الدراسات والبحوث

الصوفيَّة والصحَّة العقليَّة

س. حق نظامي _ محمد ضياء الحق كاتشو _ ن.أ. يوفيس

الصوفيَّة والصحَّة العقليَّة

س. حق نظامي _ محمد ضياء الحق كاتشو _ ن.أ. يوفيس

خلاصة

لقد كان للخبرات الإنسانية على الدوام ذلك البعد الروحاني سواء في الصحة أو السقم، بحيث تصبح الروحانية مقبولة كإحدى محددات الصحة ولا تقتصر على كونها ملكية حصرية تندرج ضمن إطار الدين والتنسك. وخلال السنوات الأخيرة أصبحت الروحانية مجالاً للبحث في العلوم العصبية سواء من حيث فهم حالة الأمراض العقلية أو توسيع نطاق التدخل العلاجي الذي يبدو مجالاً واعدًا. أما الصوفية فهي تقليد روحاني سائد في الإسلام أثرت فيه الأديان العالمية الرئيسية كالمسيحية والهندوسية، ويسهم هذا التقليد على نحو كبير في مجال الصحة الروحية لعدد كبير من الناس داخل العالم الإسلامي وخارجه. وبالرغم من أن الصوفية قد ظهرت خلال بدايات الإسلام بحيث برز فيها عدد من الشخصيات الصوفية المعروفة، إلا أنها لم تبلغ أوجها إلا في القرون الوسطى وذلك بظهور العديد من التعاليم الصوفية وتلك الشخصيات البارزة التي تبنتها. وتهدف الصوفية إلى الاتصال بالله عبر الإدراك الروحي الذي تعد الروح فيه وسيطًا للقيام بذلك الاتصال، بحيث ترى في الله ليس مجرد سبب وجود كل ما هو كائن بل إنه يمثل الوجود الحقيقي الوحيد، ويمكن للصوفية أن تكون صلة وصل لفهم مصدر الخبرة الدينية وأثرها على الصحة العقلية.

مقدمة

كان البشر منذ الأزل يسعون بشغف للتعرف على ذواتهم وعلى العالم من حولهم وعلى موقعهم في هذا العالم، فالتاريخ البشري يزخر بأشخاص من أمثال ميتيا في الأخوة كارامازوف الذين “تنتابهم موجات شك هائلة غير قابلة للتوصل إلى حلول” [1]. وهذا السعي الحثيث هو الذي نقل الإنسان من عقائده الدينية إلى الخطاب الفلسفي وأخيرًا إلى العلوم التجريبية. وبالرغم من أننا حققنا تقدماً في فهم أنفسنا إزاء الطبيعة، إلا أن تلك الإجابات لازالت عصية. فالروحانية، سواء أكانت مرتبطة بأديان معينة أو غير ذلك، كانت قد مورست منذ عصور خلت ويقال أن فيها إجابات شافية حول الشكوك العصية. وقد شهدت السنوات الأخيرة موجة اهتمام كبيرة بالروحانية مع تقدم هائل في العلوم العصبية، الأمر الذي أتاح الفرصة لفهم الروحانية من منظور علمي أكثر مع وضعها ضمن إطارها المناسب. ففي مختلف الحضارات تمثل الروحانية جزءًا هامًا من منظومة العقائد والإيمان بالنسبة لغالبية الناس، كما تؤثر على الصحة العقلية وفهم الأمراض العقلية من حيث أسبابها ومعناها وطرق العلاج، ويبدو أنه من الواجب أن يطلع المختصون بالصحة العقلية على الطرق التي تؤثر من خلالها الروحانية على الصحة العقلية لدى الأفراد سواء في حالة العافية أو المرض. ولهذا ستقوم هذه الدراسة برسم معالم القواعد الأساسية للصوفية والتي تمثل نوعًا من أنواع التصوف في الدين الإسلامي، كما ستدرس الطريقة التي تؤثر بها الصوفية على الصحة العقلية للأفراد الذين يمارسونها، وصلة الوصل الكائنة بينها وبين الطب العقلي من حيث آثار التشخيص وطرق التعامل مع المرض.

 

الحاجة للتعرف على الصوفية

إن ما يحدد سلوكيات البشر ومعارفهم على نحو كبير هو مجموعة من الحقائق والقيم، بحيث تكون الحقائق في غالبيتها مستمدة من العلم كما يكون لتلك القيم أصول بعضها قد يتصل بالدين أو يتصل بالفلسفات البعيدة عن الدين كالحركة الإنسانية أو الوجودية [2]. ولهذا تظهر الروحانية كجزء لا يتجزأ من معظم الفلسفات الدينية كونها تمثل منظومة القيم التي يتبناها أغلب الناس على نحو يؤثر على صحتهم. ولقد تم قبول فكرة الاعتراف بالصحة الروحانية بما ينسجم مع الأنماط الاجتماعية والثقافية واعتبارها من العوامل الهامة التي تحدد حالة الصحة من قبل منظمة الصحة العالمية وذلك خلال الاجتماع الصحي العالمي السابع والثلاثين الذي عقد عام 1984 [3]. إذ لطالما كان للتعاليم الروحانية موقعها وأهميتها ضمن مناهج العديد من كليات الطب الغربية [4، 5]. ومن منظور الصحة العقلية يبدو أن الروحانية تلعب دورًا أكبر بكثير من الأدوار المناطة بها فعليًا ضمن المجال نفسه ألا وهو الدماغ أو العقل أو الروح كما يحب البعض أن يسميه. وفي الحقيقة ثمة دراسات تظهر الأثر الإيجابي والسلبي للمعتقدات الروحية والدينية وممارستها على الصحة الجسدية والعقلية للأشخاص الذي يمارسون تلك الشعائر [6، 11]. وبالنسبة للصوفية فلها الكثير من الأتباع والمريدين سواء في العالم الإسلامي أو خارجه حيث اقترن ذلك بهجرة أعداد كبيرة من مريدي الصوفية من الشرق إلى الغرب، وفي ذلك شكل سريع النمو من أشكال الروحانية التي تحتاج إلى فهم واستيعاب فيما يتعلق بأثرها على الصحة العقلية لهؤلاء المريدين وتفاعلاتها المحتملة ضمن أجواء العناية السريرية بالصحة العقلية.

ومن منظور فلسفي يمكن القول بأن الصوفية تتيح الفرصة لفهم أصل المعرفة الدينية عمومًا والمعرفة الإسلامية (أي الوحي) خصوصًا. ففي التعاليم الصوفية يمكن للصوفي أن يبلغ معرفة تماثل تلك المعرفة المتمثلة بتجربة الوحي والتي هي مصدر المعرفة الدينية التي اتخذت شكل وحي نزل في القرآن (كتاب المسلمين المقدس) على محمد (نبي الإسلام). وإن دراسة تلك التجارب الصوفية التي تشترك بالقواعد والأسس ذاتها مع التجارب النبوية للوحي من حيث طبيعة الظاهرة تفتح المجال أمام الدراسة العلمية لمصادر المعرفة الدينية [12، 13]. فمن الممارسة السريرية اليومية إلى البحث العلمي تمثل دراسة الظواهر الخارقة من حيث طبيعة التجربة وطريقة إدراكها وما يتضمن ذلك من آثار جزءًا لا يتجزأ من الصحة العقلية التي تتصل بالعلوم وتخلق لدى طلاب علوم الصحة العقلية رغبة ملحة لدراسة التجارب الصوفية.

لمحة تاريخية عن الصوفية

ظهر مصطلح التنسك لدى الطوائف الباطنية عند اليونان، إذ كانت تلك الطوائف تعتمد على حلقة مغلقة من العابدين الذي كانوا يؤمنون بأنهم يمتلكون معرفة الذات الإلهية التي توحي لهم وذلك بفضل مواهبهم الفطرية. فإذا وضعنا أصل ومعنى هذا المصطلح جانبًا نجد أن التنسك قد مورس منذ القرون الأولى لدى مختلف الحضارات وكان له دور كبير في الأديان الأساسية المنتشرة في العالم. ولعل التنسك يمثل رغبة فطرية لدى الإنسان لفهم ذاته والعالم من حوله، وذلك لأن جميع أشكال التنسك تسعى للتوحد مع الذات الإلهية وتؤمن بأن السبيل الوحيد لذلك هو عبر تطهير الروح وإعدادها لتلقي المعرفة والوحي مباشرة من الذات الإلهية [14]. ظهر الإسلام عام 610 للميلاد وبني على تعاليم النبي محمد الذين كان يتلقى الوحي من الله عبر ملك الوحي جبريل وانتشر هذا الدين ضمن الأوساط العربية الوثنية منها والمسيحية. ولقد كان للتقارب بين المجتمعات الإسلامية والمسيحية في صدر الإسلام تأثيره على تطور الصوفية التي يقصد بها هنا التقاليد الباطنية للإسلام، حيث بنيت الصوفية على تعاليم الإسلام التي حددها القرآن الذي أنزله الله على محمد بحسب ما يؤمن به المسلمون، ويرى الصوفيون إمكانية التوحد مع الذات الإلهية ويتمثل ذلك بالنبي محمد الذي تلقى المعرفة القلبية (أي علم السنة) إلى جانب المعارف الخارجية (أي علم السفينة). ويُعَد علي وهو أحد صحابة النبي محمد وصهره أول صوفي أوحى إليه محمد بعلم السنة ليعلمها لمن هو قادر على استيعابها. وبخلاف السواد الأعظم ظهرت بعض المدارس الفكرية في الإسلام التي أنكرت الصوفية واتهمتها بالهرطقة واعتبرتها بدعة في الإسلام [15، 16]. إلا أن مفهوم الإله واحتمال وجود المعرفة المخصصة لفئة معينة وطرق الوصول لله عبر تطهير النفس وذلك من خلال الصلاة والصوم والتوبة والتي تشكل أركان الصوفية لها أصول في القرآن وتعاليم النبي في ما أثر عنه من أحاديث [14].

هذا ولقد كانت الصوفية في البداية مجرد محاولة فردية. حيث كان الصوفيون يعيشون في عزلة ويمارسون عمليات التنسك الذاتية وكان ما يميزهم عباءة الصوف التي كانوا يرتدونها والتي أخذوها عن النبي محمد ومن هنا جاءت كلمة الصوفية نسبة لصوف تلك العباءة [15، 17]. وهكذا ظهرت مجموعة من العابدين الذين عاشوا حياة الفقر والشظف مع إقامتهم لشعائر الصلاة والصوم على نحو متواصل وذلك على مقعد حجري أمام المسجد النبوي. وكان هؤلاء الأشخاص الذين عرفوا فيما بعد باسم أصحاب الصفة والذين يتراوح عددهم بين 45 إلى ما يربو عن 300 شخص يميلون للبكاء والنحيب والتوبة ويعتقد بأنهم أصل مذهب الصوفية [18]. بيد أن اسم الصوفي لم يطلق إلا على الزهاد خلال القرن الثاني بعد وفاة النبي محمد، حيث كان الصوفيون خلال مراحل الإسلام الأولى يعرفون بالزهاد ولم تكن الصوفية قد تطورت بعد وتحولت إلى منظومة متقدمة مبنية على عقائد فقهية فلسفية والتي أصبحت الميزة الأساسية للصوفية لاحقًا. ولهذا كان أصحاب محمد من أمثال بلال وسلمان الفارسي وعمار بن ياسر من أوائل الناسكين، ومع انتشار الإسلام خلال مرحلة لاحقة ازدهرت الصوفية في العراق وسوريا ومصر وفارس وآسيا الوسطى وهكذا ظهر مشاهير الصوفية من أمثال ربيعة البصري والحسن البصري وجنيد البغدادي وذي النون المصري وغيرهم وذلك خلال القرنين التاسع والعاشر للميلاد [16، 19].

ومع بدء قيام رواد الصوفية الأوائل بتعليم الباحثين عن ماهية الذات الإلهية، ازدهرت عادة مميزة تمثلت بعقد تجمعات تركزت حول هؤلاء الرواد واشتهرت بمتانة الروابط التي تربط بين أفرادها. أما تحول تلك التجمعات إلى تجمعات تشترك بالرابطة الروحية فقد بدأ بالظهور خلال القرن الحادي عشر الميلادي وأدى إلى ظهور الطرق الصوفية (أي السلاسل) والتي يمكن من خلالها الاتصال بأتباع النبي محمد في نهاية الأمر [12]. ولقد تأثرت الطرق الصوفية التي ظهرت في تلك الفترة من أمثال تعاليم المحاسبية والقصارية والجنيدية والنورية والسهلية والحكيمية والخرازية والسيارية والطيفورية بتطور الفكر الصوفي على الرغم من اقتصار انتشارها ضمن أماكن معينة. بعد ذلك ظهرت طرق صوفية أساسية لاقت رواجًا أكثر من سابقاتها على يد كبار علماء الصوفية كالطريقة القادرية التي وضعها عبد القادر الجيلاني (في بغداد) والششتية التي وضعها أبو إسحق الشامي (من سوريا) والسهروردية التي وضعها أبو نجيب السهروردي والياسافية التي وضعها أحمد الياسفي (من كازاخستان) والكبراوية التي وضعها نجم الدين كوبرا (من آسيا الوسطى) والرفاعية التي وضعها أحمد الرفاعي (من العراق) والشاذلية التي وضعها أبو الحسن الشاذلي (من المغرب) والمولوية التي وضعها جلال الدين الرومي (من قونيا) والنقشبندية التي وضعها بهاء الدين النقشبندي (من بخارى) وطريقة النعمة الإلهية التي وضعها نور الدين محمد نعمة الله (من سوريا) والتيجانية التي وضعها عباس أحمد بن التيجاني (من الجزائر). وهكذا فإن الطرق الصوفية التي تمارس حاليًا تمثل في معظمها فروع الطرق الأولى لهذه المدرسة. وعليه يُعَدُّ القرن الثالث عشر الميلادي العصر الذهبي للصوفية كونه تميز بتطور العقائد الفقهية الفلسفية الباطنية الشاملة للصوفية وذلك على يد الباحثين الصوفيين من أمثال ابن العربي من إسبانيا وابن الفارض من مصر والشاعر الصوفي الفارسي الشهير جلال الدين الرومي. ولكن بعد انقضاء الحقبة الذهبية للعالم العربي الإسلامي قل عدد علماء الصوفية بالرغم من أن تعاليم الصوفية تابعت نموها وتطورها. كما كان لظهور الوهابية في أواخر القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين الأثر الكبير على هذه الحركة وذلك من خلال استنكارها للصوفية ووصفها لها بأنها بدعة مع ظهور إصلاحات سياسية واجتماعية في العالم الإسلامي خلال القرن العشرين وبذلك بدأ الجميع ينظر للصوفية بأنها عائق في طريق التطور وهذا ما أدى إلى انحسار الفلسفة الصوفية والتضييق عليها لتقتصر على حلقات مصغرة تعتمد على تعليم المبادئ الروحية [16].

وبعيدًا عن الزهد من منظور المسيحية كان للهندوسية الأثر الكبير على الصوفية من حيث الأساس الفلسفي والممارسات التأملية والتي بدأت قبل وصول الصوفية إلى شبه الجزيرة الهندية بوقت طويل. حيث قام ابن عربي بطرح فكرة وحدة الوجود في القرن الثالث عشر الميلادي وذلك من خلال تتبع نقاط التشابه بينها وبين فلسفة الأدفايتا (أي الاتحاد بين البراهما والجنانا) الموجودة في البورانا (أي النصوص الدينية الهندية القديمة)، كما كانت فكرة وحدة الوجود من الأفكار الفلسفية التي تميز بها التابعون من الصوفيين والتي قربتهم من النساك الهنود من أمثال راماناند وتشاييتانيا ونامدييف وميرا باي وتوكارام ورامداس، الأمر الذي أدى إلى ظهور حركات اجتماعية مثل حركة بهاكتي، كما دمج الصوفيون أيضًا بعض أساليب التأمل التي أخذوها من النساك الهنود مثل طرق التنفس وذلك لتسهيل القيام بممارساتهم الصوفية [21، 22]. وفي القرن الحادي عشر الميلادي برز اسم صفي الدين الكازيروني من إيران كأول صوفي يستقر في شبه الجزيرة الهندية [23] والتي أصبحت فيما بعد موطنًا لبعض العباد والباحثين الصوفيين من أمثال معين الدين الششتي ونظام الدين أولياء وفريد الدين غانجي شاكار وكتاب الدين باختيار كاكي ممن أثرت تعاليمهم على تطور الإسلام ومدى تقبله في تلك البقعة [15، 16].

جوهر الصوفية

إن الهدف الأكبر للصوفية هو التوحد مع الله عبر الإدراك الروحاني والذي يتم من خلال المعرفة المستوحاة من القرآن (أي العلم) ومن ممارسة الشعائر الإسلامية (أي العمل) [24]. ولهذا كانت الفلسفة الصوفية من بداياتها تدور حول فكرة الله وأساليب التوحد به وطبيعة ذلك التوحد. لذا كان الصوفيون الأوائل يلتزمون بالقرآن كثيرًا في تفسيرهم لمفهوم الله على أنه لامتناه وأبدي ولا يلحق به أي تغيير وعلى أنه الخالق كلي القدرة والرحيم وسبب الوجود الكلي. ومع تطور الفلسفة الصوفية تغير مفهوم الإله من سبب الوجود الكلي إلى فكرة الإله التي تمثل الوجود الحقيقي الوحيد. وقد بلغت هذه الفلسفة أوجها من خلال فكرة وحدة الوجود [14، 22]

هذا وينظر الصوفيون إلى الروح على أنها أداة التواصل مع الله، حيث يرون بأن الروح العليا هي تلك الروح التي خلقت قبل أن يظهر البشر في الوجود وتتألف تلك الروح من القلب والروح والضمير (أو السر) الذي له القدرة على التعرف على الإله. ويُعَد الكثير من الصوفيين السر على أنه “المكان السري للإله الذي يتعرف فيه على الإنسان ويمكن للإنسان من خلاله أن يتعرف على الله” [18]. أما القلب فيتمتع بمكانة مهمة لدى الصوفية حيث ينظر إليه على أنه يحتوي على الشعلة الإلهية التي توصل للإدراك الروحاني. ويعول الصوفيون كثيرًا على فكرة الوحي المنزل من الله الذي “لا تتسع له السماوات والأرض بل يتسع له قلب المؤمن الحقيقي” [25]. ولكي يكون القلب مرآة للحقيقة كما هي يجب أن يكون طاهرًا من دنس الأدران الدنيوية [26]. وتمثل فكرة الميثاق التي وصفها القرآن بالآية التالية: “وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلون” أساس فلسفة التوحد مع الله في الصوفية [16، 27]. وثمة روح أخرى ألا وهي النفس التي يرى فيها الصوفيون المكان الذي تستقر فيه الأهواء التي تقف حاجزًا عن توحد الروح العليا بالله. لذا لابد أن تتحول النفس من النفس الأمارة (أي النفس الشهوانية أو الأيدو) إلى النفس اللوامة (أي التي تنتقد نفسها بشدة أو ما يعرف بالأنا) وأخيرًا إلى النفس المطمئنة (أي التي تنعم بالسكينة أو ما يعرف بالأنا الأعلى) وذلك لتعود إلى الحقيقة والواقع [14،26].

هذا ويتمتع النبي محمد بمكانة خاصة لدى الصوفية، فالتنور الروحاني أو ما يعرف بارتقاء الروح العليا للاتصال بالله يجب أن يمر عبر سلسلة من عمليات التواصل مع النبي محمد الذي يمكن من خلاله فقط الوصول إلى حالة الاتصال بالله. ويشير المتصوفة إلى الحديث النبوي: “أول ما خلق الله نوري، ابتدعه من نوره واشتقه من جلال عظمته” أساس ذلك الاعتقاد السائد لديهم. ويرى المتصوفة بأنه لا يمكن لحالة الارتقاء أن تتم إلا عبر عملية تطهير الروح أو ما يعرف بالطريقة [16].

الطريقة الصوفية

يصف محمد في حديث منسوب إليه أن الإيمان هو “ما وقر في القلب وصدقه اللسان والعمل“. أي أن تلك العناصر الثلاثة تتواءم مع الجوانب الثلاثة للفلسفة الصوفية ألا وهي: الشريعة (أي العمل الذي تقوم به الجوارح) والطريقة (أي ما يقال باللسان) والحقيقة (أي الاعتراف القلبي). أي أن المتصوفة يتبعون الشريعة ظاهريًا بينما يتبعون الطريقة داخليًا بهدف التوحد مع الذات الإلهية (أي ما يعرف بالحقيقة لديهم) [24]. وتشتمل الطريقة لدى الصوفية على ثلاث مراحل أولها مرحلة المقامات وثانيها مرحلة الأحوال وثالثها مرحلة الإنجاز (أو ما يعرف لديهم بالتمكين)؛ إذ تمثل المرحلة الأولى سعي المسافر (أو السالك) لربه وتتم عبر مجاهدة النفس، ويفترض أن يمر السالكون عبر مقامات التوبة والزهد والتوكل على الله والفقر والذكر والصبر والشكر والرضا بغية الوصول إلى المقام الأخير لهذه المرحلة ألا وهو مقام المحبة. أما الأحوال فيعتقد أنها نتاج التجليات الإلهية التي يغدقها الله خلال المرحلة الأولى أو بعدها. فالأحوال بوصفها حقيقة تعتمد على التجليات الإلهية فقط ولا يمكن للمتصوف أن يكون سببًا في حدوثها. وتمثل المرحلة الأخيرة ألا وهي مرحلة الإنجاز أو التمكين نهاية السعي والبحث وذلك حينما يفترض أن يكتسب الصوفي المعرفة الإلهية التي تساعده على التوحد مع الله، في حين يفترض من المتصوف في مرحلة الطريقة أن يذيب نفسه في نفس مرشده وهذا ما يعرف باسم الفناء في الشيخ ومن ثم الفناء في النبي محمد أو ما يعرف بالفناء في الرسول وأخيرًا في الذات الإلهية أو ما يعرف بالفناء في الله وذلك قبل وصوله إلى مرحلة الوجود الأبدي المتمثل بالله (أي ما يعرف بالبقاء) [14، 16، 18].

التجارب الروحية لدى الصوفية

آراء مختلفة

تعد التجارب الروحية أو الروحانية أمرًا مألوفًا في مختلف الحضارات والأديان. وبالرغم من عدم وجود دراسات محددة تتعلق بالصوفية إلا أن الاستبيانات تكشف نسبة الأشخاص الذين لديهم تجارب روحية والتي تتراوح ما بين 20% إلى 45%. ويختلف تكرار تلك التجارب بحسب الوقت والجنس والديانة وغيرها من الأمور [28]. والأغرب من ذلك وجود قواسم وصفات مشتركة لتلك التجارب على الرغم من اختلاف الممارسات والمعتقدات والثقافات التي تظهر فيها تلك التجارب. إذ تحدث التجارب الروحية ضمن أوساط فكرية وإدراكية وشعورية (الخبرة الإدراكية المعقدة) وتشترك بسمات معينة بصرف النظر عن الوسط أو المجال الذي تظهر فيه. وتعتمد تلك التجارب في جزء منها على الروايات الفردية عن المتصوفة وتكون مباشرة وعابرة ويعجز اللسان عن وصفها وغير قابلة للتحليل وتشتمل على صلة وثيقة بذات فريدة أخرى وتتجاوز الزمان والمكان والشخصيات ويشعر بها المرء وكأنها إحساس عميق بهبوط نعمة عليه [13، 14، 28].

وتاريخيًا ترتبط التجارب الروحية بالتجارب الإلهية التي يتعامل بها الجن وينظر إليها على أنها بدعة بل نوع من أنواع الجنون. ولقد اختلفت تفسيراتها بحسب العناصر السياسية والدينية التي تكتنف الأزمان. كما تأثرت بالطبقة الاجتماعية للشخص الذي يدعي حدوثها وبما تشتمل عليه تلك التجارب مقابل الأعراف السياسية والدينية القائمة وغير ذلك. حيث كان يتم تأويل تلك التجارب أو الخبرات على أنها تعزز أو تكذب فكرة سياسية معينة بل كان ينظر إليها على أنها حجة للتذرع بالجنون. وهنا لابد من ذكر قصة اثنين من المتصوفة ادعى كل واحد منهما الشكل الأقصى لتجربة التنسك وهما منصور الحلاج وأبو يزيد البسطامي، إذ يُعَد كلاهما من كبار المتصوفة، في الوقت الذي ينظر إليهما آخرون على أنهما زنديقان بل حكم عليهما بالموت في حياتهما وذلك بتهمة الهرطقة [29، 30].

هذا وتشتمل الخبرات الروحية على بعض الخبرات الخارجة عن المألوف ويَعُد المتصوفة ذلك مصدر المعرفة المطلقة. وإن احتمال اكتساب هذا النوع من المعرفة يؤدي إلى ظهور تجارب وخبرات خضعت لفحص من الناحية الفلسفية والعلمية، حيث رفض كانط احتمال وقوع معرفة ما هو مطلق خارج مجال الخبرة الإنسانية ولذلك فهو يرفض طبيعتها اللاعقلانية. في حين يرى الفلاسفة الصوفيون احتمال كون تلك التجارب مجرد امتداد للخبرات الإنسانية الطبيعية، إذ يرى الفيلسوف الصوفي فخر الدين العراقي احتمال كون تلك التجارب بحسب تموضعها ضمن ترتيب زمني ومكاني مختلف (الزمان والمكان الإلهيان) يأتي نتيجة للتغيرات التي تحدث على مستوى الوعي الإنساني [13]. ولعل العائق الأكبر الذي يقف في وجه دراسة الخبرات الروحية يتمثل في الطبيعة الذاتية لتلك الخبرات والتي تتناقض مع الطبيعة الموضوعية التقليدية للعلم.

أما من ناحية دراسة الظواهر، فيمكن أن تكون رؤى المتصوفة مماثلة للظواهر الذهانية كالهلوسات (السمعية أو البصرية… إلخ) والأوهام. وعليه تتم مناقشة المعرفة الناتجة عنها والطبيعة الروحية لتلك الخبرات بناء على ذلك المظهر الخارجي. ولطالما دارت نقاشات حول الفكرة القائلة بأن جميع أصناف الخبرات الصوفية ومنها المعتقدات الدينية تتصل بحالات الذهان على فرض أن جميع الظواهر الذهانية تشير إلى حالة اختلال عقلي، ولقد تبين بأن الظواهر الذهانية (الهلوسات والأوهام) شائعة الظهور لدى الأشخاص العاديين وكذلك خلال التجارب الروحية التي يبدو أنها ذات طبيعة حميدة، كما ناقش العلماء فكرة أنه ليست جميع الظواهر الذهانية تشير إلى حالة اختلال عقلي، لذا لابد من إعادة تعريف مفهوم الاختلال العقلي [31]. وعند دراسة تلك الأفكار تتضح لنا الحاجة لدراسة التجارب الروحية خارج نطاق المرض.

علم الأعصاب والتجارب الصوفية

نادرًا ما تحدث أرقى التجارب الصوفية التي تتمثل في الذوبان في الحقيقة المطلقة والوجود الأبدي، إلا أن تجارب من أمثال السمو والسكينة والإحساس بالسعادة والانفصال عن الواقع تحدث بوتيرة أكبر. وبالرغم من عدم وجود دراسات عصبية محددة حول التجارب الصوفية، يبدو من المعقول استقراء النتائج من الدراسات المتعلقة بالتجارب الروحية الأخرى، طبعًا بعد التسليم بوجود وجه شبه بين تلك التجارب، حيث وردت تلك التجارب حول بعض الحالات الحيوية المعينة كالتجارب التي تسبق حالات الوفاة مباشرة وصرع الفص الصدغي والذهان وتحت تأثير المخدرات [28]. ولقد أثبتت الدراسات التي عنيت بتصوير الأعصاب من الناحيتين البنيوية والوظيفية وجود صلة بين شبكات عصبية معينة والناقلات العصبية عند حدوث تلك التجارب. لذا تجدر الإشارة هنا إلى أن توضيح الركائز الحيوية الهامة للتجارب الروحية لن يثبت أو يدحض مصداقية تلك التجارب، وذلك لأن تلك العملية تعتمد فقط على شرح الآليات المتضمنة خلال تلك التجارب. ومن منظور أكثر فلسفية يمكن القول بأن هذه العملية بالرغم من ذلك توحي بوجود حتمية حيوية مع استبعاد فكرة وجود طبيعة خارج حدود جسم الإنسان عند حدوث تلك التجارب [28، 32].

هذا وترتبط حالات الورع الزائدة والتجارب الصوفية بصرع الفص الصدغي على نحو متكرر. إلا أنه لم ترد التجارب الإيجابية على نحو كبير مع هذا النوع من الصرع، حيث فشلت العديد من الدراسات في إثبات أي علاقة بينهما لاسيما بعد السيطرة على حالات التلف الدماغي وما يصاحب ذلك من اختلال عقلي [28، 33، 34]. فالفص الصدغي، وبالتحديد الفص الأيمن، له علاقة بالتركيبة العاطفية والتوجه المكاني والزماني، والتجارب العاطفية الشديدة ومن بينها حالة رفع المزاج [28، 35]. كما تشتمل التجارب الصوفية على مضامين تتعلق بالوظائف العصبية النفسية لذلك عزيت هذه التجارب إلى الفص الصدغي الأيمن، فيما ارتبطت أقسام أخرى في الدماغ وعلى رأسها الجزء الظهري الجانبي للقشرة المخية والفصيص الجداري العلوي الخلفي بحالة التأهب وتحديد حالة الوعي والإدراك المتغير للخبرة الذاتية خلال فترة التجارب الروحية [36، 37].

هذا وترتبط ناقلات الدوبامين والسيروتونين العصبية بحالة التقوى والتجارب الروحية. إذ يمكن للدوبامين أن يزيد من درجة التدين والجوانب العاطفية الإيجابية للخبرات الروحية والدينية. ولقد تبين أن حالة السمو الذاتي تلك الصفة المرتبطة بالروحانية ترتبط بكثافة مستقبلات 5HT بصورة عكسية. كما سبق وتبين بأن العقاقير ذات المفعول المخدر كثنائي إيثيل آميد حمض الليسيرجيك-د والسيلوسيبين تخلف آثارًا سيروتونية تؤدي إلى حدوث تجارب روحية [38، 40]. لذا فمن الممتع معاينة ما إذا كان تعاطي تلك العقاقير التي تشتمل على خصائص مختلفة كمضادات الدوبامين أو مضادات السيروتونين يمكن أن تمنع ظهور تلك التجارب التي تحدث للصوفيين.

الصوفية والطب النفسي

الصراع

إن مصطلح الطب النفسي مشتق من الكلمتين اليونانيتين سوخي والتي تعني النفس أو الروح وإياتريا والتي تعني علاج ليشير هذا المصطلح إلى علاج النفس أو الروح. إلا أن المفارقة هنا تكمن في أن العلاقة بين الطب النفسي والدين أو الروحانية كانت علاقة مضطربة، كونها تأثرت كثيرًا بالتحليل النفسي. حيث اعتبر فرويد الدين حالة مرضية (العصابية) قابلة للتأويل الواقعي [41]. ولقد استمرت تلك العلاقة العدائية التي نشأت عن أفكار مماثلة للفكرة التي عرضناها حتى نهاية القرن العشرين الذي أفسح المجال لحالة عدم الاكتراث التي سادت القرن الواحد والعشرين لدرجة بدا معها الطب النفسي أمرًا يمكن للمريض احتماله. وكما يرى فولفورد [2] فإن الصراع القائم بين الطب النفسي والدين أو الروحانية هو امتداد لصراع أكثر تأصلاً بين العلم والدين أو الروحانية. ولقد أدى دمج النموذج الطبي في الطب النفسي إلى النظر إليه باعتباره أحد العلوم التجريبية القائمة على الملاحظة كوسيلة لاكتساب المعرفة. أما الدين فيقوم على المعرفة المنقولة عبر الوحي. وكما سبق وناقشنا في هذه الدراسة فإن الخبرات الصوفية تشترك مع الخبرات النبوية المتمثلة بالوحي ويمكن أن تكون وسيلة لدراسة الدين من ناحية علمية. وبذلك يمكن للصوفية أن تكون الجسر الذي يربط بين الطب النفسي والدين والذي نحن بأمس الحاجة إليه.

ومن منظور سريري يمكن القول بأن الطب العقلي يعنى بجوانب الحياة البشرية التي تحكمها حقائق علمية إلى جانب القيم الدينية [2]. ولذلك يمكن للطب العقلي أن يتطور إلى فرع معرفي عند مراعاة جوانب الحياة البشرية مع فهم أكثر شمولاً للسلوك البشري الذي يمكن أن يكون له آثار على فهم الأمراض العقلية ومعالجتها. وبذلك يحتاج الطب العقلي للابتعاد عن حالة عدم المبالاة والانخراط على نحو فعال بدراسة الدين من منظور فلسفي وسريري.

المواجهة السريرية

انتشرت الصوفية في الآونة الأخيرة في الشرق والغرب على حد سواء كما هي حال الأشكال الأخرى للروحانية، حيث تمثل الممارسات الصوفية أو مجرد الاعتقاد بها جزءًا مهمًا من منظومة المعتقدات لدى عدد كبير من الناس سواء في العالم الإسلامي أو خارجه. إلا أن الزيادة المضاعفة في المشكلات التي تتصل بالصحة العقلية خلال السنوات الأخيرة [42] يعني زيادة الأشخاص الذين سيتواصلون مع خدمات تتعلق بالصحة العقلية، وإن تواصل الأشخاص من ذوي التوجه الصوفي مع خدمات الصحة العقلية أثار مشكلات لابد من معالجتها على مستويات متعددة.

موقف المختصين بالصحة العقلية تجاه المرضى الذين يعتنقون مجموعة من المعتقدات: عالج نفسك:

ثمة أدلة تظهر بأن مراعاة الحاجات الروحية للمرضى من قبل الأخصائيين بالصحة العقلية لها فوائد يمكن أن نلمح آثارها على المرضى [43]. ولكن ولسوء الطالع ثمة العديد من المفاهيم المغلوطة السائدة حول الدين والروحانية حتى بين أخصائيي الصحة العقلية. إذ تبين في الاستبيان الذي أجراه الباحث فوسكيه [44] وآخرون بأن 45% من أخصائيي الصحة العقلية يرون بأن الدين يمكن أن يتسبب بمشكلات تتصل بالصحة العقلية. بيد أن تلك القرائن تم الخلط بينها وبين أمور أخرى حاليًا أي مع الدراسات التي تظهر الأثر الإيجابي والسلبي للمعتقدات والممارسات الروحية والدينية على الصحة البدنية والعقلية للأشخاص [6، 11]. والمثير في الموضوع هو أن الدراسات التي أظهرت بأن مستوى الرضا عن العلاج لدى الأشخاص المتدينين تختلف باختلاف درجة تدين الطبيب وتقل مع الأشخاص غير المتدينين [45].

أما الجزء المتمم للتدريب الطبي الحالي وتدريب الصحة العقلية فيشتمل على غرس موقف عقلي أكثر موضوعية لدى الأخصائيين والذي بدوره يشتمل وعلى نحو ضمني على إخراج المعتقدات والممارسات الدينية والروحية خارج الأجواء السريرية. فكما أشار الباحث ديسوزا [46]، فإن هذه الموضوعية قد انحرفت عن مسارها واقتصرت على قيام المرضى بالاحتفاظ بمعتقداتهم وحاجاتهم الدينية والروحية خارج بيئة العلاج سواء على نحو واع أو غير واعي وبذلك فشلت تلك الموضوعية في الاحتفاظ بهدف الرعاية الطبية الأساسي ألا وهو صحة الفرد. وهذا بدوره يستدعي قيام أخصائيي الصحة العقلية لبذل جهود في سبيل فهم المعتقدات والممارسات الصوفية مع تزايد عدد الأشخاص الذين أصبحوا على تماس مع خدمات الصحة العقلية ضمن عدد متزايد من المناطق الجغرافية. ولكن لابد من مراعاة نوع الرعاية المناسبة إذ أنه لا ينبغي لأخصائيي الصحة العقلية أن يعدوا وصفات طبية بالمعتقدات الدينية أو الروحية ليقوموا في نهاية المطاف بفرضها على المرضى.

تقييم المعتقدات والممارسات الصوفية: لمحة تاريخية

مهما بلغت شمولية تقييم المرضى العقليين فإنه لابد وأن يتم إغفال تقييم معتقداتهم وممارساتهم الروحية. وهذا بحد ذاته مدعاة للسخرية لاسيما في البيئة الشرقية التي تمثل فيها الروحانية التي تمثل المعتقدات والممارسات الصوفية فيها جزءًا لا يتجزأ من البيئة الثقافية. وتكمن بذور هذا النوع من التجاهل في النموذج الطبي للطب النفسي الذي يتبعه أخصائيو الصحة العقلية هذا على نحو رئيسي. أما على نحو جزئي فيعود ذلك لعدم وجود أي تدريب أو اهتمام أو وقت أو حتى قلق تجاه هذا الموضوع [44].

وبعيدًا عن كون الروحانية تضم مجموعة من المعتقدات والممارسات، تدعي الروحانية ومنها الصوفية تقديم إجابات عن بعض الأسئلة الأساسية التي تدور حول الحياة والموت والتي يكون لها أهمية أكبر خلال أوقات المرض [46]. لذا ليس من المدهش أن تقلل المعتقدات الدينية والروحية من حالات الانتحار لدى المرضى النفسيين [47]. ولهذا يجب أن يجرى تقييم للمعتقدات الدينية والروحية وكذلك الصوفية كإجراء روتيني لتقييم وضع المرضى العقليين. وبذلك تتم صياغة خطة إدارية تركز على المرضى على نحو أكبر وتستعين بنقاط القوة في المجال الروحاني لدى المرضى [48].

هذا وينبغي إجراء تقييم المعتقدات والممارسات الصوفية بحسب ما يناسب كل مريض. ومن الأفضل تأجيل هذا التقييم لدى المرضى الذين يعانون من حالات شديدة ما لم تسهم الاهتمامات الصوفية بتفاقم تلك الحالات. وكنوع من الروتين يمكن أن يعقب هذا التقييم الموجز بتقييم أكثر شمولية يعتمد على احتياجات المريض. وثمة العديد من الطرائق المتبعة لإجراء التقييم الموجز والتي تم اقتراحها لإجراء التقييم المتعلق بالروحانية عمومًا والتي يمكن أن تسهم في الكشف عن المرضى بغية إجراء المزيد من التقييمات المعمقة [49، 50]. ولذلك نقترح البدء بالنواحي الروحية الأربع التي أشار إليها كل من كوينيغ وبريتشيت ليتم الكشف عنها عند إجراء أي تقييم عقلي. إلا أنه لابد من تعديل تلك النواحي لإجراء تقييم للمعتقدات والممارسات الصوفية. لذا يجب أن يشتمل التقييم الأولي على النقاط التالية:

–       الإيمان: أهمية الإيمان في الحياة اليومية؟ يتزايد عدد الأشخاص الذين يعتنقون أديانًا مختلفة ممن يتبعون المعتقدات والممارسات الصوفية إلى جانب المسلمين. لذا لابد لنا أن نتوقع ظهور خليط متنوع من المعتقدات والممارسات.

–       التأثير: أثر الدين على الحياة وعلى الماضي والحاضر؟ يمكن للممارسات الصوفية المتمثلة بامتهان النفس ورغباتها أن تؤدي إلى تغيرات هائلة في الحياة العملية وذلك بعيدًا عن التأثير على منظومة المعتقدات، الأمر الذي ينبغي لنا استيعابه وفهمه من الزاوية المناسبة.

–       الجماعة: ويقصد بذلك الانتماء لأي جماعة دينية أو روحية؟ إذ ينتمي جميع المتصوفة تقريبًا لسلسلة أو أخرى قد تختلف عنها كثيرًا من حيث المعتقدات والممارسات. وإن البحث في تلك السلاسل قد يزودنا بإطار لفهم وجهة نظر شخص معين تجاه الصحة والمرض.

–       التوجه: أي الاحتياجات الروحية الواجب معالجتها؟ فقد ينبغي إدراج المرشد الصوفي الذي بايعه شخص معين ضمن الخطة العلاجية وذلك بغية تلبية الاحتياجات الروحية.

–       المقابلة الشاملة والموسعة من وجهة نظر سريرية وأخرى روحانية، والتي يمكن أن تعقب ذلك بناء على احتياجات المريض التي لم يتم تلبيتها خلال مرحلة الكشف [51].

اعتبارات تشخيصية

يمكن للممارسات والمعتقدات الصوفية أن تسهم في الصحة العقلية كما يمكن أن تلعب دورًا عند المرض. وقد تتراوح الفوائد ما بين إعطاء معنى للحياة والتغلب على مشكلاتها بأفضل صورة وتحسين نمط الحياة والصحة العقلية والشفاء السريع من الأمراض العقلية. وبالمقابل قد تؤدي هذه الممارسات والمعتقدات أحيانًا إلى حدوث انتكاسات حادة كما يمكن أن تكون سببًا في ظهور مرض عقلي أو أن تسهم في الحالة المرضية النفسية.

علم تصنيف الأمراض

يسهم الدليل التشخيصي والإحصائي للاختلالات العقلية في طبعته الرابعة التي تمت مراجعتها في إدراج العوامل الروحية والدينية بطريقتين بالنسبة للأشخاص الذين يعانون أو لا يعانون من مرض عقلي. حيث يتم ترميز المشكلات الدينية والروحية بالرمز V وفقًا لشروط يمكن أن تكون محور الاهتمام السريري. وإلى جانب ذلك وبموجب نظام التشخيص الذي يعتمد على محاور متعددة والوارد في الدليل التشخيصي والإحصائي للاختلالات العقلية في طبعته الرابعة التي تمت مراجعتها. يتحدث المحور الرابع عن العوامل النفسية والاجتماعية والبيئية التي يمكن أن تؤثر على تشخيص ومعالجة والتنبؤ بظهور الاضطرابات العقلية (المحور الأول والثاني) حيث يمكن وضع المشكلات الروحية والدينية التي لا تصل إلى عتبة الرمز V. وقد تشمل المشكلات الروحية والدينية مشكلة اعتناق دين جديد (ويشمل ذلك الطوائف الجديدة) ورفض الدين السابق أو فقدان الإيمان، أو تكثيف المعتقدات والممارسات أو تجارب الإحساس بالذنب أو التجارب الصوفية أو تجارب ساعات الاحتضار أو ردود الفعل على مرض الوفاة [52، 53].

تمييز التجارب الصوفية عن الظواهر الذهانية

تأتي التجارب الصوفية بأشكال متنوعة وتشمل مجالات الفكر والإدراك والشعور. ومن المستحيل أن يتمكن العلماء من ملاحظة معظم هذه التجارب على نحو سريري وذلك لسببين: أولهما أن تلك التجارب متجذرة في البيئة الروحانية الثقافية التي خرج المرء منها، وثانيهما أن هنالك نذر يسير من حالات الاختلال الوظيفي التي تتسبب بها تلك التجارب. ومعظم التجارب التي تمت مراقبتها سريريًا يمكن تمييزها بناء على الظواهر التي تحكمها. أما محتوى التجربة سواء أكانت تجربة روحية أو ذهانية فتحدده الثقافة والحضارة وقد لا يكون له أي تأثير على التشخيص، بل إن شكل التجربة هو ما يميز بينهما ويمكن أن يكشف التشخيص.

هذا ويجب أن تمنع حالة تمييز شكل التجربة عن محتواها من حالات الخلط بينها وبين الماضي بوصفه جنونًا دينيًا. بيد أن الظواهر المشابهة لأعراض الذهان (الأوهام والهلوسات) بناء على أسس تتعلق بالظاهرة (الشكل) تحدث بالفعل خلال التجارب الروحية الحميدة على ما يبدو. وإن عملية تمييز تلك التجارب توصلنا للأسئلة المتعلقة بصحة مفهوم المرض العقلي من جهة والتجارب الروحية من جهة أخرى. ولهذا ليس من المستغرب مناقشة تلك الآراء المختلفة من النقيض إلى النقيض حول طبيعة تلك التجارب وذلك عبر وصفها جميعًا بأنها إما ذهانية أو روحية وذلك بناء على ميول الشخص ونزعاته. وثمة رؤية أكثر اتزانًا ألا وهي الرؤية التي تشير إلى أن التمييز بين تلك التجارب المتشابهة من حيث نوع الظاهرة، يمكن أن تبنى على قيمة عاطفية انفعالية (وذلك لأن التجارب الروحية تكون إيجابية في الغالب) والطبيعة الغالبة (حيث تكون التجارب الروحية أقل سيطرة) والاختلال الوظيفي (وذلك لأن التجارب الروحية تكون غالبًا أقل اختلالاً من الناحية الوظيفية). وكما يرى جاكسون وفولفورد [31] فإن الأمر متعلق بالطريقة التي تندرج من خلالها تلك التجربة ضمن القيم والمعتقدات التي يتبناها المرء، وإن هذه الفروقات غنية بالقيم ولذلك فهي تختلف باختلاف الثقافات كما أنها موضع للشك.

الصوفية والعلاج النفسي

تمثل المعتقدات الروحية والدينية وسيلة هامة للتغلب والتعايش مع الضغط النفسي لدى عدد كبير من الناس. إلا أن هذه الناحية لم تنل نصيبها من الاهتمام من قبل الأخصائيين في الصحة العقلية لسوء الحظ. بيد أن الدين والروحانية قد تم دمجهما مؤخرًا في عملية العلاج ونجم عن ذلك نتائج تبشر بالخير [46، 54]. وإن عملية استيعاب الروحانية ضمن عمليات العلاج النفسي أتت إما على شكل زيادة في الأسلوب العلاجي الموجود أصلاً أي العلاج المعرفي الذي يتم عبر زيادة العنصر الروحاني فيه أو عبر تطوير الأساليب الجديدة على نحو يجعل من الروحانية جوهر تلك الأساليب وهذا ما يعرف بالعلاج النفسي المتجاوز للشخصية. وبالرغم من دمج المعتقدات والممارسات الصوفية في هذا النوع من العلاج النفسي، إلا أنه لا توجد أية معلومات مدونة حول دمج تلك العناصر في أنماط العلاج السلوكي المعرفي.

العلاج السلوكي المعرفي الذي تمت زيادة العنصر الروحاني فيه

وهو بالأساس علاج سلوكي معرفي يقوم بدمج منظومة المعتقدات التي يتبناها المرء، لاسيما المعتقدات الروحانية منها وذلك بهدف التركيز على القضايا الوجودية، بحيث يعتمد المعالج على المعتقدات والممارسات الروحية التي يؤمن بها المرء مثل التأمل والصلاة وغيرها، دون أن يحاول المعالج خلال أي مرحلة من المراحل زرع معتقداته الشخصية أو أية معتقدات أخرى لا يؤمن بها المريض خلال فترة العلاج التي تمتد ما بين 10 إلى 16 جلسة بحيث تستمر كل جلسة ما بين 45 إلى 70 دقيقة على أن تعقد جلسة واحدة كل أسبوع. ولقد أثبت هذا العلاج فعالية خلال المحاولات التي تم ضبطها مع الحد من حالات الانتكاس والعودة للإقامة في المشافي ضمن المجموعة التي تم تطبيق العلاج عليها [46]. كما قد يكون للأفكار الصوفية كالصبر والتوكل على الله والرضا والاعتقاد بأن الله غفور رحيم أثر كبير في تغيير الأفكار المعرفية السلبية كما أن ربطها بالممارسات الصوفية مثل الذكر والشكر يمكن أن يخلق الإطار والسياق المناسب للعلاج السلوكي المعرفي الذي يعتمد على زيادة العنصر الروحاني بالنسبة للمؤمنين بالصوفية.

العلاج النفسي المتجاوز للشخصية

يعتمد هذا العلاج على الفكرة القائلة بأن البشر مخلوقات روحانية بالضرورة ومن هنا فإن الصفات الجوهرية المرتبطة بالروحانية تمثل أهداف العلاج النفسي المتجاوز للشخصية [55]. ولذلك فإن دور المعالج مع هذا النوع من العلاج يختلف من مرشد روحي إلى الزائر الروحي المصاحب، بحيث يبتعد المعالج عن تعزيز أية فلسفة روحية معينة بل يقوم المتلقي بقيادة وتحديد المحتوى الروحي للعلاج [56]. ولقد تم دمج عدد من الممارسات الروحية ومنها الصوفية واليوغا والتشيقونغ والآيدكودو ضمن العلاج النفسي المتجاوز للشخصية. كما تم تطبيق هذا النوع من العلاج مع الحزن المرضي والأزمات العاطفية والاضطرابات الذهانية والاضطرابات الناتجة عن تعاطي المخدرات. ويمكن لهذا العلاج أن يكون أساس الصلة التي يمكن أن تقوم بين المعالجين التقليديين الذين يعتمدون على المعتقدات الروحية وبين خدمات رعاية الصحة العقلية. وبالنظر إلى أن السواد الأعظم من الناس ينشد المعالجة التقليدية عبر المعتقدات والإيمان يمكن القول بأنه قد يكون لهذا العلاج أثر كبير على الصحة العامة [57].

الصوفية وخدمات رعاية الصحة العقلية

ثمة عدد كبير من المرضى المصابين بأمراض عقلية يبقى دون علاج أو يطلب مساعدة المعالجين الروحيين وذلك في معظم البلدان النامية. وتعود أسباب ذلك لمنظومة المعتقدات التي يتبناها الناس والتي تغذي وتعزز تفسير الأمراض العقلية بتوجهات روحية إلى جانب غياب خدمات رعاية الصحة العقلية في معظم المناطق الريفية. وخير شاهد على ذلك تجمهر عدد كبير من الأشخاص الذين يعانون من أمراض عقلية في مزارات الأئمة الصوفيين بحثًا عن علاج لتلك الأمراض. ولقد تسببت النار التي كانت تشعل في مزار أحد الأئمة الصوفيين وهو شهيد ولي الله في الهند بوفاة 28 شخصًا كانوا يعانون من أمراض عقلية وفي ذلك حادثة أليمة تذكرنا بالثمن الذي دفعه هؤلاء مقابل عدم دمج المعتقدات الروحانية للناس ضمن خدمات رعاية الصحة العقلية [58]. غير أن عملية الدمج هذه يجب أن تكون مزدوجة وذلك على النحو الآتي:

دمج المعالجين الروحيين أو الصوفيين ضمن منظومة تقديم رعاية الصحة العقلية، الأمر الذي قد يتضمن إجراء تدريب أساسي للتعرف على الأمراض العقلية والإحالات المناسبة عند الحاجة.

دمج المعتقدات والممارسات الروحية أو الصوفية ضمن عملية العلاج والتي يمكن أن تزيد من الاعتماد على خدمات الصحة العقلية من قبل الأشخاص من ذوي التوجهات الروحانية.

هذا وتتطلب عملية دمج المعتقدات والممارسات الروحية ضمن منظومة تقديم الرعاية الصحية العقلية بذل جهود على مستوى المؤسسات والأفراد. كما يجب ربط توعية المتدربين في مجال الصحة العقلية تجاه الاحتياجات المتعلقة بالأمور الروحية بدافع معين. وينبغي أن يركز التدريب على فهم الروحانية كجزء هام من سعي المرء للحصول على المساعدة مع استيعاب شامل لمنظومة المعتقدات التي يتبناها الناس في المنطقة التي يتم فيها تقديم تلك الخدمات [43].

خاتمة

تمثل المعتقدات والممارسات الصوفية جزءًا لا يتجزأ من منظومة المعتقدات التي يتبناها أغلب الناس ليس فقط في العالم الإسلامي بل في العالم الغربي أيضًا حيث بدأت الصوفية تشق طريقها نحو الانتشار. وتلعب الصوفية دور حلقة الوصل تجاه فهم حالة الوحي الذي هو مصدر المعرفة الدينية في الإسلام وفي الأديان السامية الأخرى، إلى جانب فهم آثار الصحة العقلية التي يتمتع بها من يؤمن بالصوفية ومن يمارسها بطريقة مفيدة. إلا أن ندرة الأدلة القائمة على الأبحاث العلمية والتي يمكن أن تقودنا للتوصل إلى نتائج في هذين المجالين، تشير إلى وجود حاجة ماسة للبحث العلمي لتطوير وسيلة صحيحة من الناحية العلمية بغية دمج الممارسات والمعتقدات الصوفية ضمن نظام رعاية الصحة العقلية وذلك قبل أن تحل محلها أي عقيدة أخرى. وفي الوقت ذاته ينبغي ألا ينجرف المختصون بالصحة العقلية نحو ممارسة دور الواعظين وذلك عبر ترسيخ معتقدات وممارسات المتصوفة، بل يجب أن ينحصر دور أولئك في الاستفادة من تلك المعتقدات والممارسات ضمن البيئة التي تكون فيها جزءًا من منظومة المعتقدات التي يتبناها الناس.

ترجمة: محمد الطبل

*** *** ***

REFERENCES

  1. Dostoevsky F. In: The Brothers Karamazov.Constance G, editor. New York: Barnes and Noble Classics; 2004.
  2. Fulford KW. Religion and psychiatry: Extending the limits of tolerance. In: Bhugra D, editor. Psychiatry and Religion: Context, Consensus and Controversies.London: Routledge; 1996. pp. 5–22.
  3. Basu S. How the spiritual dimension of health was acknowledged by the world health assembly – A report. New Approaches Med Health. 1995;3:47–51.
  4. Sims A. ‘Psyche’ – Spirit as well as mind? Br J Psychiatry. 1994;165:441–6.
  5. Puchaski C, Larson D, Lu F. Spirituality in psychiatry residency training programs. Int Rev Psychiatry. 2001;13:131–8.
  6. Fehring RJ, Brennan PF, Keller ML. Psychological and spiritual well-being in college students. Res Nurs Health. 1987;10:391–8.
  7. Braam AW, Beekman AT, Deeg DJ, Smit JH, van Tilburg W. Religiosity as a protective or prognostic factor of depression in later life; results from a community survey in The Netherlands. Acta Psychiatr Scand. 1997;96:199–205.
  8. Koenig HG, George LK, Peterson BL. Religiosity and remission of depression in medically ill older patients. Am J Psychiatry. 1998;155:536–42.
  9. Kendler KS, Liu XQ, Gardner CO, McCullough ME, Larson D, Prescott CA. Dimensions of religiosity and their relationship to lifetime psychiatric and substance use disorders. Am J Psychiatry. 2003;160:496–503.
  10. Pargament KI, Koenig HG, Tarakeshwar N, Hahn J. Religious struggle as a predictor of mortality among medically ill elderly patients: A 2-year longitudinal study. Arch Intern Med. 2001;161:1881–5.
  11. Ai AL, Pargament K, Kronfol Z, Tice TN, Appel H. Pathways to postoperative hostility in cardiac patients: Mediation of coping, spiritual struggle and interleukin-6. J Health Psychol. 2010;15:186–95.
  12. Addas C. In: Quest for the Red Sulphur: The Life of Ibn Arabi.Kingsley P, editor. Cambridge: The Islamic Texts Society; 1993.
  13. Iqbal M. The Reconstruction of Religious Thought in Islam.London: Oxford University Press; 1934.
  14. Smith M. Studies in Early Mysticism in the Near and Middle East.Oxford: Oneworld; 1995.
  15. Armstrong K. Islam: A Short History.London: Phoenix Press; 2001.
  16. Dehlvi S. Sufism: The Heart of Islam.New Delhi: Harper Collins Publishers India; 2009.
  17. Hujwiri AB. In: Kashf al-Mahjub….Nicholson RA, editor. Delhi: Adam Publishers Delhi; 2006.
  18. Al-Sarraj AN. In: Kitab al-Luma fi l Tasawwuf.Nicholson RA, editor. Montana: Kessinger Publishing; 2007.
  19. Schimmel A. Mystical Dimensions of Islam.North Caroline: University of North Carolina Press; 1975.
  20. Karamustafa AT. Sufism: The Formative Period.Edinburg: Edinburg University Press; 2007.
  21. Rizvi SA. Early Sufism and Its History in India to AD 1600.Vol. 1. New Delhi: Munshiram Manoharlal; 1997. A history of Sufism in India.
  22. Arberry AJ. Sufism: An Account of the Mystics of Islam.New Delhi: Cosmo Publications; 2003.
  23. Batuta I. In: The Travels of Ibn Batuta.Lee S, editor. Montana: Kessinger Publishing; 2009.
  24. Chittick WC. The Sufi Path of Knowledge: Ibn Al-Arabi’s Metaphysics of Imagination.New York: State University of New York Press; 1989.
  25. Frager R. Essential Sufism.San Francisco: Harper; 1997.
  26. Nurbakhsh J. The Psychology of Sufism: Del wa Nafs.Indiana: Khaniqahi-Nimatullahi Publications; 1992.
  27. Pickthall MW. The Glorious Qur’an.New York: Tahrike Tarsile Qur’an; 2001.
  28. Fenwick P. The neurobiology of religious experience. In: Bhugra D, editor. Psychiatry and Religion: Context, Consensus and Controversies.London: Routledge; 1996. pp. 167–77.
  29. Lipsedge M. Religion and madness in history. In: Bhugra D, editor. Psychiatry and Religion: Context, Consensus and Controversies.London: Routledge; 1996. pp. 23–50.
  30. Attar FD. In: Muslim saints and mystics: Episodes from the Tadhkirat al-Auliya (memorial of the saints)Arberry AJ, translator. Iowa: Omphaloskepsis; 2000.
  31. Jackson M, Fulford KW. Spiritual experience and psychopathology. Philosophy Psychiatry Psychology. 1997;4:41–65.
  32. Andrade C, Radhakrishnan R. The biology of spirituality: Religion from a pill. In: Sharma A, editor. Spirituality and Mental Health.Delhi: Indian Psychiatric Society; 2009. pp. 517–30.
  33. Sensky T, Fenwick P. Religiosity, mystical experience and epilepsy. In: Rose C, editor. Progress in Epilepsy.London: Pitman; 1982.
  34. Tucker DM, Novelly RA, Walker PJ. Hyperreligiosity in temporal lobe epilepsy: Redefining the relationship. J Nerv Ment Dis. 1987;175:181–4.
  35. Newberg AB, Lee BY. The neuroscientific study of religious and spiritual phenomena: Or why God doesn’t use biostatistics. Zygon: J Religion Sci. 2005;40:469–89.
  36. Muramoto O. The role of the medial prefrontal cortex in human religious activity. Med Hypotheses. 2004;62:479–85.
  37. Giordano J, Engebretson J. Neural and cognitive basis of spiritual experience: Biopsychosocial and ethical implications for clinical medicine. Explore (NY) 2006;2:216–25.
  38. Newberg AB, Iversen J. The neural basis of the complex mental task of meditation: Neurotransmitter and neurochemical considerations. Med Hypotheses. 2003;61:282–91.
  39. Lerner M, Lyvers M. Values and beliefs of psychedelic drug users: A cross-cultural study. J Psychoactive Drugs. 2006;38:143–7.
  40. Griffiths RR, Richards WA, McCann U, Jesse R. Psilocybin can occasion mystical-type experiences having substantial and sustained personal meaning and spiritual significance. Psychopharmacology (Berl) 2006;187:268–83.
  41. Littlewood R. Psychopathology, embodiment and religious innovation: An historical instance. In: Bhugra D, editor. Psychiatry and Religion: Context, Consensus and Controversies.London: Routledge; 1996. pp. 178–1197.
  42. The World Health Report. Mental Health: New Understanding, New Hope.Geneva: World Health Organization; 2001. [Last retrieved 2008 Jul 7]. World Health Organization. Available from: http://www.who.int/whr/2001/en/
  43. Jones K, Bhugra D. Religion, culture and mental health: Challenges now and into the future. In: Sharma A, editor. Spirituality and Mental Health.Delhi: Indian Psychiatric Society; 2009. pp. 517–30.
  44. Foskett J, Mariott J, Wilson-Rudd F. Mental health, religion and spirituality: Attitudes, experiences and expertise among mental health professionals and religious leaders in Somerset. Mental Health Religion and Culture. 2004;7:5–22.
  45. Keating AM, Fretz BR. Christians’ anticipations about counselors in response to counselors descriptions. J Counseling Psychol. 1990;37:293–6.
  46. D’Souza R. Fostering spirituality and well-being in clinical practice. In: Sharma A, editor. Spirituality and Mental Health.Delhi: Indian Psychiatric Society; 2009. pp. 517–30.
  47. Rasic DT, Belik SL, Elias B, Katz LY, Enns M, Sareen J, et al. Spirituality, religion and suicidal behavior in a nationally representative sample. J Affective Disorder. 2009;114:32–40.
  48. Cox JL. Psychiatry and religion: A general psychiatrist’s perspective. In: Bhugra D, editor. Psychiatry and Religion: Context, Consensus and Controversies.London: Routledge; 1996. pp. 178–1197.
  49. Koenig HG, Pritchett J. Religion and psychotherapy. In: Koenig HG, editor. Handbook of Religion and Mental Health.San Diego: Academic Press; 1998. pp. 323–36.
  50. Lo B, Quill T, Tulsky J. Discussing palliative care with patients. Ann Intern Med. 1999;1130:744–9.
  51. Josephson AM, Peteet JR. Worldview in diagnosis and case formulation. In: Josephson AM, Peteet JR, editors. Handbook of Spirituality and Worldview in Clinical Practice.Washington: American Psychiatric Publishing, Inc; 2004. pp. 15–30.
  52. Turner RP, Lukoff D, Barnhouse RT, Lu FG. Religious or spiritual problem: A culturally sensitive diagnostic category in the DSM-IV. J Nerv Mental Dis. 1995;183:435–44.
  53. Diagnostic and Statistical Manual of Mental Disorders.4th edition. Washington: American Psychiatric Publishing, Inc; 2000. American Psychiatric Association.
  54. Propst RL, Ostrom R, Watkins P, Dean T. Comparative efficacy of religious and non-religious cognitive-behavioural therapy for the treatment of clinical depression in religious individuals. J Consulting Clin Psychol. 1992;60:94–103.
  55. Sperry L. Spirituality in Clinical Practice.Philadelphia: Brunner-Routledge; 2001.
  56. Vaughan F. Spiritual issues in psychotherapy. J Transpersonal Psychol. 1991;23:105–20.
  57. Lukoff D, Lu F. A transpersonal-integrative approach to spiritually-oriented psychotherapy. In: Sperry L, Shafranske EP, editors. Spiritually Oriented Psychotherapy.Washington: American Psychological Association Press; 2005. pp. 177–206.
  58. Krishnakumar A. Deliverance in Erwadi. Frontline.2001. Aug 18-31, [Last retrieved 2009 April 30]. Available from: http://www.frontlineonnet.com/fl1817/18171280.htm .

______________________

*نقلًا عن موقع ” معابر “.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى