ”، وعلاقة الله بالنبيِّ محمد، والالهامات الموجِّهة للأنبياء من قبله. ويبدو من القرآن أنَّ الوحي الإلهيَّ إليهم يجري بصفة داخليَّة ومن دون وعي كامل، أي كتأثُّر نفسيٍّ. وبخصوص الرسول يظهر جليَّاً أنَّ ما يتلوه وما يبشِّر به قومه والعالمين ” إن هو إلاَّ وحي يوحى” (سورة النجم، الآية 4)

لقد أتى الإسلام بعد المسيحيَّة فقام بتحويل الاتِّجاه، وأكَّد الرُّجوع إلى الجذور، فبينما المسيح تجسيد لله حسب الكنيسة، فإنَّ القرآن أساسيٌّ في الإسلام إذ به أقيمت من جديد العلاقة بين الله والإنسان… ويلعب الوحي، ومحتواه القرآن، دوراً رئيسيَّاً في هذا الطور من التوحيديَّة، بل إنَّ للقرآن أهميَّة قصوى في ما يرى جعيط، لأنَّه الكتاب الوحيد الموحى به تماماً بدء من التكشُّفات الأولى، وبذلك فهو الكتاب المقدَّس بامتياز. هنا يظهر المفهوم المركزيُّ الذي نتناوله هنا وهو الكشف والتجلِّي.

إنَّ الوحي هو ما يأتي بعد التجلِّي؛ الذي هو إدراك من جهة وانكشاف من جهة أخرى، وحدث فقناعة. وعند جعيط يتَّخذ الوحي شكل الخطاب والمعنى تلك هي المفاهيم الأساسيَّة التي يرتكز عليها عمله.

وهو حين يعرض للبوذيَّة يتحدَّث حديثاً هامَّاً يوضح لنا ارتباطه المنهجيَّ العميق بالفينومنيولوجيا؛ فهو يتحدَّث عن ” تجلِّي الحقيقة وتكشُّفها “، ويرى أنَّ من الصعب الحديث عن وحي أو إيحاء بالمعنى السامي؟ بل هو انكشاف الحقيقة للبوذا، محيلاً إلى مميِّزات عبارات المعجم الصوفيِّ الإسلاميِّ: الكشف، التجلِّي، بالفتح يرى جعيط أنَّ كلمة Revelation تعبِّر عن الانكشاف في أكثر ممَّا تعبِّر عن الوحي، فهي بالنسبة إليه حاملة لمفهوم أوسع(ص21.p).

بالنسبة إلى التقليد الأوروبيِّ منذ القدم، ينكشف الله للبشر تحقيقاً لنجاتهم بسبل شتَّى وليس بالخطاب فحسب. وبالنسبة إلى العلم الحديث فالكشف يحدث في اتِّجاه صاحبه إلى حقيقة ميتافيزيقيَّة كانت محجوبة للآخرين، وفي المسيحيَّة تكشف الله في المسيح، وفي البوذيَّة تكشَّفت الحقيقة لبوذا الذي قام بمجهود شخصيٍّ لكسب النرڤانا. إنَّ الوحي عند مفكِّرنا هو ما يأتي بعد التجلِّي؛ الذي هو إدراك من جهة وانكشاف من جهة أخرى. وتعبِّر اللُّغات الأوروبيَّة عن الظاهرتين المتعاقبتين بالكلمة نفسها، بينما سنرى التعاقب واضحاً في سورة النَّجم “ثم دنا فتدلَّى” (ص22) ضرورة وعي التمييز بين التكشُّف والوحي (بين الوحي ومتنه القرآن).

يستنتج جعيط من تحليله أنَّ الشخصيَّة الإلهيَّة المتقدِّمة على الأديان السابقة من المستحيل أن يكون الله ذاته قد تجلَّى للنبيِّ، أو أنَّ النبيَّ اتَّصل به مباشرة في المعراج. وهذا كلُّه يمنح رسالة محمد وجاهة  كبيرة ولهذه حجَّة قاطعة بأنَّ الله ذاته لم يتجلَّ لمحمَّد في رؤيته، ولا يفيد أن يُقال إنَّ الله على كلِّ شيء قدير. فهو ليس كذلك؛ لأنَّه لا يقدر على أن يتجاوز هويَّته، ولا أن يعدم نفسه، ولا أن يزيح حكمته ولا قوَّته (ص53).

المهمُّ بالنسبة إلينا هو تحليله للتجلِّي في الفقرة الخامسة التي يتحدَّث فيها عن “الله وجبريل”: انطلاقاً من قراءته لسورة النَّجم. فهو يرى أنَّ التجلِّي في النجم أكثر تفصيلاً، وفي الآن نفسه أكثر ضبابيَّة (ص61)، وأن الشخص الماورائيَّ المتجلِّي هو هذا “الرسول الكريم” الموصوف هكذا في التكوير. وفي هذا الإطار يقول:”المتجلِّي لمحمد الذي لم يذكر لا اسمه ولا صفته خلافاً لما جاء في سورة التكوير، حيث يبقى الايهام عالقاً بالفرض: أهو الله أم غيره؟ إنَّ سياق القرآن الهام يرفض قبول أن تجل لله ذاته.

لقد أعطى القرآن لهذا الكيان المنبثق عند الله مقاماً رفيعاً جدَّاً. إذ له إمكانات قويَّة كبيرة، فهو الذي تجلٍّ، وهو الذي يوحى من داخل القلب – مقر العقل والجوارح- باللَّفظ أو الإلهام المعنويّْ. ويزيدنا جعيط تفصيلاً لهذه الواقعة التي لا تستطيع منهجيَّة البحث التاريخيِّ تناولها، وبالتالي فإن الفنيومينولوجيا بمفاهيمها وأدواتها هي الأصلح لبيان دلالات الوحي والروحيِّ عبر مفهوم التجلِّي، فهو يواصل تحليل تجلِّي الوحي للنبيِّ كما يتبيَّن.

كلُّ هذا التحليل يفسِّر غموض رؤيا سورة النَّجم، لأنَّ الذي تجلَّى فعلاً هو الله وليس بالله؛ لأنَّه منفصل عن الذَّات الإلهيَّة في هويَّتها الكاملة الصميمة، لكن يبقى في صميم العالم السماويِّ (ص65). والخلاصة أن رؤيا النبيِّ حسب النجم هي رؤيا جبريل، قوَّة الله وروحه، وهي رؤية من موجود إلى موجود آخر تكشَّف له في شكل يرى(ص66).

ينتقل جعيط في الفقرة السادسة إلى صلب موضوع بحثه وهو:”الرؤى والوحي في التقليد الديني”، ويرى أنَّ التجلِّي للعين والسمع أو على الأقلِّ في رؤى المنام، هو ظاهرة ملاصقة للأمور الدينيَّة في كلِّ مكان وزمان تقريباً، بالنسبة إلى الأنبياء والمتصوِّفة والمصلحين والمتنبِّئين بالمستقبل والكهنة وكلِّ من له شغل في ميدان اللاَّمرئيّْ ” تجلَّى الله له للنبيِّ بروحه، أي يقبس منه في الانطلاقة الأولى، واستمرَّ الوحي عن طريق الروح هذه(ص85).

ينبغي القول أنَّ الوحي هو تعريف الله بذاته، وانذار الإنسانيَّة باليوم الآخر، عن طريق بشر يدخله في عالم روحانيٍّ هو عالم آخر تماماً لكي يرجع إلى الناس في ما بعد ويبلغهم هذا التكشُّف، إذ لا يكلِّم البشر إلاَّ البشر (ص103). وتظهر مصطلحات الفينومينولوجيا بوضوح في تحليلات هشام جعيط وأهمُّها التجلِّي والتكشُّف فهو: يستخدم لفظ التجلِّي ومترادفاته على امتداد صفحات العمل، ويذكر “التجلِّي” 17 مرَّة، “وتجلِّي” 13مرَّة، وتجلِّي المخارق، والمتجلِّي، والمتجلِّي الماورائيِّ مرَّتين، وتجلَّت وتجلٍّ وتجلِّيات. كما يتحدَّث عن الكشف، وتجلِّي الحقيقة وتكشفها “ص 21” وانكشاف الحقيقة، والانكشاف ويتكشَّف وتكشَّفت، أي أنَّه يذكر حوالي سبع صيغ للتكشُّف في صفحة واحدة (ص21)، ويربط بينهما، “فالوحي هو ما يأتي بعد التجلِّي الذي هو إدراك من جهة، وانكشاف من جهة أخرى (ص22)، ويميِّز بين التكشُّف والوحي (ص23)، ويذكر الكشف (ص30) ويتكشَّف (ص39) وانكشفت (ص40) تكشَّف (ص66) التكشُّف (ص103-105). كما يتحدَّث عن الماهيَّة وذلك على نحو ما يذكر ماهيَّة الخطاب (ص17) وماهيَّة الكتاب (107) والوصف (ص17-18) والعودة إلي أصل الأشياء فالإسلام أكَّد على الرجوع إلي الجذور (ص22) وعن التجربة المُعاشة (ص61).

إلى ذلك، يتأكَّد حضور الفلسفة والفينومينولوجيا في إشارات عديدة في هذا الكتاب تؤكِّد ارتباط المنهج الفينومينولوجيِّ بظاهرة الوحي والنبوَّة. ورغم كون جعيط مؤرِّخاً يرى أنَّ المقاربة الفينومينولوجيَّة لا غنى عنها، وهي تكمل وتضيء وتوضح وتؤكَّد المقاربة التاريخيَّة. فهو لا يكتفي بالسَّرد التاريخيِّ التقليديِّ. “فالتاريخ لا يعني تقديم الظروف الخارجيَّة لنزول الوحي كما ورد ذلك في السِّير والتاريخ، بل استقراء القرآن أساساً عندما يذكر ويصف تجربة الوحي لدى النبيّْ. والقرآن هو المصدر التاريخيُّ المعتمد الصحيح لأنَّه يرمز إلى ماهيَّة الوحي (ص18)، وتحليل الماهيَّة من المفاهيم الرئيسيَّة فى الفينومينولوجيا.

إلاَّ أنَّ “فهمنا لا ينحصر-في ما يقول-  في المنهجيَّة التاريخيَّة بقدر ما يتَّجه إلى استقراء القرآن بمنهج ظاهريٍّ كما يعطي نفسه للقراءة والفهم من دون تأمُّل وإسقاط… القرآن. يتكلَّم الكثير عن ذاته، ويدقِّق في هويَّته، ويتكلَّم عن الوحي، كما يكشف لنا لحظة التجلِّي، وهو يسلِّط أضواء قويَّة وقاطعة فالقرآن ليس وثيقة تاريخيَّة فحسب بالنسبة إلى المؤرِّخ، والكلام المقدَّس الحقِّ بالنسبة إلى المؤمن، بل هو ما – يجب – أن – ينصت إليه في الأساسيِّ والجوهريِّ (ص27)”.

القرآن هو نتيجة الوحي ومضمونه، والقرآن معانٍ وألفاظ من هذا العالم مندرجة في الفضائيِّ – الزمنيِّ؛ يُدرَك بالإدراك الحسِّيِّ والذهنيِّ، ليس إلاَّ نسخة من هذا “التركيب” الأصلي الالهيِّ، وهذه مسألة كلاميَّة وليس هو الوحي بذاته، إذ الوحي هو العمليَّة التي يتمُّ بها التبليغ إلى الرسول والتجربة الفريدة التي عاشها. وليس همُّنا – كما يؤكِّد جعيط – أن نستَكنِه بالعقل، فهو أمر مستحيل، ولا حتى أن نسوِّق نظريَّة فلسفيَّة حول الوحي في الإسلام، بل إنَّ مجهودنا سيتَّجه إلى مقاربة تاريخيَّة معتمدة على النصوص وعلى مقاربة ظواهريَّة (ص17-18).. “إنَّ المؤرِّخ يقف عن الظواهر والفينومينولوجيا هنا بخصوص لحظة التأسيس لأنَّها مصدر كلِّ شيء أتى بعد(ص100).

لا ريب في أنَّ لحظة قيام العلاقة بين الكائن الحقِّ وهو الله، وبين محمد الإنسان؛ تتَّخذ أهميَّة قصوى في عمقها الميتافيزيقيِّ والتاريخيِّ. فهي لحظة التجلِّي، وهذه التجلِّيات هي أكثر من أن نعتبرها أحداثاً تاريخيَّة؛ فهي في التاريخ؛ لكنها ترمز إلى ما وراءه وما وراء العالم المُعطى سواء إلى الكائن – الإله – المشخَّص أو المطلق اللاَّمشخَّص. من هنا يؤكِّد ضرورة عدم التخلِّي عن طريقة الفينومينولوجيا في البحث (ص28).

هذه المقاربة في تحليلنا لعمل هشام جعيط تطرح سؤالاً هامَّاً هو: هل يمكن اعتباره  فينومينولوجياً أي مؤرِّخاً فينومينولوجيَّاً حتى لو أكَّد هو نفسه ذلك في بعض كتاباته، أم هو يمارس الفينومينولوجيا في التعامل مع ما يعجز المؤرِّخ عن وصفه وتفسيره، فهو لم يكتب في الفنيومينولوجيا أو عنها وإن كان قد مارس تحليلاتها، واستخدم بعض مصطلحاتها، وطبَّق بعض خطواتها؟ فبأيِّ معنى يمكننا أن نصف تحليلاته وتطبيقاته بأنَّها كذلك؟ خصوصاً أنَّ هناك صوراً وتفسيرات متعدِّدة للفينومينولوجيا عند مؤسِّسها إدموند هوسرل E.Husserl (18-1938)، وتطبيقات شتَّى لها لدى فلاسفتها الكبار ما بين معرفيَّة إبستمولوجيَّة أو دينيَّة أو جماليَّة، هي قراءات مارسها الفينومينولوجيون الغربيون وبعض من تبنَّاها من الأساتذة العرب، كما نجد ذلك فى كتابات حسن حنفي المتعدِّدة في الفينومينولوجيا الدينيَّة، بل يمكن أن نتوقَّف عند العلاقة بين الفينومينولوجيا والتاريخ، أو ما يمكن أن نسمِّيه القراءة التاريخيَّة للفينومينولوجيا.

 

ملاحظات:

في ضوء ما تقدَّم، يمكننا بيان بعض الملاحظات التي تساعد في فهم ما قدَّمه جعيط حول فينومينولوجيا الوحي وتجلِّي الله في الوعي الإنسانيِّ كما يظهر من كتاباته:

أوَّلاً: ازدهار الفينومينولوجيا في فرنسا فترة دراسة جعيط في نهاية الخمسينيَّات، ونحن نعلم أنَّه منذ بداية الثلاثينيَّات عرفت الفينومينولوجيا طريقها إلى الفلسفة الفرنسيَّة عبر ترجمات بول ريكور لكتاب “أفكار“، وجهود ليفيناس ترجمة وتعريفاً بها في الأوساط الفرنسيَّة، وسعي ميرلوبونتي لتأسيس أرشيف هوسرل هناك. فجعيط يهتمُّ اهتماما ً كبيرا ً بكتابات ميرلوبونتي وتتقارب استنتاجاته مع ما توصل إليه صاحب فينومينولوجيا الإدراك الحسِّيِّ والمرئيِّ واللاَّمرئيّْ.

ثانياً: التمييز بين صورتين للفينومينولوجيا، أو بين مرحلتين لها مرَّت بهما فلسفة هوسرل هما: الفينومينولوجيا السكونيَّة، والفينومينولوجيا الحركيَّة. ونجد لدى كلٍّ من أصحاب القراءة الدينيَّة وأصحاب القراءة التاريخيَّة للفينومينولوجيا ميلاً ونزوعاً  تجاه الفينومينولوجيا الحركيَّة، لدى حسن حنفي كما لدى هشام جعيط.

ثالثاً: الاهتمام الذي أولاه عدد من الفلاسفة الفرنسيين المعاصرين للعلاقة بين الفينومينولوجيا والتاريخ، وأهميَّة الفينومينولوجيا في دراسة الأصل والنشأة. وهنا نشير إلى كتاب ليوتار عن الظاهراتيَّة، ولدي بول ريكور خصوصاً في ما كتبه عن الفينومينولوجيا والتاريخ، وترجمة ودراسة جاك دريدا لأصل الهندسة عند هوسرل.

كلُّ هذا يجعلنا في أفق يسهم في فهم كثير ممَّا يتعلَّق بالإسلام والدين، حين تتوقَّف إمكانات البحث التاريخيِّ، وتُكشف إمكانات الوعي والقلب للفهم والتعرُّف.

 

الهوامش:

  • هانز جيورج غادامر: تجلِّي الجميل: ترجمة / سعيد توفيق، المجلس الأعلى للثقافة القاهرة.
  • هشام جعيط: في السيرة النبويَّة: الوحي والقرآن والنبوَّة ، دار الطليعة، بيروت 1991.
  • هشام جعيط: الشخصيَّة العربيَّة الإسلاميَّة والمصير العربي، دار الطليعة، بيروت 1974.
  • راجع: شارل مالك: المقدِّمة، دار النهار، بيروت، وعبدالرحمن بدوي: سيرة حياتي في جزأين، المؤسَّسة العربيَّة للدراسات والنشر، بيروت.
  • أنظر: حوليَّات الفينومينولوجيا والهيرمينيوطيقا، دار سمر ، تونس 2006.
  • حسن حنفى: تأويل الظاهريَّات: الحالة الراهنة للمنهج الظاهريَّاتيِّ وتطبيقه فى الظاهرة الدينيَّة، الجزء الأول، مكتبة الناقدة، القاهرة 2006.
  • يستشهد جعيط في ما كتبه عن” استراتيجيَّة المستقبل” بتمييز ميرلوبونتي بين المجتمعات ما قبل الرأسماليَّة والمجتمع الرأسماليِّ فيقول: “إنَّ الوظيفة الاقتصاديَّة من مجتمع ما قبل الرأسماليَّة لا تكون أبداً من دون عناصر دينيَّة وتشريعيَّة وأخلاقيَّة ولا معادل صحيح لها في لغة الاقتصاد” (صفحة 196). مثلما ينقل عنه قول فيسلى Wesley: يولِّد الدين حتماً روح الشغل وروح الاقتصاد اللذين لا يسعهما إلاَّ إنتاج الثراء (صفحة 197).
  • أنظر: اهتمام التونسيين بمرلوبونتي، ترجمة محمد المحجوب لكتاب “في مدح الفلسفة”، دراسة عبد العزيز العيادي؛ الحريَّة عند ميرلوبونتي والندوة التي عقدها معهد العلوم الاجتماعيَّة في تونس حول الفيلسوف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى