الدراسات والبحوث

حين يستدير الأمل

حين يستدير الأمل

متى توقّفنا عن القول: «آمل أن يكون المستقبل أفضل»، وبدأنا نقول: «ليت الماضي يعود»؟

جمال جعفر
باحث في الفكر الفلسفي و الدراسات الحضارية

كنت أقرأ التعليقات تحت صورٍ قديمة التُقطت خلال مأدبة غداء في الناقورة عام 2017، قبيل بدء عامٍ جامعي جديد. كان الجالسون حول المائدة أساتذة من الفرع الخامس في كلية الآداب. ازدحمت الأطباق على الطاولة، واجتمع الزملاء لالتقاط الصور، وكان البحر الأبيض المتوسط قريبًا. لم يكن في الصور ما يوحي بأنها ستصبح يومًا جزءًا من التاريخ.

لكن ما استوقفني لم يكن الصور، بل لغة التعليقات تحتها.

كتب أحدهم: رزق الله على تلك الأيام. واستعاد آخر كيف كانوا يقرّرون الذهاب في نزهة من دون كثير تفكير. وتمنّت أخرى لو تستطيع أن تتنفّس هواء الناقورة من جديد، وأن تملأ عينيها بزرقة بحرها.

لم يكن أحد يطرح سؤالًا فلسفيًا. كانوا يستعيدون الذكريات.

ومع ذلك، وجدتني أتأمل اتجاه أمنياتهم.

لماذا لم يقل أحد: ليت السنوات المقبلة تكون أجمل؟

لماذا بدت السعادة وكأنها تقع خلفهم؟

كان في الصور نفسها شيء من المفارقة لم أنتبه إليه أول الأمر: فقد التُقطت قبيل بدء عام جامعي جديد، وكان كل من حول تلك المائدة يقف، بالمعنى الحرفي تقريبًا، أمام بداية أخرى.

وبعد تسع سنوات، أصبحت اللغة المكتوبة تحت تلك الصور تنظر في الاتجاه المعاكس.

متى استدار الأمل؟

الأمل، في طبيعته، يتجه إلى الأمام. نعلّم أبناءنا لأننا نفترض أن ثمة عالمًا قادمًا سيكون لتعليمهم فيه معنى. ندّخر المال لأننا نتصور حاجة مستقبلية. ندخل في علاقات، ونبني البيوت، ونزرع الأشجار، وننجز الأبحاث، ونضع الخطط. لا يضمن أيّ من هذه الأفعال مستقبلًا، لكن كل واحد منها يضع شيئًا في عهدته.

ولعل هذه إحدى الطرق الممكنة لفهم الأمل: أن نستثمر جزءًا من حاضرنا في مستقبل غير مضمون.

لم يكن المستقبل يومًا جديرًا بالثقة تمامًا؛ فهو لم يحدث بعد. ومع ذلك، اعتاد البشر أن يمنحوه قدرًا من الائتمان.

لكن الأزمات المتكررة تستنزف هذا الائتمان.

وقد أعطى لبنان أبناءه أسبابًا كثيرة لتعلّم هذا الدرس: الحرب، والشلل السياسي، والانهيار الاقتصادي، وتدهور المؤسسات، والهجرة، والحيوات التي انقطعت مساراتها. قد يستطيع الإنسان النجاة من كل أزمة على حدة، لكن ما يصعب رؤيته هو ما تفعله النجاة المتكررة بعلاقتنا بالزمن.

بعد ما يكفي من الانقطاعات، قد يستمر الناس في التخطيط، لكنهم يقلّصون بصمت المسافة التي تفصلهم عن خططهم:

الشهر المقبل أكثر أمانًا من السنة المقبلة،

والغد أكثر أمانًا من الشهر المقبل،

واليوم أكثر أمانًا من الغد،

أما الأمس فهو الأكثر أمانًا من الجميع.

فللأمس ميزة استثنائية واحدة على المستقبل: لقد حدث بالفعل.

الصديق الذي التقاك في المقهى لا يمكنه ألّا يأتي. والبحر لا يستطيع أن يختفي قبل أن تصل إليه. وما حدث بعد ذلك لا يستطيع العودة إلى الوراء ليمحو الزرقة التي رأيتها في ذلك اليوم. وحتى أولئك الذين رحلوا لاحقًا، أو تغيّروا، أو مرضوا، أو ماتوا، ما زالوا حاضرين داخل الساعة التي تحتفظ بها الذاكرة.

الماضي مغلق؛ المستقبل مفتوح.

والانفتاح يحتاج إلى ثقة.

هذا لا يعني أن عام 2017 كان فردوسًا. كانت للناس همومهم آنذاك أيضًا: المال، والسياسة، والأسرة، والصحة، والعمل. وكانوا يتذمّرون من البلد، وربما فعلوا ذلك وهم يجلسون في المقاهي نفسها التي يستعيدونها اليوم بحنين.

غير أن الذاكرة لا تحتفظ بالفترة كما عشناها.

إنها تحرّرها.

يتلاشى القلق الذي أحاط بظهيرة ما، وتبقى الظهيرة. تخفت المشادة التي سبقت التقاط الصورة، وتبقى الصورة. تختفي الفاتورة غير المدفوعة، ويبقى المقهى.

وهذا أحد أسباب قوة الحنين. فالحاضر يصل إلينا بلا تحرير، أما الأمس فقد خضع للمراجعة منذ زمن.

لكن ذلك وحده لا يفسّر العبارة التي بقيت عالقة في ذهني:

كنّا نقرّر الذهاب في نزهة من دون أن نفكّر.

يكاد لا يكون في هذه الجملة شيء.

وربما كان فيها كل شيء.

فالقرار العفوي بالذهاب في نزهة يحتاج إلى بنية كاملة غير مرئية: أن يكون الطريق سالكًا، وأن تكون قادرًا على تحمّل كلفة الرحلة، وأن يبقى أصدقاؤك قريبين منك، وألّا يكون ثمة ما هو أكبر من النزهة نفسها ينبغي حسابه قبل أن تغادر.

العفوية واحدة من الكماليات غير المرئية التي يمنحها الاستقرار.

ونحن لا ننتبه عادةً إلى الاستقرار إلا بعد أن نفقده، لأن أعظم إنجازاته هو، على وجه الدقة، أنه يتيح لنا ألّا نفكر فيه.

لذلك، قد لا تكون المرأة التي تتذكر تلك النزهة مشتاقة إلى عام 2017 أصلًا، بل إلى زمن كان يمكن فيه للقرار العادي أن يظل قرارًا عاديًا.

وليس هذا بالضرورة حنينًا سياسيًا؛ أي رغبة في عودة ترتيب قديم للسلطة. فالحنين الكامن في تلك التعليقات كان أكثر حميمية: أن تعود الظروف التي تسمح لظهيرة عادية بأن تظل عادية. الأول يطلب من التاريخ أن يعكس مساره؛ أما الثاني فيطلب من الإمكان أن ينفتح من جديد.

وهذا فارق مهم.

حين يقول الناس: ليت تلك الأيام تعود، فهم نادرًا ما يريدون استعادة كل تفاصيل تلك المرحلة. إنهم يريدون ظروفًا بعينها كانت كامنة فيها: القرب، والأمان، والصداقة، والعمل، والقدرة على التوقّع، والشباب، وربما مجرد الشعور بأن الحياة كانت تتجه إلى مكان ما.

وأحيانًا يكون ما نسميه حنينًا إلى زمن سابق حزنًا على ذات سابقة.

نحن نريد الشخص الذي كنّاه حين كنا نعيش هناك:

الوجه قبل أن يعرف أشياء بعينها؛

الجسد قبل أن يتعب؛

الأسرة قبل أن يظهر فيها كرسي فارغ؛

والخطط قبل أن يدخل التاريخ إليها.

لهذا تستطيع الصور القديمة أن تؤلمنا بطريقة لا تستطيعها الذاكرة وحدها: الصورة دليل.

ها هم هناك.

كانوا معًا فعلًا.

كان ذلك المقهى موجودًا.

وكان البحر فعلًا بتلك الزرقة.

لكن الصور تحفظ شيئًا آخر يصعب رؤيته.

كل إنسان في صورة قديمة ينظر إلى مستقبل نعرفه نحن، فيما ننظر إليه من الوراء. هم لا يعرفون من سيرحل، ولا أيّ الصداقات ستذوب في المسافة، ولا ما سيحدث للعملة، أو الجامعة، أو البلد.

ما زالوا يمتلكون شيئًا فقده الناظر إلى الصورة إلى الأبد:

الجهل بما سيأتي.

ولعل هذا بعض ما نحسدهم عليه حين ننظر إلى الوراء. ليس الشباب وحده، ولا السعادة وحدها؛ بل نحسد النسخة القديمة من أنفسنا، تلك التي لم يكن المستقبل قد جمع بعد أدلته ضد نفسه.

هنا يصبح الحنين أكثر من مجرد شعور فردي.

يمكن للمجتمع أن يخسر أشياء كثيرة قابلة للعدّ: الوظائف، والقدرة الشرائية، والمؤسسات، والسكان. لكن ثمة خسائر لا تملك الإحصاءات وسيلة كافية لقياسها.

كيف نقيس تقلّص أفق التوقّع؟

كيف نقيس الفرق بين طالب يسأل: ماذا سأفعل بعد التخرّج؟ وطالب يسأل: إلى أين سأذهب بعد التخرّج؟

كيف نقيس آباءً يعلّمون أبناءهم، جزئيًا، لكي يصبح التعليم وسيلتهم إلى الرحيل؟

أو أسرةً تُرفق بكل خطة جدية خطةً ثانية غير منطوقة: إذا ساءت الأمور أكثر؟

لا يثبت شيء من هذا أن مجتمعًا قد تخلّى عن مستقبله. فالناس يستمرون في البناء، والزواج، والدراسة، وتربية الأطفال، والوقوع في الحب حتى في أشد الظروف قسوة.

البشر عصيّون على اليأس على نحو مدهش.

وهذا العصيان نادرًا ما يكون سذاجة. فكثيرًا ما يكون أكثر الناس وضوحًا في رؤيتهم هم الذين يتصرفون كما لو أن المستقبل ما زال يستحق صوتًا لم يستعدّ بعد حقه فيه؛ لا لأنهم يثقون به، بل لأن الانسحاب الكامل منه سيكون، في ذاته، نوعًا آخر من الهزيمة.

وهذا التحفّظ ضروري.

فالأمل لا يختفي ببساطة حين تتدهور الظروف. قد يتغيّر حجمه، وقد يصبح فرديًا بعد أن كان جماعيًا، وقد يبقى في هيئة عناد، وقد يهاجر مع الإنسان الذي لم يعد قادرًا على تخيّل تحقيقه في وطنه.

وأحيانًا يستدير.

وهذا هو شكل الأمل الذي سمعته تحت تلك التعليقات:

ليت تلك الأيام تعود.

لا تزال الجملة تحمل رغبة. ولا تزال تتخيّل حالًا أفضل من الحاضر. وهي، بهذا المعنى، لم تستسلم تمامًا.

لكنها باتت تبحث في الذاكرة عمّا كانت تبحث عنه يومًا في الإمكان.

ليس ثمة خطأ في أن نتذكر. قد يكون الحنين فعل امتنان. فأن نقول كانت تلك أيامًا جميلة يعني أن نعترف بأن الحياة منحتنا شيئًا يستحق أن نفتقده.

يبدأ الخطر حين تحلّ محلها، بهدوء، جملة أخرى:

كانت تلك آخر الأيام الجميلة.

عندئذ لا تعود الذاكرة تحفظ الماضي فحسب.

إنها تحتلّ المستقبل.

لا يستطيع أي حاضر أن ينافس ماضيًا جرى تحريره بإنصاف. فالحاضر مضطر إلى الوصول إلينا ومعه إزعاجاته، وخلافاته، وخيباته كاملة. أما الذاكرة فقد أمضت سنوات في حذفها.

لذلك، لا يمكن أن تكون المهمة هي هزيمة الحنين.

ولا ينبغي أن نقول لمن عاش خسارة حقيقية ببساطة: انظر إلى الأمام. فقد يكون هذا النوع من التفاؤل طريقة أخرى لرفض فهم ما دُمّر.

المستقبل القابل للتصديق يجب أن يفسح مكانًا للحزن.

يجب أن يقول: نعم، رحل أناس؛ نعم، تغيّرت أماكن؛ نعم، هناك أشياء لن تعود.

فالمستقبل لا يصبح جديرًا بالتصديق عبر التظاهر بإمكان استعادة الماضي، بل حين يصبح في وسعنا، مرة أخرى، أن نأتمنه على شيء جديد.

وربما يبدأ ذلك بشيء أصغر بكثير من خطط الإنقاذ الوطنية والوعود السياسية.

ربما يلتقي الأصدقاء يومًا ما قرب البحر من جديد. لن يكونوا في العمر نفسه. وستغيب بعض الوجوه التي ظهرت في الصور القديمة. وربما يحمل المقهى اسمًا آخر. وسيحمل البلد ندوبًا لا تستطيع أي صورة أن تمحوها.

سينظر أحدهم إلى الآخرين ويقول:

ما رأيكم أن نذهب في نزهة؟

ولن يضطر أحد إلى إجراء حسابات كثيرة قبل أن يجيب.

ربما يكفي ذلك.

ليس عودة عام 2017.

بل شيء أصعب.

مستقبل لا نعود فيه مضطرين إلى أن نترك للماضي مهمة أن يأمل بالنيابة عنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى