
الدراسات والبحوث
سوسيولجيا التصوُّف
سوسيولجيا التصوُّف
مبتدأ التشكُّل وسيرورة التمثٌّل في العالم الإسلامي
________________________________________________
كنزة القاسمي
أستاذة علم الاجتماع والأنثروبولوجيا
جامعة ابن زهر /أكادير- المغرب
________________________________________________
الملخَّص:
التصوُّف في كلِّ الديانات، هو أحد أشكال التديُّن التي تتباين طقوسها وأفكارها ومواقفها الأيديولوجيَّة من مجتمع إلى آخر، ومن ديانة إلى أخرى، وكذا من محدِّدات فترة سياسيَّة إلى أخرى.
ومن مراقبتنا لمساره في المجتمعات العربيَّة والإسلاميَّة، من ظاهرة الزهد التعبُّديِّ البسيط، إلى ظاهرة التصوُّف الفلسفيِّ الوجوديِّ، ثم التصوُّف الطرقيِّ الذي يحتلُّ مكانة هامَّة على المستويين السياسيِّ والأيديولوجيِّ … نلاحظ تباينًا في المفاهيم والمواقف والتمثَّلات والأدوار …
الكلمات المفتاحيَّة:
الزهد- التصوُّف- الطرقيَّة- المجتمعات الإسلاميَّة- التديُّن.
التقديم :
عرف التصوُّف مسارات عديدة في العالم الإسلاميِّ، كما عرف مجموعة من الطقوس والأفكار والممارسات، التي تباينت من محطة سوسيوتاريخيَّة إلى أخرى. فقد بدأ على شكل زهد وتعبُّد بسيط في عهد الخلافة الراشدة، لينتهي به الوضع في عصر المثاقفة وبعد الفتوحات واحتضان الدولة الإسلاميَّة لمختلف الثقافات والأجناس، إلى تصوُّف وجوديٍّ محمَّل بمفاهيم ودلالات ذات بعد ثوريٍّ حينًا، وانعزاليٍّ حينًا آخر. وبعد تصديره إلى دول مجاورة انتقل من تصوُّف فلسفيٍّ ثوريٍّ إلى تصوُّف طُرُقيّ.
1- التصوُّف في المجتمعات المسلمة، من البدايات التعبُّدية إلى المفاهيم وجوديَّة:
كانت البدايات الأولى للتصوُّف، كأحد أشكال التديُّن، عبارة عن “زهد” مرتبط بالعقيدة الدينيَّة في ظلِّ إسلام يتأسَّس على الشعائر والعبادات، ولا علاقة له بالتفلسُف المتعدِّد المرجعيَّات للحضارات المجاورة.
وقد اتَّخذ الزهد منحى سلوكيًّا يرتكز على المغالاة في التقشُّف والصوم والصلاة، لكنَّه بعد مقتل الخليفة عثمان بن عفان، واندلاع الاقتتال الدمويِّ بين المسلمين، لأسباب سياسيَّة لا تخلو من مصالح قبليَّة، انتقل إلى مرحلة تبنّي الموقف من الصراع السياسيِّ عبر معارضة هذا الاقتتال، وعدم الانخراط فيه، والحياد عنه، فكانت النتيجة عزلة اجتماعيَّة وسياسيَّة مع الإبقاء على الممارسة التعبُّدية السالف ذكرها.
بعد انتهاء عهد الخلافة الراشدة، وترسيم الانتقال إلى الدولة الأمويَّة التي واصلت توسيع المجال الحضاريِّ والثقافيِّ والجغرافيِّ، الذي اتَّسم بالمثاقفة عبر ضمِّ شعوب الحضارات المجاورة إلى رقعة الحضارة الإسلاميَّة، لوحظ نوع من الاستبداد السياسيِّ والاقصاء الإثنيِّ كتوجُّه مركزيٍّ للفئة الحاكمة.
ضمن هاته المحطَّة، انتقل الزهد كتديُّن تعبُّديٍّ محايد في مرحلة أولى، ومعارض عبر العزلة السياسية في مرحلة ثانية، إلى الانخراط الواضح في المعارضة السياسيَّة للعنصريَّة الإثنيَّة، وتراكم الثروات لفئة تشكِّل الأقليَّة، مقابل تفقير الأغلبيَّة، وضمنها النخبة المثقَّفة. فكانت هذه النقلة من المسمَّى “زهدًا” إلى المسمى “تصوُّفًا” ، ظاهرة تدينيَّة في العالم الإسلامي رافقت التحوُّلات الجذريَّة على المستوى السياسيِّ والاجتماعيِّ والثقافيِّ، شملت احتضان الأمبراطورية الإسلاميَّة لتعدُّدٍ ثقافيٍّ وإثنيٍّ، وسيادة شروط اجتماعيَّة وسياسيَّة مستجدة رافقها غليان فكريٌّ يستمدُّ مرجعيَّاته من الثقافات المستدمَجة عبر الفتوحات الإسلاميَّة ودخول إثنيَّات متنوِّعة . وتدريجًا، بدأت تظهر ملامح “التصوُّف” كظاهرة تديُّنيَّة تكتسي أبعادًا ترتبط بالمعارضة الفلسفيَّة للمقدَّسات الرسميَّة من فهم للعقيدة إلى الممارسة السياسيَّة السائدة. بل أصبح مواقف أيديولوجيَّة و فلسفيَّة تنزاح عن تلك المقدَّسات لتعارضها وتتبنى البديل منها.
وقد رسم التصوُّف في تحوُّله هذا مسارين:
– المسار الأول: مرتبط بإعادة تأويل القرآن الكريم لأجل تقديم أفهام جديدة تتماشى مع مرجعيَّاتهم الفكريَّة.
– المسار الثاني: مساوق للأول، وهو التعبير عبر الرفض والمعارضة لواقع اللَّاعدالة الاجتماعيَّة والاستبداد السياسيِّ، متَّخذًا أشكالًا متباينة من التعبير، ولكن لم يغب الوعي الفلسفيُّ ذو الأصول الأجنبيَّة، والذي تمرَّد على الوعي الرسميِّ، ليبدع سبلًا جديدة للانعتاق.
مع نهاية القرن الثاني الهجري، واستمرار امتداد الأمبراطوريَّة الإسلامية، اكتسب التصوُّف، كأحد أشكال التديُّن المرتبط بالعقيدة الإسلاميَّة، ثلاثة أبعاد إضافيَّة:
– البعد الأول: تمثَّل في العمل للقضاء على العصبيَّة القبليَّة المترسِّخة في الدولة الإسلاميَّة، منذ عهد الأمويين، تجاه عامَّة المواطنين اللذين كانوا آنذاك يسمّون بـ “الرَّعيَّة” في مقابل مفهوم “الرَّاعي” الذي هو الحاكم، أو الفئة الحاكمة.
– البعد الثاني: تبنَّى العمل على تجاوز الطابع الثيوقراطيِّ للدولة الحاكمة، حيث اعتبر الخليفة ممثِّلًا لله على الأرض.
– البعد الثالث: ارتبط بترسيخ تأثير مرجعيَّات الإثنيَّات ذات الأصول الأجنبيَّة، والتي تمَّ احتضانها بالدولة الإسلاميَّة عبر الفتوحات.
من هنا، يتبيَّن أنَّ التصوُّف كأحد أشكال التديُّن المرتبط بالحضارة الإسلاميَّة في أحد محطَّاتها، قد ربط العقيدة بالموقف الأيديولوجيِّ المعارض سياسيًّا وممارسة، والمؤسِّس لمواقف فكريَّة تنظيريَّة عبر التأويلات المستجدَّة المعارضة، أو عبر ما كانت تنتجه الشطحات الصوفيَّة من أفكار وتعابير غريبة عن المعتاد في الحضارة العربيَّة الإسلاميَّة.
2- التصوُّف الثوريّ:
إذا كان المواطن مهمَّشًا مظلومًا في المنظومة الرسميَّة السائدة، فإنَّ التوجُّه لدى المتصوِّف ذي الأصول الأجنبيَّة آنذاك، قد عمل على إعادة الاعتبار لذلك الإنسان عبر مجموعة من الآليَّات، منها خلق تعاليه على الذات المحسوسة ليجعله يرتقي عبر مفاهيم مثل “الفناء في الله”، و”الحلول”، و”وحدة الوجود”، ويتمُّ ذلك عبر روحانيَّات تسبقها تنقية الروح والذات من الشوائب المرتبطة بالمسمَّى ذنوبًا سياسيَّة واجتماعيَّة.
في هذا السياق، حاول أبو يزيد البسطاميُّ، أحد المتصوِّفة المعروفين من القرن الثالث الهجريِّ، الوصول إلى “الاتحاد” عبر مفهوم “الفناء”، حتى أنَّه في أحد شطحاته الصوفيَّة، سُمع وهو يردِّد:
“سبحاني ما أعظم شأني” ، إلى غيرها من العبارات الغريبة عن الثقافة الإسلاميَّة آنذاك.
لقد رفض المتصوِّف واقعه الاجتماعيَّ والسياسيَّ، فتمرَّد عليه، ولكنه لم يستطع أن يغيِّر منه عمليًّا، فأنتج فكرًا يضادُّه مفاهيميًّا، بل خلق عبره عوالم متعالية على الواقع وعلى الأفهام البسيطة السائدة، وهو ما جعل البعض يعتبرها “ثورة عدميَّة” لا ترقى إلى إحداث تغيير حقيقيٍّ على أرض الواقع.
فمحاولة الهروب من الواقع جعله يخضع ذاته لتمارين التنقية لكي يحسَّ بإمكانيَّة تحقيق تجارب “الاتحاد والحلول”، حيث يفقد الوعي أحيانًا، ويعيش تجارب روحانيَّة فريدة من نوعها، هي تجارب وجوديَّة لا يفهمها إلَّا من يعيشها…فأنتج عبر هاته التجارب ومن خلالها تصوُّرات ومفاهيم اعتُبرت شطحات صوفيَّة حينًا وتفلسُفًا حينًا آخر، كما اعتبرت تديُّنًا خاصًّا بفئة المتصوِّفة
في ذلك العصر…
وإذا كان مفهوم “الفناء في الله” هو معتقد أبي يزيد البسطاميِّ الذي عكس موقفه من أحداث عصره، فإنَّ مفهوم “وحدة الوجود” هو معتقد حسين بن منصور الحلَّاج (244-309 هجريَّة) ، وعبره نشر معتقده في كون الله هو الحقيقة الوحيدة في الكون، وهي المتجلِّية عبر مجموعة من الوقائع، ومقولته المشهورة: “أنا الحق” تعكس معتقده السالف ذكره.
كما تبنى الحلَّاج مفهوم “الحب الإلهيِّ” كمعتقد انتهى به إلى مفهوم آخر هو “الفناء في الله”، ثمَّ “وحدة الوجود”، ثمَّ “وحدة الديانات”، فها هو يقول:
• أنا من أهوى ومن أهوى أنا
• نحن روحان حللنا بدنا
• فإذا أبصرتني أبصرته
• و إذا أبصرته أبصرتنا
كما نجده يقول:
والله ما طلعت نفسٌ ولا غربت إلَّا وحبكَ مقرونٌ بأنفاسي
ولا خلوتُ إلى قوم أحدّثهم إلَّا وأنتَ حديثي بين جلَّاسي
ولا ذكرتُك محزونًا ولا فرحًا إلَّا وأنتَ بقلبي بين وسواسي
ولا هممتُ بشرب الماء من عطشٍ إلَّا رأيت خيالًا منكَ في كاسي
وعليه، يمكننا اعتبار أنَّه خلال فترة المثاقفة والغليان الفكريِّ الحرِّ، و بعد توسُّع الأمبراطوريَّة الإسلاميَّة واحتضانها لإثنيَّات ومرجعيَّات فلسفيَّة عديدة ومتنوِّعة، فقد انخرط التصوُّف كأحد أشكال التديُّن بالحضارة الإسلاميَّة، وأبدع مفاهيم ومعتقدات، شكَّلت عودة التديُّن إلى العالم الداخليِّ للإنسان، أثناء تجربة روحانيَّة فريدة من نوعها، تُعاش ولا تُحكى تفاصيلها الدقيقة، فهي تجربة روحانيَّة تبدأ مساراتها عبر تنقية الروح والبدن من شوائب الخطايا التي يمكن أن تمسَّ بالآخر، كيفما كان، وتبدأ عمليَّة التنقية للروح عبر الخلوة و التأمُّل والتعبُّد والتفكُّر والابتعاد عن الإساءة أو المشاركة فيها، لتصل إلى الإحساس بالنقاء والارتقاء الروحانيِّ الذي يؤدّي إلى إبداع مفاهيم ومعتقدات روحانيَّة، علاقتها بالواقع المحسوس والفرد من عامَّة الناس، تتلخَّص في رفض الواقع المعيش، حيث تسود اللَّاعدالة الاجتماعيَّة التي يرفضها المتصوِّف ولا يتواطأ مع داعميها، بل يتعالى عبر روحانيَّات تعيد في نظره الاعتبار للإنسان/الفرد، من خلال تجارب الحلول والفناء ووحدة الوجود ووحدة الأديان…
بذلك نخلص إلى أنَّ التصوُّف ما بين القرنين الثاني والخامس الهجريين)، أسَّس تديُّنا ينتمي إلى العالم الإسلاميِّ الحديث العهد بالتوسُّع والمثاقفة، فارتبط بالواقع السياسيِّ عبر رفضه ومعارضة مقدَّساته، ومن ثمَّ أنتج مفاهيم تنزاح عن ذلك الواقع لتؤسِّس البديل الذي يعيد الاعتبار للفرد/المواطن، في ظلِّ منظومة لم تنصفه، فكانت مفاهيم ومعتقدات المتصوِّف المفكِّر المتديّن الذي يبدع الجديد بحثًا عن مفهوم جديد للعدالة عبر التماهي مع السماء في ظلِّ تجربة روحانيَّة فريدة، لكنها لم تكن وحيدة، بل تعدَّدت التجارب الصوفيَّة في ظلِّ هذا المنحى، فكلُّ متصوِّف أنتج وأبدع على حدة، لكن معظمهم التقى عند براديغم المعارضة السياسيَّة.
خاتمة:
نلاحظ في مجتمعنا المغربيِّ اليوم، انتشار الزوايا والأضرحة وتعدُّد الطرق الصوفيَّة، كما نلاحظ انتشار ظاهرة زيارة هاته الأضرحة وإقامة المواسم حولها، حيث يشارك الأعلام ووجهاء المجتمع في تسييسها.
وعندما طرحنا السؤال على عيِّنة من المحتفلين حول الزوايا والأضرحة، تباينت الأجوبة، لتكشف لنا عن تباين الرؤى واختلاف المرجعيَّات والأهداف…
فحقَّ لنا طرح السؤال حول خصوصيَّة التصوُّف الطرقيِّ اليوم في المغرب ومدى علاقته بالتصوُّف النظريِّ الفلسفيِّ المتحدَّث عنه آنفًا بالمشرق، والإجابة في بحث آخر.
قائمة المصادر والمراجع
العربيَّة:
– أحمد أمين، ظهر الإسلام، الجزء الثاني، دار الكتب العلميَّة، 2004، بيروت، لبنان.
– عبد الرحمن بدوي، شطحات الصوفيَّة، الجزء الأول، دار النشر وكالة المطبوعات، 1976، الكويت.
– حنا الفاخوري وخليل الجر، تاريخ الفلسفة العربيَّة، دار الجيل، 1987، بيروت، لبنان.
– حسين مروة، النزعات الماديَّة في الفلسفة العربيَّة الإسلاميَّة، الجزء الثاني، دار الفارابي، 1985، بيروت، لبنان.
– سامح عاطف الزين، الصوفيَّة في نظر الإسلام، دار الكتاب اللبناني، 1985، بيروت، لبنان.
الأعجميَّة:
A. Badaoui, L’humanisme dans la pensée arabe, in revue Studia Islamica, N° VI, Larose, 1950, Paris, France.
– Ali Sami, Poèmes mystiques d’al-hallag, traduits et présentés, éd.Albin Michel, Spiritualités vivantes, 1998, Paris, France.
– F.M. Pareja et autres, Islamologie, Imprimerie Catholique, 1957, Beyrouth, Liban.
– Kanza Kassimi, Des manifestations de la libre pensée dans le monde arabo-musulman, Presses universitaires de Bordeaux, Lille, France, 2009.
-Nicholson, The tarjuman al-aswaq, a collection of mystical odes, 1911, London.
___________________________________________
*المصدر: العدد الرابع من مجلة ” علم المبدأ “.




