الدراسات والبحوث

النقد الهيغلي لكانط : دحض التجريبية والأمر المطلق

سالي سِدجويك

النقد الهيغلي لكانط : دحض التجريبية والأمر المطلق

سالي سِدجويك

هدف هذه المقالة كما تبيّن كاتبتها الباحثة الأميركية سالي سدجويك هو التنبيه على العلاقة القائمة بين نقد هيغل الأمر المطلق[1] لدى كانط ونقْده المثالية الكانطية بعامة. وعادةً، يحتجّ المدافعون عن علم الأخلاق لدى كانط في مقابل اتّهام هيغل له «بالشكلية الفارغة» على أنّ الأخير يشوِّه نوعيةَ اختبار التناقض المشمول في تطبيق الأمر المطلق، وأنّه ينسبُ إلى كانط بشكلٍ خاطئ الرأي الذي يُفيد استمدادَ واجباتٍ محدَّدة بشكلٍ تحليليٍ من هذا الأمر. ولكن عادةً ما يُهمل هؤلاء المدافعون تناولَ اعتراضات هيغل في سياق مشروعه الرامي إلى اقتراح بديلٍ لنوع المثالية الخاص بكانط.

هذه المقالة تضيء على إحدى أبرز مناطق السجال الخفية التي أطلقها هيغل ضد كانط وتشكّلت من جرائها مدارس ومذاهب وتيارات سيكون لها أثر لاحق وجوهري في تأسيسات ما بعد الحداثة.

المحرر

إذا كنتُ محقّةً في الإصرار على أنّ نقد هيغل للشكلية الفارغة هو مدفوعٌ ومحدَّدٌ عبر ذلك المشروع الأكبر، فسوف تحتاجُ الافتراضات التي وجَّهتْ التفسير والتقييم النمطيَّيْن لنقده علم الأخلاق لدى كانط إلى مراجعة.

أبدأُ في القسمين الأولَّيْن بعرضٍ وجيزٍ لمعالجة هيغل الأمر المطلق والردود الكانطية المعهودة عليه، وفي الأقسام 3-5 أقدِّمُ بياناً (شديد الإيجاز) للمواضيع الرئيسة الكامنة في رفضه للمثالية المتسامية لدى كانط. استناداً إلى هيغل، إنّ «تجريبية» كانط المتعلّقة بالمضمون هي المسؤولة عن «الازدواجية» الواهية في مفهومه عن علاقة المضمون بالشكل والتي تسدُّ الطريق أمام مثاليةٍ «أصيلة» و»موضوعية». في القسمين الأخيرين، أُوضِّح لماذا يُصرُّ هيغل على أنّ تجريبية كانط المتعلّقة بالمضمون تُلزمه بالازدواجية في فلسفته العملية وتُنتج الافتراضَ المؤسِف المتمثّل بقانونٍ عمليٍ أرفع هو «صوريٌ» فحسب. كذلك، سوف أتناول كيف أنّ بياني نقدَ هيغل الشكليةَ الفارغة قد أثّر في بعض المحاولات الحديثة للدفاع عن كانط في مقابل هذا النقد.

لا تردُ أكثر نقاشات هيغل تفصيلاً عن الأمر المطلق في كتابه «فلسفة الحق» الصادر عام 1821 بل في مقالته «القانون الطبيعي» التي كتبها بعد عشرين عاماً تقريباً. في كلامه حول مفهوم كانط، يُخبرنا هيغل أنّ العقل العملي «ينبذُ محتوى القانون». ما يختبره قانونه الأرفع أو أمره المطلق هو إمكانية تعميم القاعدة التي «تمتلكُ مضموناً وتشتملُ على فعلٍ محدَّد» من دون وقوع تعارض، أو على حدّ تعبيره، يُمكن «افتراضها على أنها مفهوم، شيءٌ عام». بهذه الصفة، يقول هيغل إنّ ذلك يمثّل فقط تحويل مبدأ التعارض إلى «شكلٍ عملي».

بما أنّ الأمر المطلق في حدّ ذاته لا مضمون له ويقومُ فقط باختبار الأهليّة الصوريّة أو عمومية القواعد، لا يُمكن وفقاً لهيغل أن يكون تشريعه أكثر من اعتباطي. يحتجّ هيغل على هذه النقطة بالرجوع إلى مَثَل كانط الافتراضي الشهير الذي يُورده في «نقد العقل المحض» إذ يتناول القاعدة التالية: لكي أزيد ثروتي يُمكنني أن أنكر تسلّمي وديعةًٍ مالية لا دليل عليها. يُجيب هيغل عن إصرار كانط بأنّ هذه القاعدة تتدمّر ذاتياً إذا جُعلت قانوناً عاماً كالتالي: «أين يوجد التعارض مع عدم وجود الودائع؟ هذا الانعدام سوف يُعارض أشياءَ أخرى تماماً كما أنّ إمكان وجود الودائع تتلاءم مع أشياء أخرى ضرورية وبالتالي تكون ضروريةً بنفسها. ولكن لا ينبغي التماس الأهداف والأسس المادية الأخرى…».

إذا تمثّلت المقبولية الأخلاقية لقاعدةٍ ما في وظيفة لا تتعدّى عموميتها، يُمكن لأيِّ قاعدةٍ أن تنجح في الاختبار وفقاً لرأي هيغل. يُشيرُ هيغل هنا إلى أنّ عدم وجود الودائع هو أمرٌ عامٌ كوجودها، ولا يكونُ عاماً إلا إذا تمّ افتراض «الأهداف والأسس المادية الأخرى» مُسبقاً. ولكن لا ينبغي أن يتمّ افتراضها مُسبقاً لأنّ بيان كانط للأمر المطلق يقوم بتحديد أخلاقية القواعد على أساس شكلها فحسب. أظنُّ أنّ هذه الدعوى هي التي تُمثّل الهدف الرئيس لهجمات هيغل. بنظره، لا يُمكن تحديد عمومية قاعدةٍ ما إلا مع إتاحة الافتراضات الأساسية[2] حول المضمون. بالإضافة إلى ذلك، بما أنّه يتمّ افتراض المضمون مُسبقاً بكلِّ بساطة، فإنّ تشريع العقل العملي الكانطي لا يُمثّل أكثر من إنتاج حشوٍ كلامي. يفترضُ العقل العملي أنّ أيَّ مضمونٍ يراه مُناسباً هو مُطلق؛ على سبيل المثال: ضرورة وجود الملكيّة. إذا حُكِم على قاعدةٍ ما بالفشل في الاختبار الذي يُجريه الأمر المطلق أو بأنّها ليست عامّة، فإنّ السبب هو مناقضتها ذلك المضمون.

لا يُقدِّم كانط لنا أيَّ طريقةٍ لاختبار أخلاقية الافتراضات الأساسية التي لا يُمكن من دونها استخدام الأمر المطلق. ولكن بما أنّ هذه الافتراضات هي التي تلعبُ الدور الرئيس في تحديد أخلاقية قاعدةٍ محدَّدة، يُضيف هيغل أنّ الأمر المطلق في حد ذاته هو «زائدٌ عن الحاجة». حين توضع الافتراضات الأساسية في مكانها –على سبيل المثال: افتراض ضرورة وجود الملكية- يتمُّ تحديد المكانة الأخلاقية لقاعدةِ قيامنا بالسرقة. وعليه، حين يقومُ الأمر المطلق باختبار القاعدة فإنّه لا يُسهم بأيِّ تحديدٍ إضافي.

لقد ظهرتْ هذه الأنواعُ من الاعتراضات مجدَّداً في كتاب هيغل «فلسفة الحق». إذا اعتُبر أنّ تعريف الواجب هو فقط انعدام التعارض، يقول هيغل: «لا يُمكن الانتقال إلى تعيين واجبات مُحدَّدة. وكذلك، إذا وُضِع مضمونٌ معيَّنٌ للفعل على بساط البحث لا يوجد معيار في ذلك المبدأ للبتّ في كونه واجباً أو لا. بل خلاف ذلك، قد يتمُّ بهذه الطريقة تسويغ أيّ نهجٍ خاطئ أو غير أخلاقي».

فقط إذا افترضنا أنّه «ينبغي وجود الملكية والحياة الإنسانية وتبجيلهما» يُمكننا الادّعاء بوجود تناقض في ارتكاب السرقة أو القَتْل. وكما يقول هيغل فإنّ التناقض «ينبغي أن يكون مُناقِضاً لشيءٍ ما».

II

من هذه الصورة المقتضبة، يُمكننا تقديم البيان الأوليّ التالي للنقاط الأساسية في نقْد هيغل. أولاً: الأمر المطلق صوريٌ -باعتبار أنّه قانونٌ عقلي بديهي- وهو فارغٌ وغير قادر على تشريع الأخلاقيات بطريقةٍ غير اعتباطية. ثانياً، إذا تمّ على الرغم من ذلك استعماله بوصفه اختباراً لأخلاقية القواعد، ينبغي أن تقوم الافتراضات الأساسية أو المضمون بتوجيهه. ثالثاً، بما أنّه ينبغي إدخال المضمون لكي يؤدِّي الأمرُ المطلق عملَه التشريعي، فإنّ هذا يجعلُ علاقَتَه بوظائف محدَّدة عرضية. بكلمةٍ أخرى، لا يتمُّ تحديد صلاحية تلك الواجبات المحدَّدة عبر الأمر المطلق وحده، بل تتعلّق هذه الصلاحية ببعض المضامين.

من النظرة الأولى، قد يبدو أنّ أيّاً من هذه الاعتراضات لا يُمثّل إشكالاً كبيراً بالنسبة للمدافعين عن كانط لأنّها لا تنبثق -للوهلة الأولى على الأقل- من بيانٍ صائب لرأيه. سوف أقومُ بمناقشةٍ تفصيلية لبعض مُحاولات الدفاع عن كانط في القسم السادس، ولكنّه من المفيد أن نتطرّق لبعض النقاط مُسبقاً. على سبيل المثال، لقد تمّ الاحتجاج بأنّ تصنيف الأمر المطلق كمجرَّدِ تطبيقٍ لقانون التناقض في الميدان العملي لا يُمكن أن يكون صحيحاً، وأنّه قاعدةٌ بديهية تركيبية لإمكان الأخلاق وليس من أمثلة قانون المنطق العام. لدى اختباره الأهليّة الصورية لقاعدةٍ ما، يقومُ الأمر المطلق باختبار الإمكانية أو الاستحالة العملية وليس الإمكانية أو التناقض المنطقي. إنّه يختبر إمكان تطابق القاعدة مع ما قد يُطلق عليه المدافعون عن كانط الشروطَ البديهية للتجربة الأخلاقية.

بالإضافة إلى ذلك، لا يختبرُ الأمرُ المطلق عموميةَ القاعدة كما يُشير هيغل بل إرادة جعْلها قانوناً عاماً. هل يُمكن لأيِّ فاعلٍ، بصفة كونه عاقلاً أو حائزاً قوةَ العقل العملي، أن يتبنّى القاعدة أو يَسمح بها من دون الوقوع في التناقض الذاتي؟ كذلك وفق هذا التفسير، ما يتمُّ تقييمه هو ليس تطابق القاعدة مع قوانين المنطق بل تطابقها مع ما قد نُسمِّيه بغايات الفاعلية العقلانية. لعلّ هذا يوضِّح سبب قيام كانط بإخبارنا أنّ صيغَه الإضافية للقانون الأخلاقي –على سبيل المثال: صيغة «الغايات»- تجعلُ معنى صيغة العموم «أقرب إلى الحدس». استناداً إلى هذا التفسير، اختبار عمومية القاعدة يعني فقط تحديدَ مراعاتها أو عدم مراعاتها الغايات التي يشتركُ فيها جميع الفاعلين بصفة كونهم عقلاء.

على الرغم من أنّ هذه النقاط قد تكون مقنعةً في إظهارها موقف كانط على نحوٍ متعاطف، لكنني سوف أحتجّ بأنّها لا تتناول ما أعتبر أنّه موضع الاهتمام الحقيقي لنقْد هيغل.

III

لقد تمّت الإشارة إلى أنّ نقْد هيغل الأمرَ المطلق هو مثالٌ على رفضه الأعم مفهومَ كانط حول قوانين العقل وعلاقة هذه القوانين بالمضمون، وذلك في ملاحظاته الواردة في مقالة «القانون الطبيعي» إذ يُخبرنا أنّ نقطة الضعْف في صوريّة كانط تعودُ إلى تبنِّيها لما يُشير إليه «بالقاعدة التجريبية». في بيانه للمقاربات التجريبية والصورية تجاه القانون الطبيعي، يُصرِّح هيغل بأنّه من «الواضح» أنّ «محتويات كُلٍّ من الإدراك والمفهوم التجريبي تتشابه…بما أنّ التصوُّر المحض أو التعارض مُفترضٌ بشكلٍ مُطلق، فلا يُمكن وجود الفكرة والاتّحاد المطلَقَيْن. مع مبدأ التعارض المطلق أو إطلاق التصوُّر المحض، يُفترَض المبدأ المطلق للتجريبية…».

بالنسبة لهيغل، تُمثّل كلٌّ من التجريبية والصورية «أساليبَ زائفة لمعالجة القانون الطبيعي بشكلٍ علمي». برأيه، يحتوي كلٌّ منهما على التناقض الداخلي ويدافعان عن قواعد هي في أفضل الأحوال صحيحة على نحو الاحتمال. مع افتراض «إطلاق التصوُّر المحض» أو «مبدأ التعارض المطلق»، يقومُ الاتّجاهان باستبعاد إمكان اكتشاف أيِّ عمومٍ أو قاعدة للاتّحاد في موضوع التجربة. إذا أمكن افتراض وجود مبادئ مُوحِّدة، ينبغي أن تكون على حدّ تعبير هيغل «شيئاً صوريّاً يحومُ حول التعدُّدية فحسب ولا يخترقها». في اعتقادها بعدم إمكان اكتشاف الاتّحاد في تعدُّدية المضمون، تشتركُ الصورية مع التجريبية في المبدأ الذي يقول هيغل إنه «يُقصي الاتّحاد المطلق للواحد والمتعدِّد».

إنّ مناقشة هيغل المقاربة التجريبية تجاه القانون الطبيعي ولعناصر تلك المقاربة التي يدّعي أنّها موجودة أيضاً في الصوريّة هي مناقشة مهمّة بالنسبة لفهمنا نقْدَه الأمرَ المطلق إلى حدٍّ تتطلّبُ بعض المحاولات لإزالة الغموض. إحدى الموضوعات المتكررة في ملاحظاته على التجريبية هي التضارب الشامل فيها. ينتقدُ هيغل أولئك الذين -مع ادّعائهم بأنّهم تجريبيون بارعون- يقومون باستمداد مبادئهم عن القانون الطبيعي عبر رفْع خاصيّة محدَّدة في التجربة إلى مرتبة العموم. على سبيل المثال، لدى استمداد مبدأ لتسويغ العقاب، «يتمُّ تعيينُ بُعْدٍ محدّد» وهو بتعبير هيغل إمّا: «الإصلاح الأخلاقي للمجرم، أو الضرر الذي أوقعه، أو تأثير عقابه في الآخرين…وبعدها، يُجْعل هذا البعد الوحيد هدفَ المجموع وجوهره». بهذه الطريقة، يتمُّ إضفاء الاتّحاد المفهومي على مُتعدِّدٍ تجريبي –أو يُؤخذ بعض المضمون بوصفه مطلقاً.

المشكلة الكامنة في هذه العملية هو تعارضها مع التجريبية في صورتها «النقيّة» كما يُعبِّر هيغل. وفقاً لمبادئ التجريبية المتناغمة أو «النقية»، ينصُّ هيغل على أنّ «كلَّ شيء يمتلك حقوقاً متساوية مع الأشياء الأخرى؛ وكلُّ صفة هي حقيقية كغيرها ولا أفضليّة لأيٍّ منها». من المفترض أنّ دعوى التجريبية هي كوْن كل ما تمّ منحُنا إيّاه عبر الإدراك الحسّي هو «الوجود المتعدِّد»: أي مضمون حسّي خالٍ من الاتّحاد. وفقاً لهذا المفهوم، لا يُمكن أن يُقدِّم الإدراك الحسّي وحده أيَّ أساسٍ لتمييز إحدى خواص التجربة من غيرها. وعليه، بالنسبة للباحث التجريبي، «النتيجة الطبيعية» لمحاولة استخراج قواعد مُوحِّدة من مضمون التجربة هي كما يشرح هيغل: «بما أنّه لا توجد صلةٌ ضرورية لبُعدٍ محدَّد بالأبعاد المحدَّدة الأخرى التي يُمكن العثور عليها وتمييزها، ينشأُ صراعٌ مستمر لإيجاد التأثير والسيطرة الضروريين لإحداها على الأخريات. وبما أنّ الضرورية الباطنية -المنعدمة في الفرديّة- هي مفقودة، فيمكن لكلٍّ بُعْدٍ أن يسوّغ تماماً استقلاله عن الأبعاد الأخرى».

ما دامت التجريبية تسعى لتكون «علمية» وتحاولُ استمداد «هدفٍ» أو «جوهرٍ» مُوحِّدٍ من الإدراك الحسّي، فإنّها تُقدِّم قواعد لا يُمكن تعليلها على أُسسٍ تجريبية. في قيامها بذلك، تعدّ التجريبية أنّ اتّحاداً صورياً محضاً أو نتاجاً فكرياً هو الذي يمثّلُ إطلاق المضمون. ولكن إلى الحد الذي تكون التجريبية فيه متناغمة ومقرّةً بعدم إمكان استمداد القواعد العامة من مضمون التجربة، فإنّها تضطر لتسليم طموحاتها العلمية إلى الشك كما قد اعترف هيوم.

مع أنّ هدف الصورية هو تفادي النتيجة التشكيكية للتجريبية المتناغمة، يرى هيغل أنّ إستراتيجيتها في تنفيذ ذلك تستندُ إلى الاشتراك مع التجريبية في الاعتقاد بأنّه لا يُمكن اكتشاف القواعد الموحِّدة في المضمون. تحت اسم «إنقاذ الميتافيزيقيا»، تُذيع الصورية ميزةَ الازدواجية: أي إنّها تفترضُ بالإضافة إلى الإدراك الحسي وجودَ مصدرٍ ثانٍ للمعرفة. يرى أنّ أصول قواعدها التوحيدية تكمنُ في قوة الفكر المحض، وهي قوةٌ غير قابلة للاختزال في الإدراك الحسي أو الإحساس. بالنسبة للصورية ـ كما يُعبِّر هيغل ـ يكون «التعارض بين الشكل والمضمون مُطلقاً، والاتّحاد المحض…منفصلاً تماماً عن المضمون ومُفتَرَضاً بشكلٍ مستقل». يصدقُ هذا الأمر في ميدان الفلسفة العملية والنظرية أيضاً. يُصرِّح هيغل بضرورة تجريد «جوهر» العقل العملي المحض من تمام المضمون، وأنّ «الحقيقي» بالنسبة له «مفترضٌ جوهرياً خارج العقل…». بهذه الطريقة، يكونُ العقل العملي هو «الاختلاف بين المثال والواقع».

IV

من الصعب تحديد ما كان يعنيه هيغل على وجه الدقة في ادّعائه أنّ الصورية –بما لا يقل عن التجريبية- تُنتج مبادئ صحيحة على نحو الاحتمال فحسب، أو في تعبيره بأنّها «لا يُمكنها التوصُّل إلى شيءٍ غير العلاقات أو الهويّات النسبيّة». بالطبع، تدّعي الفلسفةُ النقْدية تقديمَ مبادئ لإمكان كلٍّ من التجربتين النظرية والعملية اللَّتيْن ـ بسبب انبثاقهما من العقل المحض وليس الإدراك الحسّي ـ يُضمنُ حيازتهما مرتبة العموم والوجوب. لا يحتجّ هيغل فقط على أنّ الصورية والتجريبية تنتهيان بنفس النتيجة غير المرضية، بل أيضاً (وهو الأجدر بالملاحظة) إمكان رجوع شرح الهوية النسبيّة أو الإمكان في كلِّ مقاربةٍ منهما إلى مصدرٍ مشترك.

يكمنُ مفتاح حلّ هذا اللغز في الإشارة إلى الاختلاف المهم بين رواية هيغل حول الإمكان التجريبي وتلك الرواية التي ينسبها إلى هيوم. بالنسبة إلى الباحث التجريبي الوفيّ كهيوم، يأتي الإمكان نتيجةً لتبنِّي ادّعائَيْن:

أ) ما يُسمِّيه هيغل «بالمبدأ التجريبي» الذي يُفيد أنّ المضمون المقدَّم للإدراك الحسي هو «شيء محسوس بشكلٍ متنوِّع» وبالتالي لا يحتوي على الاتّحاد في نفسه ولا على أيِّ وسيلةٍ لفصْل العام من الخاص.

ب) الفكرة التي تُفيد أنّ المضمون المقدَّم للإدراك الحسي هو مصدرنا الوحيد للمعرفة المادية أو غير المفهومية. بما أنّه لا يُمكن اكتشاف العام في مضمون الإدراك الحسي وفقاً لهيوم، وبما أنّه يرى أنّ هذا المضمون هو كل ما نملكه لنؤسِّس عليه معرفتنا التجريبية، فإنّ التجريبية –ما دامت مُتناغمة- تضطر بناءً على روايته للاعتراف بعدم إمكان تبرير ادّعاءاتها.

أما بالنسبة لهيغل، فإنّ «المبدأ التجريبي» –الذي سوف أشير إليه بمبدأ «انعدام الوحدة في المضمون»- هو المسبِّب الرئيس للمشكلات هنا. بما أنّه يُخبرنا –كما مرّ- أنّ هذا هو المبدأ الذي تشتركُ به كلٌّ من صوريّة كانط والتجريبية، فإنّه ليس مثاراً للتعجُّب أن يعدّ هيغل أنّ هذا المبدأ هو المسؤول عن «الإمكان» في صوريّة كانط أيضاً. برأيه، لا تكمنُ المشكلة في اعتماد التجريبية على مضمون الإدراك الحسّي بل في مفهومها عمّا يشتمل عليه فهمنا ذلك المضمون أو ينبغي أن يشتمل عليه. في محاولتها لتكون علميةً، تقوم التجريبية كما قد رأينا «برفْع المضمون المنتمي للإدراك الحسّي والشعور والحدس إلى هيئة المفاهيم والمبادئ والقوانين العامة…». بالنسبة إلى الباحث التجريبي الوفي كهيوم، يُفسَّر هذا كإبرازٍ للمبادئ المستمَدّة من الخارج (من خيال الفاعل) لتطبيقها على مضمونٍ حسي مُقدَّم بشكلٍ مُستقل. بما أنّ هذه المبادئ هي غير مُرخَّصة من قبل التجربة، يستنتجُ هيوم أنّها لا يُمكن أن تكون صحيحة على نحوٍ موضوعي.

ما يريد منّا هيغل إدراكه هو أنّ هذه النتيجة التشكيكية تُفرضُ علينا فقط إذا اتّبعنا هيوم في تبنِّيه قاعدة انعدام الوحدة في المضمون، وفي افتراضه أنّ المعرفة بالنسبة إلينا ينبغي أن تمثّل التوصُّل المستقل إلى الأشياء. بينما «الإدراك الحسّي في حدّ ذاته هو على الدوام شيءٌ مُنفرد يزول»، يقول هيغل إنّ: «الفهم لا يتوقّف في هذه المرحلة. بل على العكس، يسعى الفهم للعثور على الشيء العام والثابت في المفرد المحسوس، وهذا هو التقدُّم من الإدراك الحسّي المحض إلى التجربة». يبدو أنّ هيغل يقصدُ في هذه الفقرة أنّ «التقدُّم من…الإدراك الحسي إلى التجربة» هو عنصرٌ ضروريٌ في فهمنا مضمون الإدراك الحسّي، وليس (كما افترض هيوم) شيئاً زائداً محظوراً أو «ذاتياً فحسب». يكمنُ في تقبُّل الباحث التجريبي لمبدأ انعدام الوحدة في المضمون الافتراض الذي يُفيد بأنّ الخاص المحض أو غير المحدَّد هو الموضوع المحتمل لمعرفتنا. يرى هيغل أنّه يجب أن نتخلّى عن هذا الافتراض (إذا مُنحنا معرفةً مناسبةً بطبيعة عملية الفهم)، وإذا تخلَّيْنا عنه لا توجد حاجةٌ لاتّباع المشكِّك حين نُقرُّ بالدور الضروري للمبادئ الموحِّدة.

يُمكننا أن نرى الآن كيف أنّ حفّزت الاعتبارات هيغل في مقالة «القانون الطبيعي» لنتحدث المفهوم التجريبي «للحالة الطبيعية» (التي تُعادل المضمون غير المحدَّد أو «المتعدِّد» للتجربة، وذلك في نطاق النظرية السياسية). بعيداً عن انعدام التحديد، يُخبرنا هيغل أنّ الحالة الطبيعية التي يتبنّاها الباحث التجريبي هي بالفعل فكرةٌ مجرَّدة مُستخرجة عبر «فصْل كل شيءٍ متبدِّلٍ وعرضي عن…الحالة القانونية». بما أنّ مضمون التجربة في حدِّ ذاته لا يُقدِّم أيَّ أساسٍ لتمييز العرضي من الضروري، فإنّ النظرة التجريبية إلى الحالة الطبيعية تتخذ أيّاً من الخصائص المطلوبة لتسويغ مفهومها المفضَّل عن الحالة القانونية. على حدِّ تعبير هيغل، يتمُّ إضفاء اتّحادٍ مفهومي «مُختلف وغريب» على التعددية غير المحدَّدة: مثلاً، «حرب فيها دمارٌ متبادل». بهذه الطريقة، «تُفترض النتيجة المرغوبة مُسبقاً»: «نتيجة…الانسجام الذي يكون -مثل الفوضى- متعارضاً مع الخير…». عملية الارتقاء من الحالة الطبيعية إلى الحالة القانونية مضمونة لأنّ «أرضية الانتقال مطروحة بشكلٍ مباشر في فكرة كون الخصائص الأصلية قوى كامنة، مثل الغريزة الاجتماعية…».

يُريدنا هيغل هنا أن نُقرّ بوقوع حالةٍ من الفشل الحتمي للتجريبية في الوفاء لمبدأ انعدام الوحدة في المضمون. العبرة التي ينبغي أن نستخلصها مجدداً ليست شكلاً هيومياً من التشكيك الذي يعتمدُ على تبنِّي مبدأ التجريبية بل قصور هذا المبدأ في حد ذاته أو قصور التوقُّع بأن يكون المضمون البحت وغير المحدَّد للإدراك الحسي شيئاً في إمكاننا معرفته. ما ينبغي أن نعترف به عوضاً عن ذلك هو، كما يكتبُ هيغل في موسوعة المنطق، أنّ «الإنسان مفكِّرٌ على الدوام، حتى حينما يحدُس فقط. حينما يُفكِّر بشيءٍ أو بآخر فإنّه يراه على الدوام شيئاً عاماً، ويُركِّز على شيءٍ واحدٍ ويُبرزه. وعليه، يسحْبُ اهتمامه من كل شيءٍ آخر ويعدّ هذا الشيءَ مجرَّداً وعاماً…». هنا، يدّعي كانط أنّ الحدس أو الإدراك الحسي يتطلّبُ القدرات التمييزية للفهم الذي يكون على الدوام موحِّداً أو مُطبِّقاً للتجريد بعيداً عن الخاص المحدَّد. بما أنّه لا يوجد إدراكٌ من دون تفكير، يرى هيغل أنّه بالنسبة إلينا لا يوجد مضمون مُدرَك حسياً أو حدسياً لا يحملُ تحديدات الشكل. وعليه، فإنّ الباحث التجريبي يُخطئ في فهمه طبيعة الإدراك الحسي وما يرى أنّه موضوعه.

V

على الرغم من خطئها في الاعتقاد بعدم إمكانية اكتشاف الوحدة في المضمون وخطأ التشكيك الناتج من ذلك، لكنّ التجريبية تبقى متفوِّقةً على الصورية وفقاً لهيغل بسبب مقاومتها الحكيمة للرغبة بالتخلّي عن ميدان الإدراك الحسّي لصالح ما يُعبِّر عنه هيغل بـ «الفراغ البعيد،…شبكات العنكبوت والأشكال الضبابية للفهم التجريدي». كما ذكرتُ سابقاً، يرى هيغل أنّ الصورية تتبعُ التجريبية في تبنِّي قاعدة انعدام الوحدة في المضمون، ولكن في محاولتها لتفادي النتيجة التشكيكية تقومُ الصورية بالرجوع خارج مضمون التجربة إلى مصدرٍ مستقل للاتّحاد والضرورة وذلك في التحديدات البديهية للعقل المحض. على حدِّ تعبير هيغل، يُصبح الفاعل المفكِّر أو الأنا بالنسبة لكانط «البوتقة والنار التي يتمّ فيها إحراق التعددية اللامُبالية وتحويلها إلى الاتّحاد». بهذه الطريقة، يقومُ كانط برفْع الاختلاف بين قوى الإحساس والفكر ليُصبح «مبدأً مُطلقاً». وعليه، يُصبح الرجوع إلى قوانين الفاعل المفكِّر –التي لا تُؤمِّنُ أكثر من ضرورية ذاتية أو نفسية وفقاً لهيوم- مفتاحَ إنقاذِ الميتافيزيقيا بوصفها علماً.

هذه النقاط تستدعي اهتماماً دقيقاً إذا أردنا فهم نقْد هيغل العام الصوريّةَ الكانطية بالإضافة إلى انتقاداته الخاصة للأمر المطلق. ينبغي أن نعرف كيفية عمل مبدأ التجريبية في الفلسفة النقْدية وفق بيان هيغل، وما الذي يراه باطلاً في رجوع كانط إلى قوانين العقل المحض.

لا يُمكن معالجة أول مسألة من دون ذِكرٍ موجَز على الأقل لكيفية تناول هيغل الاستنتاج المتسامي للمقولات الذي يُجريه كانط في «نقد العقل المحض». في قسم «الاستنتاج المتسامي»، يحتجُّ كانط بضرورة وجود قواعد فكرية بديهية تجعلُ توحيدَ التمثيلات المقدَّمة عبر هيئاتنا للحدس الحساس[3] أمراً مُمكناً. هذه القواعد أو «المقولات» هي شروطٌ صورية لإمكان وجود الأشياء بالنسبة إلينا، ومن دونها لا يُمكننا مَعرفة أي تمثيلٍ أو حتى التفكير به على أنه شيء. بدلاً من اكتشاف بذور ما يُسمِّيه هيغل «بالمثالية الأصيلة» في هذه الدعوى، يقومُ كانط بتحويل وظيفة الفِكر الجاعلة للموضوعية إلى شيءٍ «ذاتي فحسب». تقتصرُ صلاحيةُ المقولات على ظهور الأشياء أمام الفرد العالم فحسب، وليس على ماهيتها في حدِّ ذاتها.

كما يرى هيغل، هذا التقييد هو دليلٌ على التزام كانط بمبدأ التجريبية. هذه النقطة بعيدةٌ عن الوضوح وذلك على ضوء الحقيقة التي تُفيد أنّ إصرار كانط على الإسهامات الصورية للذاتية تؤدِّي به إلى إنكار الإتاحة المعرفية لأيِّ تمثيلٍ غير محدَّدٍ أو مضمونٍ حسّي مقدَّم. أمّا بالنسبة لتفسير هيغل، تكمنُ المشكلة في اعتراف كانط –كالباحث التجريبي الوفيّ- بعدم إمكان الوصول إلى ذلك المضمون من ناحية، ولكنّه من ناحيةٍ أخرى يلجأ إليه في تقييمه كفاءةَ معرفتنا. يرى هيغل أنّ كانط يَتبعُ الباحث التجريبي في تقييمه نوعَ المعرفة الخاص بنا في مقابل معيار الوصول المستقل إلى المضمون. لهذا السبب يقومُ من خلال فرضية اقتصار معرفتنا على الظواهر بالتوصُّل إلى الاستنتاج التشكيكي الذي يُفيد عدم استطاعتنا معرفةَ الأشياء في حدِّ ذاتها.

ولكن بالنسبة لهيغل، يتعارضُ هذا التشكيك مع النظرة الرئيسة في قسم الاستنتاج المتسامي. إذا كانت الدعوى الواردة في ذلك القسم صحيحة والمضمون الوحيد الذي يُمكننا الوصول إليه عبر الإدراك ينبغي أن يكون حاملاً بالفعل التحديدات الشكلية، فإنّ الشيء في ذاته الذي يتجاوز المفهوم لا يُمكن أن يحظى بمعنى معرفيٍّ بالنسبة إلينا. إذا لم نستطع حيازة المعنى المعرفية فإنّ ذلك لا يُعدُّ دليلاً على محدودية علمنا ولا يسوّغ المخاوف التشكيكية المتعلّقة بالانعدام المحتمل للتوافُق بين الأشياء كما نعرفها والأشياء كما هي «في حد ذاتها». على الرغم من أنّ كانط يقتربُ كثيراً من المثالية «الأصيلة» في اعترافه بالمدى الذي يقوم الفكر باشتراط مضمونها، لكنّ هيغل يحتج بأنّ كانط يفشلُ في استخلاص الاستنتاج المثالي المناسب من هذا الأمر والتخلِّي عن التعارض المطلق بين الشكل والمضمون.

بسبب الدور الذي ينسبُه كانط إلى الشيء في حد ذاته فإنه بالنسبة لهيغل يبقى باحثاً تجريبياً حول المضمون. يبدو أنّ هيغل يرى أنّ هذه التجريبية التي تدورُ حول المضمون لها تداعيات على آراء كانط عن الشكل أيضاً. بالنسبة لكانط وهيوم، ينبغي أن يكون الشكل من إسهام الفاعل البشري. ولكن في مقابل هيوم، يُصر ُّكانط أنّه على الرغم من عدم إمكان اكتشاف الشكل في المضمون بل يقومُ الفاعل الإنساني بتقديمه، يُمكن إظهار صلاحتيه الضرورية في الأشياء. بالنسبة لكانط، يحوزُ الشكل مرتبةَ القانون لأنّه بديهي ولا يتمُّ استمداده من التجربة بل من العقل المحض، والشكل يمتلك صلاحيةً ضروريةً في الأشياء لأنّه لا يُمكن لنا على الإطلاق أن نُفكر بالتمثيلات أو أن نختبرها بوصفها أشياء في غيابه.

كما ذكرتُ سابقاً، يحتجُّ هيغل بعدم إمكان الإبقاء على هذا اللجوء إلى قوانين العقل المحض. إذا اقتنعنا جيداً بالحجّة الواردة في قسم «الاستنتاج المتسامي» الداعية إلى التخلِّي عن مبدأ انعدام الوحدة في المضمون، إذاً ينبغي برأيه أن نُراجع مفهومنا عن الذاتية الإنسانية وإسهامها «الصوري» أيضاً. سوف أقومُ بتفصيل بعض دلالات هذه النقطة فيما يلي حين أتطرّق مجدّداً لنقْد هيغل لصوريّة العقل العملي لدى كانط، ولكن سيكونُ من المفيد تقديمُ بعض الملاحظات التمهيدية هنا. لقد رأينا إلى الآن كيف يرى هيغل أنّ تجريبية كانط هي التي تقودُه إلى الخطأ المتمثّل بافتراض انطباق واجباتنا الذاتية على مضمونٍ «بحْت» أو غير محدَّد. المشكلة التي تُواجهنا الآن هي تحديد نتائج الشكل الكانطي التي يرى هيغل أنّها تنشأ من الاعتراف بعدم إمكان وجود مضمونٍ «بحْت» بالنسبة للإدراك. بالنسبة لكانط، نشرحُ تركيبَ المتعدِّدات غير المحدَّدة لتحويلها إلى أدوات للتجربة من خلال الإشارة إلى الأشكال التركيبية البديهية للفهم النقيّ. إنَّني أشتبه أنّ هذه هي الفرضية التي يروم هيغل أن يدحضها حينما يُصرّ –على خلاف كانط- إنّ مضامين الإدراك ليست «بحْتة» بل مُحدَّدة فعلاً. إذا اعترفنا بعدم وجود مضمونٍ «بحْت» ينتظرُ أوامر الشكل الموحِّد، ينبغي أيضاً أن نتخلّى عن فكرة كوْن الشكل شيئاً مفروضاً أو مُخطَّطاً على المضمون من قِبل فاعلٍ عارفٍ أو مفكِّر. يُريدُ هيغل أن يحتجّ بأنّ الشكل والمضمون هما جزءٌ من نفس الاتّحاد وينفصلان فقط كنتيجة لحصول التجريد. وعليه، لا يكونُ الشكل مُستقلاً في الأصل عن المضمون كما أنّ المضمون غير مُستقل عن الشكل. إذاً، لا يهدفُ هيغل بهذه الطريقة أن يُقوِّض فقط التجريبيةَ التي ينسبها كانط إلى المضمون بل أيضاً مفهومَه لما يُمكن أن نسمِّيه استقلال العقل وقوانينه.

VI

بالعودة إلى نقْد هيغل الأمرَ المطلق، أصبحنا الآن في موقعٍ أفضل يُخوّلنا فهمَ السبب الكامن وراء عدّه أنّ مفهوم كانط حول علاقة العقل العملي المحض بمضمون الرغبة والنية الإنسانية هو مجرَّد تعبيرٍ إضافي عن تجريبيةٍ دفينةٍ واهية. على الرغم من أنّ كانط يُخبرنا في سياق فلسفته النظرية أنّ مقولات الفهم المحض ومبادئه هي التي تُنظِّم أو توحِّد محتوى الإدراك الحسّي المقدَّم بشكلٍ مُستقل، لكنه يُركِّز في فلسفته الأخلاقية على الأمر المطلق وقدرته على إخضاع الغايات والرغبات التجريبية تحت سيطرة العقل العملي المحض. كما في المقولات والمبادئ، فإنّ القانون الأسمى للعقل العملي هو بديهي. وفقاً لبيان هيغل، وكما قد رأينا، فإنّ هذا يعني اعتماده على «الاختلاف بين المثال والواقع».

من الواضح أنّ هذا الاختلاف بين المثال والواقع أو «التعارض المطلق» بين الشكل والمضمون هو الهدف الرئيس لقيام هيغل بنقْد «الشكلية الفارغة»، وهو الذي يقفُ وراء ملاحظاته المتعدِّدة حول فشل الأمر المطلق في أداء وظيفته المتمثّلة بتحديد الواجب. بتعتبيرٍ آخر، بالنسبة لهيغل، يأتي «فراغ» القانون الأخلاقي نتيجةً لموقعيته كقانونٍ للعقل عملي يقتضيه نموذج كانط المزدوج عن المثالية.

ما يبقى لنلاحظه هو أيُّ نوعٍ من الاختلاف التفسيري تُمثّله هذه الفرضية. استناداً إلى مناقشتنا السابقة، يُمكننا إعادة صياغة نقْد هيغل الأمر المطلق بالنحو التالي: من الخطأ أن نعتقد بانطباق العقل العملي على المضمون غير المفهومي، كما أنّه من الخطأ عدُّ قانونه الأسمى «صوريّاً» فحسب. قد نصل إلى تحليلٍ مفادُهُ إصرار هيغل على أنّ الأمر المطلق لا يُنظِّم أو يحكم أو يحدّ المضمون غير المحدَّد لدوافعنا ورغباتنا وسلوكياتنا. يفترضُ تطبيقُه مُسبقاً أنّه قد تمّ بطريقةٍ ما تحديدُ هذا المضمون مفهومياً أو بشكلٍ تام. أمّا القانون في حد ذاته، فإنّه ليس «صورياً» بالحصر، وليس صحيحاً على نحوٍ عام أو بالضرورة، بل يعتمدُ معناه وتطبيقه على افتراضاتٍ أساسية تعودُ إلى كانط وحده.

إذا نظرنا مجدَّداً إلى مناقشة هيغل المثال الذي يُورده كانط على الوديعة، ربّما يُمكننا أن نفهم بشكلٍ أفضل ما تُفضي إليه هذه الصورة العامة. ينبغي تذكُّر الأرضية الأساسية لهجومه، وهي كالتالي: بما أنّ الأمر المطلق هو صوري، فإنّه يكون فارغاً بالضرورة بسبب عدم قدرته على تحديد الواجب بطريقةٍ غير اعتباطية. إذا تمَّ تطبيقه، يُفترض مُسبقاً بالضرورة بعض المضمون (على هيئة الافتراضات الأساسية). في المثل الوارد عن الوديعة، أحد الافتراضات المسبقة هي ضرورة وجود عمليات الإيداع. فقط على ضوء هذا الافتراض المسبق ينتجُ التناقض من تعميم القاعدة لإنكار استلام الوديعة التي لا دليل عليها.

كما ذكرتُ في القسم الثاني، الرد المعتاد على هذا النقْد هو اتّهام هيغل بتشويه مفهوم كانط عن كيفية عمل اختبار التناقض. في مقالتها «صيغة كانط للقانون العام»، تحتجّ كريستين كُرسغارد على أنّ الاعتراض الهيغلي فاشل لأنّ كانط لا يدّعي فعلاً وجودَ تناقضٍ ذاتي في عدم وجود الودائع. ما يدّعيه كانط هو أنّ التناقض ينشأ من إرادة الفاعل، أي حينما يريد في نفس الوقت من القاعدة الخاصة به إنكارَ تسلمه الوديعة التي لا دليل عليها بالإضافة إلى تعميمها. حين قيامه بذلك، يقومُ على الفور بافتراض وجود منظومةٍ للإيداع ويريد بالفعل إقصاءها. ترى كرسغارد أنّ معنى هذا هو أنّ الأمر المطلق لا يختبرُ التناقض في وجود المؤسسات أو الممارسات أو انعدامها حين تُعمَّم، بل إذا كان وجودها أو عدمه لدى تعميمها يُناقض إرادةَ الفاعل. لهذا السبب، تُوصينا كرسغارد أن نعدّ اختبار الأمر المطلق يأمرنا بتفادي التناقض «العملي» (في مقابل «المنطقي»). تُشير كرسغارد إلى أنّه حين تفشلُ قاعدتي في هذا الاختبار، ما أُخالفه هو شروط الإرادة العقلانية.

حتى ولو اعترفنا بأنّ تفسير ما ينطوي عليه اختبار الأمر المطلق يصدقُ على نوايا كانط، لكنه لا يتناول الزخمَ الكامل لنقْد هيغل. في الواقع، منذ قراءتي نقْده وأنا أقوم بالإشارة إلى أنّ خطَّ الدفاع الذي تحثُّ عليه كرسغارد وغيرها لصالح كانط قد يُساعد القضية الهيغلية فعلاً. إذا كان القانون الأخلاقي يتطلّبُ الانسجامَ مع شروط الإرادة العقلانية، فنحنُ حتماً بحاجة إلى تفسيرٍ مُعيَّن لهذه الشروط. تعترفُ كرسغارد وغيرها أنّه من دون هذا التفسير، يكون الأمر المطلق مُعرَّضاً بالفعل لاتّهامه «بالشكلية الفارغة». كما تُعبِّر باربرا هِرمان: «من الواضح أنّه حينما أتساءل عن الشيء الذي تكون إرادة حصوله أمراً عقلانياً، فإنّ ذلك يشتمل على أكثر مما يظهر عبر الأفكار الصورية للتناغم وعدم التناقض. يحتوي مفهومُ العقلانية الكامن في ’الإرادة العقلانية‘ على المضمون، وهو ليس مضموناً معيارياً ولكنّه يحتوي على معنى معياري بشكلٍ واضح».

لعلّه باستطاعتنا رؤية مفاد النقد الهيغلي على النحو الأوضح هنا. حينما نتكفّل بتوضيح مفهوم الإرادة العقلانية الذي لا نستطيع من دونه فهم المعنى والتطبيق المناسبَيْن لاختبار الأمر المطلق، ينبغي ذكر المزيد من المباني الكانطية. على سبيل المثال، تحتجُّ كرسغارد أنّه ينبغي فهم رأي كانط بالفاعلية العملية على ضوء مفهومه للاستقلال أو كون الإرادة «علاقة سببيّة». تنصُّ كرسغارد أنّه حينما أرى أنني مستقلة فهذا يعني أنني أرى نفسي قادرةً على وضع الأهداف و»إطلاق سلسلةٍ سببيّة تؤدي إلى إنتاج» تلك الأهداف. على حدِّ تعبيرها، ما يُميِّز الإرادة عن التمنِّي أو الرغبة المحضة هي الحقيقة التي تُفيد أنّ «الإرادة هي اعتبار نفسك مصدر الهدف موضع النقاش، أي الفرد الذي سوف يحققه». على الرغم من أنّ كرسغارد لا تقومُ هنا بتفصيل فكرة كانط عن كون الإرادة علاقةً سببيّة، فإنّه من الواضح أننا لا يُمكننا فعل ذلك على نحوٍ مناسب من دون توجيه اهتمامنا إلى «نقد العقل المحض»، وعلى وجه الخصوص إلى الدعوى الواردة في قسم «التناقض الثالث» التي تُدافع عن التباين والتناغم الكامنَيْن في الأبعاد التجريبية والواضحة للنفس وهيئتيّ السببية المتناسبَتَيْن معها. كذلك، لا يُمكننا الاعتماد على الدعوى الواردة في هذا القسم من دون الرجوع إلى الفرضية التي يستندُ إليها دفاعها عن هيئةٍ واضحة للسببية وهي: قيام كانط بقصْر المعرفة البشرية على الظواهر. المقصد هنا هو أنّه من غير الممكن أن نفهم كيفية إشباع كانط شروطَ الفاعلية العملية من دون الاستناد إلى الافتراضات الأساسية لمثاليته المتسامية. الإقرارُ بهذا يعني الاعترافَ بتقدُّمنا كثيراً على التفسير المعتاد لما يعنيه اختبار انعدام التناقض في قاعدةٍ ما وفقاً لكانط. ولكن حين نصلُ إلى هذه المرحلة، نكون في موقعٍ يخوّلنا الدفاع بشكلٍ أكثر معقوليةً عن إصرار هيغل بأنّ تطبيقات كانط للأمر المطلق تفترضُ المضمون مُسبقاً بالضرورة.

مرةً أخرى، يسعى هيغل لإقناعنا بأنّ الأمر المطلق كما يستخدمه كانط ليس قانوناً عقلياً صورياً فحسب. سواءً أكان مُحقاً أم مُخطئاً، يبدو أنّ هيغل يفترضُ أنّ القانون الأخلاقي –الصوري وفقاً لتعريف كانط- هو غير مُخوَّل للاعتماد على الافتراضات الأساسية حول طبيعة الفاعلية والأهداف العقلانية، بل ينبغي أن يكون مُكتفياً ذاتياً في تحديده للواجب. قد يُوضِّح هذا قيامَه في مقالة «القانون الطبيعي» بوصْف الأمر المطلق كمجرَّد تطبيق قانون التناقض في الميدان العملي. إنّ حاجة كانط للاعتماد على الافتراضات الأساسية في تطبيقاته المختلفة للقانون يُمثّل بالنسبة لهيغل دليلاً على عدم إمكان الحفاظ على تمييزٍ دقيق بين الشكل والمضمون.

بالنسبة للمضمون، يهدفُ هيغل لكشْف القصور الكامن فيما قمتُ بالتعبير عنه إلى حد الآن بالتجريبية الكانطية. لدى تحديد الأدوات المناسبة للتقييم الأخلاقي، يرى الباحث المدافع عن كانط أنّ مُرشده هو مفهوم الحرية الإنسانية الذي يتمُّ الدفاع عنه في قسم «التناقض الثالث». يُخبرنا هذا القسم أنّ الذي يهمُّ من الناحية الأخلاقية ليس الأفعال أو السلوكيات التي تحكمها القوانين الطبيعية، بل قدرة الفاعل على إرادة القواعد أو تبنيِّها. كذلك في تقييمه القواعدَ، ينبغي للباحث المدافع عن كانط أن يُميِّز بين مصادر التحفيز التجريبية والواضحة. هذا التمييز (الذي تُصرِّح أيضاً الحجة الواردة في قسم «التناقض الثالث» بإمكانه) يُحدِّد مفهومَ الفاعلية المطلوبة لتقييم المكانة الأخلاقية لقاعدةٍ ما. يُخبرنا هيغل أنّه لا يوجد شيءٌ متناقض في حد ذاته في قاعدة إرادة انعدام وقوع السرقة أو الاحتيال. كما تعترفُ كرسغارد وغيرها، فإنّ لاأخلاقية السرقة أو الاحتيال وفق تحليل كانط تفترضُ مُسبقاً قبولَ مفهومٍ محدّد عن الفاعلية العملية وشروطها. بالنسبة لكانط، التصرُّف بما يُمليه الواجب يعني تعزيز الأهداف العقلانية. حينما نُعزِّز هذه الأهداف أو نريدها، تُحدِّدنا الدوافع غير التجريبية التي هي تعبيرٌ عن الحرية المستمدَّة من شخصيتنا الواضحة. وعليه، بالنسبة للباحث المدافع عن كانط، يعتمدُ تقييم المكانة الأخلاقية لأيِّ قاعدة على تبنِّي هيكليةٍ لتصنيف الدوافع، ولا تكون هذه الهيكلية مُمكنة إلا عبر المثالية الواردة في «نقد العقل المحض». هذه الهيكلية هي التي تُحدِّد ما يعتبر الباحث المدافع عن كانط أنّها معلومات التقييم الأخلاقي، وهي التي تُحدد طريقة معرفته (أو كما يُعبِّر هيغل، أسلوبه «لحدس» أو «إدراك «) النشاط والغايات الإنسانية.

VII

على الرغم من أنّ هذا البيان للنقْد الهيغلي للأمر المطلق يُوضِّح اتّصالَه بنقْده الأعم للمثالية الكانطية، لكنه قد يبدو أنّه يترك علم الأخلاق لدى كانط بحالةٍ سليمة تماماً. في إشارتي لكيفية قيام الافتراضات الأساسية حول الفاعلية بتحديد أسلوب الباحث المدافع عن كانط في فهم التحفيز البشري واختبار قاعدة للتناقض، لم أصرِّح بأيِّ شيءٍ يُمكن أن يعترض عليه المعلِّقون الذين أوردتُ أسمائهم للتو. كما قد رأينا، إنّهم يرون أنّ عدم قيام الأمر المطلق باختبار التناغم المنطقي بل التطابق مع شروط الفاعلية العملية هو دليلٌ على غنى المقاربة الكانطية وانعدام الفراغ فيها.

ولكن مُجدَّداً نقول إنّ هذا لا يُصيب الهدف الحقيقي لنقْد هيغل. لقد ناقشتُ أنّ ما يتمُّ تحدِّيه هو مفهوم كانط العقل المحض واستقلال الفاعل في تشريع قوانينه، بالإضافة إلى ما يراه هيغل أنّه يُمثّل تجريبية كانط فيما يتعلّق بالمضمون. في المثالية السليمة المتناغمة مع نظرة قسم الاستنتاج المتسامي، من الخطأ أن نظنّ أنّ التحديدات البديهية للذاتية هي مُبرَزة في مضمون غريب أو مُقدَّم بشكلٍ مُستقل. لدى تقييم القيمة الأخلاقية لقاعدةٍ ما، لا يُمكن إلا لمفهومٍ مُحدَّد حول طبيعة الغايات الإنسانية وأصولها أن يُرشد الباحث المدافع عن الكانطية. سوف يقولُ هيغل بأنّه عبر هذه الطريقة يكونُ المضمون تحديداً للشكل.

من ناحيةٍ أخرى، لا يمتلكُ الشكل مرتبةَ العموم والضرورة التي يمنحها إيّاها كانط. بما أنّ تطبيقنا للأمر المطلق يعتمدُ على الافتراضات الأساسية الكانطية المتعلّقة بالفاعلية، تماماً كفهمنا مضمون الرغبة والنية الإنسانية، فإنّ صلاحية القانون الأخلاقي الأسمى تعتمدُ على تلك الافتراضات وفقاً لهيغل. لهذا السبب، يُخبرنا هيغل في مقالة «القانون الطبيعي» أنّ قوانين الباحث الصوري -بما لا يقلُّ عن تلك المنتسبة إلى الباحث التجريبي- هي صحيحة على نحو الاحتمال فقط ولا تُنتج أكثر من «هويّاتٍ نسبيّة».

لا تهدفُ هذه الدعاوى لاتّهام كانط الذي يرى هيغل أنّه قد فشل في تثمين الطابع المشروط لقوانينه العقلية التركيبية البديهية. يُريد هيغل أيضاً أن يُوجِّهنا لتبنِّي شكلٍ جديدٍ من المثالية يستغني عن الافتراض الذي يُفيد إمكان رسم خطٍ واضحٍ بين الشكل والمضمون أو يتخلّى عن الادِّعاء بإمكان التعبير عن الإسهامات الصورية للعقل بطريقةٍ نظرية حيادية. يبدو بالنسبة لي أنّ المسألة المستعصية المتبقية هي إذا كان الاعتماد على الافتراضات الأساسية – بالطريقة التي يرى هيغل أن كانط يتّبعها-  تجعل صوريّة قوانين العقل المحض التابعة لكانط باديةَ المساوئ كما يظن هيغل. تتعلّقُ المسألة بالمعنى الدقيق لإصرار كانط بأنّ القوانين التركيبية البديهية تمتلكُ مرتبة العموم والضرورة. . كان هدفي الإشارة إلى صلة القضية بأيِ تقييمٍ مُناسب لنقْد هيغل الأمر المطلق.

____________________________________

*عن مجلة الاستغراب-العدد التاسع- السنة الثالثة- 1439هـ- خريف 2017.

[1]*ـ أستاذة أميركية في الفلسفة. نالت الدكتوراه من جامعة شيكاغو في العام 1985 ودرّست في جامعتيّ هارفارد وبنسلفانيا (الولايات المتحدة)، جامعة بون (ألمانيا)، وجامعتيّ بٍرن ولوزرن (سويسرا). يدور مجال بحثها الرئيس حول فلسفتيّ كانط وهيغل النظريتين والعمليتين.

ـ العنوان الأصلي للمقال: Hegel’s Critique of Kant’s Empiricism and the Categorical Imperative

ـ  المصدر: Zeitschrift für philosophische Forschung, Bd. 50, H. 4 (Oct. – Dec., 1996), pp. 563- 584

ـ ترجمة: هـ. ن.

ـ مراجعة: إبراهيم الموسوي.

–  Categorical Imperative الأمر المطلق: هو المفهوم الرئيس في فلسفة كانط الأخلاقية، ويُشير إلى «المبدأ الأخلاقي الأسمى» الذي تُستمدُّ منه كل الواجبات الأخلاقية. المبدأ الأخلاقي الأساسي هو الأمر لأنّه يفرضُ مساراتٍ سلوكية محدَّدة، وهو مُطلق لأنّه يأمرُ من دون قيود وبشكلٍ مستقل عن غايات الفاعل الأخلاقي ورغباته. يقومُ كانط بصياغة الأمر المطلق بعدة أساليب، ولكن استناداً إلى الصيغة المشهورة «للقانون العام» ينبغي أن تقوم أنتَ بوصفك فرداً «بالتصرف وفقاً لتلك القاعدة التي يُمكنك في الوقت ذاته أن تجعلها قانوناً عاما». بما أنّ القواعد هي تقريباً مبادئ للعمل، فإنّ الأمر المطلق يفرضُ على الفرد أن يتصرف فقط وفقاً لمبادئ عامة  يُمكن لكلّ العقلاء تبنِّيها.

[2]– Background Assumptions

 

[3]– نظرياً، الحدس على نوعين: إمّا أنّه حدس حسّاس

Sensible Intuition

أو حدس فكري

Intellectual Intuition

من وجهة نظر كانط، الحدس البشري لا يكون إلا من النوع الأول.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى