
ابن رشد وغزاليّته الميكروفيزيائيّة
ابن رشد وغزاليّته الميكروفيزيائيّة
مفتاح حلّاب (جامعة تونس المنار)
المقدّمة:
كلّنا غزاليّون ولكن بدرجات متفاوتة:
ضمن هذه الفرضيّة نطرح السّؤال التّالي: هل كان الغزالي سليل ابن رشد؟
يؤكّد علي البلهوان أنّ “حياة أبي حامد الغزاليّ الفكريّة تعدّ مرحلة من مراحل العقل البشريّ”[1].
ونحن نحتفي بابن رشد جنوبا وشمالا، نعتقد أنّه آن الأوان لإنهاء ذلك الجدل الايديولوجيّ العقيم، فالغزالي لم يعد تهمة فلسفيّة كما يدّعي دي بور وأضرابه سيء الذّكر ، بل صار من الفلاسفة الذي أعادوا تفكیك آليّات اليقين. فهو بمثابة “الفاصلة” بعبارة المغربيّ جمال الدّين العلوي.لذلك فكلّ تعنّت وتشبّث في فرض آفة القطيعة الابستيمولوجيّة بين الغزاليّة والرّشديّة هو، في اعتقادنا، تفويت لإمكانات وفرص تأويليّة أخرى، وإقرار ضمني بقُدسيّة القراءات الرُّشديّة الأولى. ألم يحن الوقت ليقف مختلف المختلفين على أرضيّة معرفيّة واحدة دون خلاف.
لذلك سنحاول من خلال هذه الورقة العلميّة البحث في طريقة اشتغال العقل الفلسفيّ العربيّ في أعماق النّصوص، عند المثابة،أعني عند نقطة جموح الآراء والأفكار والمعاني، لنكشف عن كلّ ما قيل دون أن يقال، نعني الكشف عمّا لا يمكن رؤيته بالعين المجرّدة.
ونؤكّد مع الفيلسوف التّونسي محجوب بن ميلاد أنّ: ” الغزالي بهذا الاكتشاف أصدق غيرة على العقل، وأبرّ به، وأقوى انتصارًا له، من جميع أولئك الذين كان ينتصرون له ويتحمّسون في الدّفاع عنه، ناهيك أنّه وسّع دائرة قدرته ودعّم أركان سلطانه وثبّت خطاه في ميدان البحث والطّلب”[2] .
ومن هنا، ندعو من خلال هذا الحدث العلميّ إلى قراءة استخراجيّة ومنجميّة للغزاليّة والرّشديّة ضمن تواصل ابستيمولوجيّ رفيع، بواسطة قراءة مجهريّة تكشف عن الباطن الميكروفيزيائيّ من وراء الظّاهر.
ونطمح ها هنا، إلى “معاودة المكبوت” بعبارة محمد محجوب، أي البحث عن كلّ التّقاطعات والقواسم الفكريّة الغزاليّة الرُشديّة المشتركة و رتق شروخ التهافت،و سنحاول تحديد الخيط النّاظم والرّفيع والجامع الذي جعل من كلمات وأفكار ابن رشد مدادا لكلمات الغزاليّ وتصوّراته، إذ سنحاول الإجابة عن سؤال: كيف جعل أبو الوليد من الغزاليّة كلّ شيء حيّ على الصّعيد الفلسفيّ؟
لذلك نتساءل: كيف كان ابن رشد في بعض المسائل غزاليّا إلى النّخاع؟ وعلى أيّ نحو يمكننا فهم الغزاليّة الرّشديّة وهذه الفرص التّأويليّة المهدورة؟ وكيف نعيد النّظر ونراجع حساباتنا مع تلك التّجارب التّواصليّة المكبوتة والخلايا الغزاليّة النّائمة في المتن الرّشديّ، لنستأنفها في سياق تأويليّ فلسفيّ ونكشف عن أبعادها الخفيّة، ونعيد بناء المعنى بطرق أوسع في فهمنا لذواتنا العميقة؟ وهل بإمكاننا اليوم، حسم هذا التّرابط المعرفيّ فلسفيّا خارج الحسابات الضيّقة، أم أنّ الفلسفة يجب أن تبقى خارج فرضيّة الألوان التي تُسمع والأصوات التي تُرى؟
الفصل الأوّل: ابن رشد وغزاليّته الميكروفيزيائيّة المنطقيّة:
من المهمّ أن نُقرّ بوجود تعارض ظاهري بين رؤيتي الغزالي وابن رشد، لكن الأهمّ من كلّ ذلك ألاّ نبقى عند حدود هذا التّناقض الذي قُتل بحثا وتأويلا. ونهدف ضمن هذا الفصل إلى تتّبع الإيماءات الغزاليّة، وبيان كيف أنّ ابن رشد يعيد صياغتها في إطار أكثر دقّة على أساس قاعدته: “الحقّ لا يضادّ الحقّ بل يوافقه ويشهد له”[3].
المبحث الأوّل: وفي البدء كان الغزالي وفتوحاته المنطقيّة:
نؤكّد أنّ الغزالي جعل المنطق آلة كلّ العلوم من خلال ثلاثيّته المنطقيّة (محكّ النظر، معيار العلم في المنطق، القسطاس المستقيم) وكتابي “المقاصد” و”تهافت الفلاسفة”. وفي هذا السياق يقول لنا محمد إقبال متحدّثا عن علاقة الغزالي بأرسطو أنّه: “على الجملة تلميذا لأرسطو في المنطق”[4]
المبحث الثّاني: ابن رشد قارئا للمنطق الغزاليّ: من التّلقّي إلى التّجاوز:
عند تتبّع التّفاصيل المنطقيّة التي أوردها الغزاليّ “في معيار العلم في المنطق” ندرك أنّه قسّم العلم إلى “تصوّرات” و”تصديقات”، والملاحظة الأولى هاهنا، أنّ هذه التّقسيمات لقيت حظوة عند ابن رشد وأخذ بها، متجاوزا مثله مثل الغزالي التّرتيب الذي وضعه ابن سينا، هذا يعني أنّ ابن رشد والغزالي عمدا إلى تقديم القياس على الحدّ. وحتى نفهم هذه الاستفادة المنطقيّة الغزاليّة لابن رشد، علينا أن نفهم حدّي التّصوّر والتّصديق والتّقسيمات التي وضعها ابن رشد، فقد أشار إلى تفاصيل هذه المسألة في “تهافت التّهافت” وكذلك “فصل المقال”. وبحسب تقديرنا، فإنّ هذه التّقسيمات هي نفسها التي وضعها الغزالي في حديثه عن أصناف الفلاسفة[5] ، فالتّصوّر والتّصديق هما وسائل البحث في كلّ العلوم العقليّة والطّبيعيّة والإلهيّة إنّما يكشفان عن وحدة العلم، لذلك لا يجب الفصل بينها في نظر كلّ من الغزاليّ وابن رشد. وهنا ظهر ما يسمّى الاشتقاق عند الغزاليّ الذي هو نفسه معنى “الحقّ لا يضادّ” عند ابن رشد.
ومن هنا نفهم لماذا أكّد المغربيّ محمّد مساعد أنّه “لولا أبي حامد الغزالي ما أصبح ابن رشد أرسطيّا”[6].
الملاحظة الثّانية، نتبيّن من خلال هذه المعطيّات، كيف أنّ ابن رشد في لغته المنطقيّة وانتقاء عباراته وأمثلته يحذو حذو الغزالي النّعل بالنّعل، فعلى سبيل المثال في “تلخيص كتاب العبارة”[7] يكاد يكون النّسخة المطابقة للأصل لكتاب الغزالي “معيار العلم في المنطق” من النّاحية المصطلحيّة المنطقيّة.
والواضح من خلال هذه المقارنة التي أجريناها بين المؤلّفين، أنّ ابن رشد يتجاوز الحلول اللّغويّة التّرقيعيّة، إن صحّ التّعبير، التي توصّل إليها كلّ من الفارابي وابن سينا وسعى إلى تكييف الجملة العربيّة مع الحدود الثّلاثة للقضيّة المنطقيّة الأرسطيّة.
الملاحظة الثّالثة، أنّ ابن رشد من النّاحية الشّكليّة حافظ على نفس الأمثال التي ضربها الغزالي في حديثه عن “المحمول” أو “الخبر” بلغته هو. فقد عمد الغزالي في “المعيار” إلى الجمع بين اسم “زيد” ومصطلح “قائم”، الذي يُفيد في الغالب ضرورة تثبيت الماهية الرّاسخة، وربّما هذا ما استعمله ابن رشد وانطلق منه وطوّره، وقد جمع بين مصطلحي “زيد” و”موجود”، وبذلك ربط بين “الرّابطة والوجود”، وساهم الغزالي بطريقة ما في تنبيه ابن رشد إلى الهفوات التي وقع فيها أتباع أرسطو من العرب، وصار مع ابن رشد من الممكن المحافظة على القواعد الأصليّة المنطقيّة لأرسطو حتّى في العربيّة.
والملاحظة الأخيرة، تظهر الميكروفيزيائيّة الغزاليّة لابن رشد كذلك من خلال تأثّر أبي الوليد بالمنهج الغزالي، خاصّة من ناحية البرهنة المنطقيّة وعرض أدلّة الخصوم، إذ يصرّح ابن رشد في تهافت التّهافت: “يجب علينا أن نعرض كلام من نردّ عليه كما هو، لا كما نتصوّره أو نتوهّمه”[8]. والجدير بالملاحظة ها هنا، أنّ هذه الصّنعة والطريقة المنهجيّة هي طريقة غزاليّة خالصة، حيث يصرّح الغزاليّ في “المنقذ”: “وعلمت يقينا أنّه لا يقف على فساد نوع من العلوم من لا يقف على منتهى ذلك العلم، حيث يساوي أعلمهم في أصل ذلك العلم، ثمّ يزيد عليه، ويجاوز درجته”[9]. وهذا ما يجعلنا نقرّ في نهاية هذا الفصل بأنّ الميكروفيزيائيّة الغزاليّة المنطقيّة لابن رشد لم تعد مجرّد فرضيّة، بل صارت أمرا واقعا.
الفصل الثّاني: ابن رشد وغزاليّته الكلاميّة:
سنحاول في هذا الموضع التّركيز على طريقة التّشابك اللاّمرئي بين الفلسفة وعلم الكلام، بين الغزاليّة والرّشديّة، حيث سنكشف عن تواصل ابستيمولوجيّ وتفاهم نقديّ عال بين الرّجلين.
المبحث الأوّل: إن أبغض العلوم عند الغزالي علم الكلام:
تناول الغزاليّ علم الكلام في عدّة مؤلّفات، ولكنّ الملاحظة التي ما فتئ يذكرها ويذكّر بها، هي أنّ علم الكلام وافٍ بمقصود أهله، وغير وافٍ بمقصوده، وإنّما غايته كما يذكر ليست إلّا “حفظ عقيدة أهل السّنّة، وحراستها من تشويش أهل البدعة”[10]. وهو في رأيه من العلوم “قليلة النّفع”، التي لم تحقّق الفائدة للنّاس. وقصارى القول هاهنا، أنّ الغزاليّ يشنّ هجومه على الفقهاء ويبدأ معركة “إلجام العوام عن علم الكلام”، واصفا هذا العلم بأنّه مثل الدّواء الذي لا ينتفع به إلّا القليل، أو بتعبيره “الآحاد”[11]. ففي رأيه، أنّ هذا العلم اختلط فيه الكشف والتّعريف بالبدع والتّشويش كما يذكر في “الإحياء”[12].
وإذا أردنا أن نلخّص الأمر أمكننا القول بأنّ الغزالي أمرضه علم الكلام، مثلما هو حال ابن رشد الذي لا يختلف عن حال الغزاليّ، خاصة بعد قراءتنا المجهريّة لنقده للمتكلّمين ضمن” الكشف عن مناهج الأدلّة “. فنقد أبي الوليد للفقهاء والمتكلّمين هو مدادا لامرئيّ لكلام الغزالي، ولا مفرّ هنا من الكشف عن هذا السرّ الميكروفيزيائيّ بين الرّجلين، الذي ظلّ مستبعدا من كلّ القراءات التّأويليّة قديما وحديثا.
لذا سنتساءل في المرحلة المواليّة عن كلّ ما خفي في النّقد المشترك للمتكلّمين بين الغزالي وابن رشد؟
المبحث الثّاني: ابن رشد بلع كلام الغزالي وأراد أن يتقيّأه فما استطاع!
نؤكّد في هذا المبحث أنّ ابن رشد استوعب الدّرس النّقديّ الكلاميّ الغزاليّ على أحسن وجه. ويبدو لنا أنّه صاحب غزاليّة ممتازة، فقد لبسها ولبسته، إذ أنّ برهانيّة ابن رشد لم تكن دفعة واحدة، بل تدرّج في مساره النّقدي بشكل تصاعديّ، وهيّأ الأسباب ليقرّ بأحقّيّة البرهان وجدارته وخلوّه من الأغاليط والبدع كتلك التي في أدلّة المتكلّمين. وقد بذل أبو الوليد قصارى جهده من أجل تدوير الخسائر الميتافيزيقيّة التّأويليّة خاصة تلك المتعلّقة بعلم الكلام. وهو في رأيه أكثر علوم الملّة نقصا وخللاً وضعفا من ناحية الأدلّة والبراهين والحجج التي وظّفها المتكلّمون باسم الدّفاع عن العقيدة. وهي في نظره، لا تعدو أن تكون من صنف الأدلّة الخطابيّة الجدليّة التي هي أقرب إلى “الأدلّة السّفسطائيّة” كما يذكر في “فصل المقال”.
وكي يوضّح ابن رشد ضعف البراهين الكلاميّة، يركّز في كتابه “الكشف عن مناهج الأدلّة في عقائد الملّة على دليل الأشاعرة “الجوهر الفرد”، فيقول: “وذلك أنّ طريقتهم المشهورة انبنت على بيان أنّ العالم حادث، وانبنى عندهم حدوث العالم على القول بتركيب الأجسام من الأجزاء التي لا يتجزّأ محدث، والأجسام محدثة، وطريقتهم التي سلكوا في بيان حدوث الجزء الذي لا يتجزّأ وهو الذي يسمّونه الجوهر الفرد”[13]. وعلى اثر ذلك، يعلن ابن رشد عن أنّ هذه الطّريقة غير برهانيّة ولا مفضية إلى يقين وجود الله، بل هي شكّ ليس في قوّة صناعة الكلام، بل في الانفصال عنه، وفي الواقع، عند هذه النّقطة تتجلّى الميكروفيزيائيّة الغزاليّة في المتن الرّشديّ، إذ يحاكي أبو الوليد بطريقه ما، الصّرامة التي أظهرها الغزالي في نقد أشاعرته،حيث لم يتوان في المجاهرة ببطلان أدلّتهم وتوضيح ضعفها وعدم جدواها.
حاصل القول هنا، إنّ ابن رشد يعيد نفس القرار الذي اتّخذه الغزالي في شأن المتكلّمين، ولكن بأكثر صرامة. فإذا كان قرار الإلجام شمل العوام مع الغزالي لأنّه يقوّي عندهم ما يسمّيه بـ”مخاطرة الدين”، فإنّه مع ابن رشد شمل الجمهور والعلماء (الفقهاء) على حدّ السواء، نظرا لقلّة منافع العلم وكثرة مضارّه وهو يؤدّي في نظره إلى انخفاض منسوب الإيمان وهو لا “يصحّ لا للعلماء ولا للجمهور”[14] بتعبيره.
ثمّ يتوقّف ابن رشد مطوّلا عند “دليل العناية” و”دليل الاختراع”، وهما برهانان عقليّان وظّفهما للبرهنة على وجود الله .
ما يهمّنا في تفاصيل هذه الأدلّة هو الكشف عن الميكروفيزيائيّة الغزاليّة لابن رشد، حيث نلاحظ أنّ وسيلتهما المفضّلة في عرض أدلّتهما عن وجود الله تعتمد بالأساس على الإدراك والتّأمّل المباشر في سرّ الخلق. رغم أنّ الإدراك في تدليل الغزاليّ هو إدراك مباشر، نعني بواسطة الحدس والشّعور الباطنيّ بوجود الله، بينما كان الإدراك في تدليل ابن رشد خارجيّا بواسطة التّأمّل في ملكوت الأرض والسّماوات وسرّ الموجودات وتسخيرها للإنسان، إنّ ما يجمعهما هو وجود خالق وصانع وفاعل، وأنّ الحقّ يحثّ على العقل والفطرة وذلك بتفعيل التّصديق البيانيّ (القلب) والتّصديق البرهانيّ (العقل).
الاختلاف منهجيّ بالأساس، ولكن على مستوى المسائل الجوهريّة الكبرى هناك انسجام وتقاطع وتفاهم.
فالغزالي يعيد بناء أدلته الشّرعيّة بواسطة المشاهدة، وابن رشد يحافظ عليها ويدعمها بالبرهان، لتصبح براهين شرعيّة، لقد جرّ الغزالي الفلسفة إلى الكلام وابن رشد حاول عكس ذلك جرّ الكلام إلى الفلسفة .
وما كان ليفعل – ربّما- لولا طاقة الاستفزاز التي أحدثها الغزاليّ، نعني أنّ الغزاليّة مثّلت طاقة خفيّة لدفع ابن رشد نحو أبعد الاستدلالات البرهانيّة .
والخلاصة التي ننتهي إليها، أنّه لا يمكننا بأيّ حال الإقرار بوجود قطيعة ابستيمولوجيّة بين الفيلسوفين، نعني لا يمكن فصل المسارين النّقديّين لعلم الكلام عند الغزاليّ وابن رشد لأنّهما ينبعان من عين فلسفيّة نقديّة واحدة وحمئة ولكنّها مختلفة، وهذا ما يمهّد لنا للسؤال عن الوجه الآخر لهذه الميكروفيزيائيّة الغزاليّة لابن رشد، فبعد أن كانت في المنطق والكلام مُلهمة، فإنّها في بعض المسائل الأخرى كانت مستفزّة، فكيف ذلك؟
الفصل الثالث: ابن رشد وغزاليّته الميكروفيزيائيّة المتصدّعة
أعزّ ما يُطلب هاهنا، أنّ ابن رشد كان واعيا بغزاليّته، فهي لم تغمره بغتة، بل كانت اختياره المنهجيّ والمعرفيّ المفارق والمتوتّر، فهو صاحب غزاليّة لا تقوم على تقريظ الغزاليّ، بل من أجل العبّ منه، وكذلك من أجل صدّ الغزالي ونقده. ومن ثمّ نستطيع القول بأنّ غزاليّة ابن رشد كانت بمثابة القدر الذي اختاره على الصّعيد الفلسفيّ. إنّه اختبار واختيار صعب و”مثير للدّوّار” بعبارة الفرنسي دريدا .(Derrida) فالغزاليّة في ذات الوقت طاقة إلهام وإبداع، مثلما هي طاقة استفزاز وتوتّر تدفع البنية الفكريّة الداخليّة لابن رشد .
وإذا كنّا في الفصول الأولى قد بحثنا عن أوجه الميكروفيريائيّة الأفقيّة، ضمن مداورة نقديّة قائمة على مبدأ التّفاهم الفلسفيّ العميق، فإنّنا هنا نحاول التّركيز على الشّقوق والشّروخ الغائرة التي أحدثها الغزالي داخل نصوصه، والتي تسلّل منها ابن رشد، ليشكّل صورة أخرى من صور الميكروفيزيائيّة العموديّة أو التي كانت بمثابة الطّاقة المستفزّة والحامية التي أشعلت حرائق التّهافت بين الرّجلين. فكيف ذلك؟
المبحث الأوّل: شقوق التّأويل الغائرة بين الغزالي وابن رشد
عندما نعود إلى نصوص الغزالي لنناقش مسألة التّأويل، ندرك على سبيل المثال أنّ صاحب “المنقذ” جعله بمثابة الرّخصة الشّرعيّة التي يضطرّ إليها المؤمن، إذ يذكر في “فيصل التّفرقة” مثلا: “كلّ فريق وإن بالغ في ملازمة الظّواهر، فهو مضطرّ إلى التّأويل”[15]، بينما ابن رشد في “فصل المقال” يعلن أنّ التّأويل، هو ضرورة وواجب، إذ يصرّح : “ونحن نقطع قطعا أنّ كلّ ما أدّى إليه البرهان، وخالفه ظاهر الشّرع، أنّ ذلك الظّاهر يقبل التّأويل على قانون التّأويل العربيّ”[16].ويتجلّى الحضور الغزاليّ المستفزّ لابن رشد من خلال الطّريق التّأويليّة الملغّمة التي وضعها أبو حامد، واضطرّ ابن رشد أن يشقّها دون أن يقطعها، بعد أن “طمّ الغزالي الوادي على القرى”، بتعبيره. وما هو جدير بالملاحظة هنا استهتار الغزالي بمسألة التّأويل، إذ جعله بمثابة القانون “الشّعبيّ”، وقابله حرص ابن رشد على مراجعة مواد قانون التّأويل ومنهجه، تمهيدا لخوصصته وتحصينه. ومن هنا، على سبيل المثال، تتجلّى الميكروفيزيائيّة الغزاليّة السّالبة أوالمتصدّعة ، حيث استبدل ابن رشد “المماثلة” التي وظّفها الغزالي في وضع مراتب “الوجود العقليّ” وأقسام التّأويل، والتي استعملها لفهم النّصوص التي تستحيل ظاهريّا مثل “اليد العقليّة” وغيرها، بـ”القياس”، نعني أنّه غيّر الأسلوب اللّغويّ من الجدل إلى البرهان و من الكلام إلى المنطق والفلسفة. فابن رشد يحوّر “المماثلة” إلى “قياس الغائب على الشّاهد”. هذا يفيد أنّ التّأويل ضرورة برهانيّة، فالعقل مضطرّ لتأويل النّصّ حتى يتوافق مع قوانين الوجود، فمُنزّلُ النّصّ (الله) هو نفسه خلق القوانين في العالم (الأسباب)، فلا يمكن أن يناقض نفسه، كأن يَطلب ما لا يُطلب. لذلك ما هو كائن في النّصّ، لا يمكن أن يتعارض مع ما هو بديهيّ في عقولنا، وبذلك تمثّل الهفوات الغزاليّة هنا، طاقة استفزاز مكّنته من كشف ما سمّاه “حيله في كشفه عن أصناف تلك الموجودات الأربعة أو الخمسة التي ذكرها أبو حامد في كتاب “التّفرقة”[17]، وهذا ما مكّن ابن رشد من تخليص التّأويل من شرك الكلام والجدل وإعادته للبرهان والعقل والفلسفة.
ولكنّ أهمّ ملاحظة ينبغي الإفصاح عنها، هي أنّه رغم احتجاج ابن رشد الكبير على طريقة الغزالي في التّأويل، فإنّه لم يصل به الحدّ إلى إلغاء الفكرة الغزاليّة “قانون التّأويل”، بل فكّكها وأعاد تركيبها، وبناءها بطريقة برهانيّة بعد أن كانت مع الغزالي جدليّة.
وبإمكاننا القول ها هنا، كأنّ الغزاليّ في نظر ابن رشد أحدث شروخا وشقوقا في بنية النّصّ الدّينيّ ليطّلع على سرّه، لكنّه تركها مفتوحة لكلّ من هبّ ودبّ، وهذا أكبر خطأ وقع فيه الغزالي، أي أنّه بتعبيره “أثبت الدّاء ولم يصف الدّواء”.
وهكذا نستطيع أن نكشف عن هذه الميكروفيزيائّية المتصدّعة لابن رشد، حيث اقتنص هذه الفرصة التّأويليّة، حول “الرّخصة” الغزاليّة للتّأويل وحوّلها إلى ضرورة برهانيّة، وجعل أهل البرهان (الفلاسفة) في أعلى سلّم المعرفة، مستفيدا من الدّرس التّأويلي الغزالي ومن قانونه الذي راجعه وغايره”[18].
المبحث الثّاني: حرائق التّهافت بين الغزالي وابن رشد حول السّببيّة:
سنحاول في هذا المبحث الأخير، التّركيز على النّقاش المحتدم بين الغزالي وابن رشد حول مبدأ السّببيّة، التي كانت بمثابة عود الثّقاب الذي أشعل معركة التّهافت.
وحتى نناقش هذه المسألة بشكل مختصر، نحاول العودة إلى نصوصهما ونضرب مقارعة مخصوصة بينهما. وبمجرّد الاطّلاع على المسألة السّابعة عشرة من “تهافت الفلاسفة” للغزاليّ، نفهم منه أهّميّة “الاقتران بين ما يعتقد في العادة سببا، وبين ما يعتقد مسبّبا، ليس ضروريّا عندنا”[19]. ويضرب الغزاليّ مثالا على ذلك، من خلال توضيح علاقة “القطن” و”النّار”، ويرى أنّها ليست ضروريّة، فالرّبط بين السّبب “النّار” و”المتسبّب” (الاحتراق) ناتج في نظره عن كثرة التّعوّد (العادة) والمشاهدة، وليس عن ضرورة عقليّة، إذ في نظره قد يوجد سبب (النّار) ولا يقع المسبّب (الاحتراق)، ومن هذا المعنى يقدّم الغزاليّ قصّة إبراهيم (عليه السّلام) لنفي السّببيّة الطبيعيّة. ويتشبّث بأنّ الله فاعل لكلّ شيء، إذ يمكن للأسباب أن تخلّف مسبّباتها، مثل ما يقع في المعجزات من خرق العادة. وهذا يتعارض مع القانون الطّبيعي الذي حدّده أرسطو، إذ رأى المعلّم الأوّل أنّ العالم عبارة عن سلسلة من العلل.
وهذا ما استفزّ ابن رشد، وجعله يتصدّى للغزالي بقوة في “تهافت التّهافت” في نفس المسألة “السّابعة عشرة”، فيقول: “فمن رفع الأسباب فقد رفع العقل، وصناعة المنطق تضع ها هنا أسبابا ومسبّبات، وأنّ المعرفة بتلك المسبّبات لا تكون على التّمام إلّا بمعرفة أسبابها”[20]. ولذلك اعتبر ابن رشد، أنّ إنكار السّببيّة يُعدّ ضربا من المغالطة والسّفسطة، فكلّ “فعل” في نظره “لا بدّ له من فاعل”. فنفي “الاحتراق” عن النّار، هو بمثابة نفي الفاعليّة عن الأشياء. ومن هنا يتصدّى ابن رشد “للعادة”، إذ ينزّه الله عن العادة والصّفات ويستبدلها بمفهوم الطّبائع الخاصّة للأشياء”. ومن الطّبائع تحدّد ماهية الموجودات الخاصّة وهويّتها، حتى لا تصبح الأشياء كلّها شيئا واحدا.
ومن هنا تظهر “حرائق التّهافت”، إذ لا يمكن حصر مشكلة السّببيّة ضمن هذه الميكروفيزيائيّة الرّشديّة المضادّة للغزاليّة، بل تعني كذلك احتراق التّصوّر الأرسطيّ الكسمولوجيّ للعالم نفسه وتفكّكه، إذ لم يعد العالم بعد الغزالي محكوما بالعلل الطّبيعيّة، وهنا تتحوّل هذه الحرائق إلى أزمة للمعنى والحقيقة.
وسط ألهبة هذه الحرائق التّأويليّة، يحاول ابن رشد بكلّ قوّة إنقاذ ما تبقّى من معقوليّة العالم وإعادة تثبيت السّببيّة من جديد، وعلى المنوال الأرسطيّ الفلسفيّ. وفي نهاية المطاف، نعترف بأنّ الغزاليّة كانت بمثابة الطاقة الميكروفيزيائيّة التي استفزّت ابن رشد وأجبرته على إعادة تركيز السّببيّة في عمق العقليّة الكلاميّة المحروقة.
خاتمة: أو الغزالي وابن رشد صنوان وغير صنوان: من وحدة الحقيقة إلى تعدّد المسالك
في الختام، نستطيع القول: إنّ كلّ الطّرق تؤدّي إلى الغزالي، لكن ليس من أجله، بل من أجل ابن رشد والفلسفة. ومن خلال تتبّعنا لما سمّيناه “الميكروفيزيائيّة الغزاليّة” في المتن الرّشديّ، خلصنا إلى أنّنا أينما نولّي فكرنا في الرّشديّة ثمّة وجه الغزاليّ، نعني أن الغزاليّة صارت إيماءة رشديّة إمّا من جهة الإلهام وإمّا من جهة الاستفزاز.وقد جعلها ابن رشد طاقة إبداع وتجديد فلسفيّ قلّ نظيره. والحقّ، علّمتنا هذه المخاطرة التّأويليّة أنّ للأفكار دائما أجنحة تحلّق بعيدا عن عصرها. وهذا ما يفسّر أنّ أفكار الغزاليّ وجدت مستقبلها، بطريقة ما في فلسفة ابن رشد مثلما سيجد ابن رشد مستقبله في أوروبا الحديثة. ونؤكّد أيضا، إنّ استئناف ابن رشد اليوم على هذا النّحو لا ينبغي أن يكون مجرّد تكرار مبتذل له، بل ينبغي علينا استعادة جرأته الفلسفيّة الحاسمة من أجل مواجهة كلّ ما يطرأ على عالمنا من أوضاع جديدة، حتّى نراجع حساباتنا مع أنفسنا، بعد كلّ ما وقع اليوم من تراجع لصوت العقل. وإنّ ما يضفي على هذه الميكروفيزيائيّة الرّشديّة راهنيّتها، هو أنّنا إزاء حِراك فكريّ لا يُقيم خلفنا فقط، بل هو مستمرّ ويتحرّك أمامنا كذلك، حراك يضعنا في قلب المعركة التّأويليّة اليوم وفي فوهة أسئلة حارقة لم تُستنفد بعد: كيف يمكن إعادة بناء ثقتنا بالعقل في زمن كثر فيه المشكّكون من حولنا، نعني “أولئك الذين يظنّون أنّ الله لم يهد سواهم” مثلما يذكر ابن سينا؟ ثمّ كيف لدرس التّأويل أن يصمد أمام هذه الهزّات الارتداديّة للتّهافت الجديد، ويظلّ أفقا للفهم، وسببا وأداة للإقصاء والتّبرير؟
ونختم بسؤالنا الحارق: ألم يحن الوقت بعد، لنقول: ليس على الغزاليّين الجدد حرج، سيّما بعد هذه الميكروفيزيائيّة التي أثبتنا من خلالها أنّ ابن رشد صنو الغزاليّ؟ نعني أنّهما صنوان، فهما ينتميان إلى أفق فكريّ واحد، فاختلافهما يُعلّمنا كيف نقف على نفس أرضيّة مشكلاتنا المشتركة.
كما نختم بالقول، إنّ راهنيّات ابن رشد اليوم هي الطّريق الأخيرة والوحيدة الممكنة لهذه الأجيال الجديدة للدّخول في دين الله أفواجا. أفلا تعقلون؟
__________________________________
الهوامش
[1] – علي البلهوان، ثورة الفكر أو مشكلة المعرفة عند الغزالي، مطبعة الإرادة، ط 1، تونس، د.ت، المقدّمة.
[2] – محجوب بن ميلاد، تحريك السّواكن في سبيل السّنّة الإسلاميّة، دار بوسلامة، ط1، تونس، 1962 .
[3] – ابن رشد، فصل المقال فيما يبين الحكمة والشّريعة من الاتّصال، دراسة وتحقيق محمد عمارة، دار المعارف، ط 3، القاهرة، 1969 ، ص ص 31 – 32 .
[4] – محمد إقبال، تجديد التّفكير الدّيني في الإسلام، ترجمه عبّاس محمود، منشورات الجمل، ط1، بيروت، 2015، ص 177.
[5] – الغزالي، المنقذ من الضّلال، حقّقه وعلّق عليه عبد الكريم المرّاق، الدّار التّونسيّة للنّشر، ط1، ص ص45-46.
[6] – محمّد مساعد، بين مثابتين، مرجع سابق، المقدّمة.
[7] – ابن رشد، تلخيص كتاب العبارة، تحقيق وتعليق محمد سلیم سالم، مطبعة دار الكويت، ط1، الكويت، 1978، ص 96.
[8] – ابن رشد، تهافت التّهافت، تحقیق سلیمان دنیا، دار المعارف، ط 3، القاهرة، 1968، ص85.
[9] – الغزالي، المنقذ من الضّلال، تحقيق وتعليق عبد الكريم المرّاق، مصدر سابق،ص ،39.
[10] – نفسه، ص ص 38-37.
[11] – نفسه، ص ص 39-42.
[12] – الغزالي، إحياء علوم الدين، دار الكتبي، ط1، د, ت، ج1، ص86.
[13] – ابن رشد، الكشف عن مناهج الأدلّة، مطبعة الأنغلو مصريّة، ط2، القاهرة، 1964، ص136.
[14] – نفسه، ص 139.
[15] – الغزاليّ، فيصل التّفرقة بين الإسلام والزّندقة، دراسة وتحقيق سميح دغيم، دار الفكر اللّبناني، ط1، بیروت، 1994، ص6 .
[16] – ابن رشد، فصل المقال، تحقيق محمّد عمارة، مصدر سابق، ص 31-33.
[17] – نفسه، مصدر سابق، ص 46 .
[18] – الغزالي، قانون التّأويل، ضمن مجموعة رسائل الإمام الغزالي، المنقذ من الضّلال، الأحاديث القدسيّة، قانون التّأويل، دار الكتب العلميّة، ط1، بيروت، لبنان، 1988، ص123.
[19] – الغزالي، تهافت الفلاسفة، تحقیق وتقدیم سلیمان دنیا، دار المعارف، ط1، 1972، المسألة17، ص239 .
[20] – ابن رشد، تهافت التّهافت، مع مدخل ومقدّمة تحليليّة وشروح للمشرف على المشروع محمد عابد الجابري، مركز دراسات الوحدة العربيّة، ط 3 ، بيروت، 2008، ص50.




