الدراسات والبحوث

تأويل ابن عربي لسورة “الشورى” حول مودَّة آل بيت النبوَّة

تأويل ابن عربي لسورة “الشورى”

حول مودَّة آل بيت النبوَّة

 

 

تعرض الشيخ الأكبر محي الدين بن عربي  لتأويل الآية الكريمة الخاصّة بمودّة آل بيت النبوّة الكرام ، وذهب إلى أنّ الاستثناء الوارد في قوله تعالى على لسان نبيّه الأكرم:  قُلْ لا أسألُكم عليه أجرًا إلّا المودّة في القربى وَمَن يقترفْ حَسَنَةً نَزِدْ له فيها حُسنًا إنَّ اللهَ غَفورٌ شَكورٌ “ (الشورى : 23)  هو استثناء منقطع . و”في القربى” متعلّق بمقدّر أي : المودّة الكائنة في القربى .ومعناه : نفي الأجر أصلًا لأنّ ثمرة مودّة أهل قرابته عائدة إليهم لكونها سبب نجاتهم ؛ إذ المودّة تقتضي المناسبة الروحانيّة المستلزمة لاجتماعهم في الحشر ، كما قال عليه الصلاة والسلام “المرءُ يُحشَرُ مع مَن أحبَّ” فلا تصلح أن تكون أجرًا له ؛ ولا يُمكن مَن تكدّرت روحه وبَعُدَت عنهم مرتبته ، محبّتهم بالحقيقة ، ولا يُمكن مَن تنوّرت روحه وعرف الله وأحبّه من أهل التوحيد ألّا يُحبَّهم لكونهم أهل بيت النبوّة ومعادن الولاية والفتوّة، محبوبين في العناية الأولى ، مربوبين للمحلّ الأعلى ؛ فلا يُحبّهم إلّا مَن يُحبّ اللهَ ورسولَهُ ، ويُحبّه اللهُ ورسولُهُ . ولو لم يكونوا محبوبين من الله في البداية لما أحبّهم رسول الله ؛ إذ محبّته عين محبّته تعالى في صورة التفصيل بعد كونه في عين الجمع ؛ وهم الأربعة المذكورون في الحديث الآتي بعد ؛ ألا ترى أنّ له أولادًا آخرين وذوي قرابات في مراتبهم كثيرين لم يذكرهم ولم يُحرّض الأمّة على محبّتهم تحريضَهم على محبّة هؤلاء وخصّ هؤلاء بالذكر .

رُوِيَ أنّه لمّا نزلت قيل : يا رسول الله ! مَن قرابتُك هؤلاء الذين وجبت علينا مودّتهم ؟ قال :”عليّ وفاطمة والحسن والحسين وأبناؤهما” . ثمّ لمّا كانت القرابة تقتضي المناسبة المزاجيّة للجنسيّة الروحانيّة، كان أولادهم السالكون لسبيلهم ، التابعون لهديهم ، في حكمهم ؛ ولهذا حرّض على الإحسان إليهم ومحبّتهم مطلقًا ، ونهى عن ظلمهم وإيذائهم ، ووعد على الأول ، ونهى عن الثاني . قال النبي صلّى الله عليه وسلّم : “حُرِّمَت الجنّة على مَن ظلم أهل بيتي وآذاني في عترتي ، ومَن اصطنع صنيعة إلى أحد من ولد عبد المطّلب ولم يُجازه عليها فأنا أجازيه عليها غدًا إذا لقيني يوم القيامة” . وقال عليه السلام : “مَن مات على حبّ آل محمد مات مغفورًا له ، ألا ومَن مات على حبّ آل محمد مات تائبًا ، ألا ومَن مات على حبّ آل محمد مات مؤمنًا ، ألا ومَن مات على حبّ آل محمد مات شهيدًا مُستكمل الإيمان ، ألا ومَن مات على حبّ آل محمد  بشّره ملَك الموت بالجنّة ثمّ منكر ونكير ، ألا ومَن مات على حبّ آل محمد يُزفّ إلى الجنّة كما تُزفّ العروس إلى بيت زوجها ، ألا ومَن مات على حبّ آل محمد فُتِحَ له في قبره بابان إلى الجنّة ، ألا ومَن مات على حبّ آل محمد جعل الله قبره مزار ملائكة الرحمة ، ألا ومَن مات على حبّ آل محمد مات على السنّة والجماعة ، ألا ومَن مات على بغض آل محمد جاء يوم القيامة مكتوبًا بين عينيه : آيس من رحمة الله ، ألا ومَن مات على بغض آل محمد مات كافرًا ، ألا ومَن مات على بغض آل محمد لم يشمّ رائحة الجنّة” .

“وَمَن يقترفْ حَسَنَةً ” بمحبّة آل الرسول “نَزِدْ له فيها حُسنًا” بمتابعته لهم في طريقتهم ؛ لأنّ تلك المحبّة لا تكون إلّا لصفاء الاستعداد ونقاء الفطرة ؛ وذلك يوجب التوفيق لحسن المتابعة ، وقبول الهداية إلى مقام المشاهدة ؛ فيصير صاحبها من أهل الولاية ويُحشر معهم في القيامة “إنَّ اللهَ غفورٌ” بتنويره ظلمة صفات مَن أحبّ أهله “شَكورٌ” لسعي مَن ناسبهم فيحبّهم بتضعيف جزاء حسناته وإفاضة كمالاته بتجلّيات صفاته ليوافقهم .

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى