الدراسات والبحوث

التجلِّيات الوجوديَّة للحروف تأويليَّة اللُّغة العرفانيَّة عند الشيخ العلاَّوي

رزقي بن عومر

التجلِّيات الوجوديَّة للحروف تأويليَّة اللُّغة العرفانيَّة عند الشيخ العلاَّوي

رزقي بن عومر

تمهيد:

الحديث عن اللُّغة في العرفان، هو حديث البدايات والنهايات، بحيث لا تنفكُّ حركة العارف منذ كان مريداً، إلى أن أصبح سالكاً، ثمَّ عارفاً محقِّقاً، عن أن تجعله ابن هذه اللُّغة التي هي لغة الوجود والكينونة، بل هي مرتبة من مراتب تجلِّيات الحقِّ تعالى.

ولا بدَّ من القول أنَّ ما أهَّل الصوفيَّة للكشف عن مخبَّآت الحروف والكلمات والعبارات هو منهجهم في الحياة القائم على البحث عن المعنى الذي يجمعهم على الحقيقة، ويبقيهم في مجال التحقيق الوجوديّْ. فالوجود لا يخلو من الحكمة والقدرة، ولا مجال فيه للفراغ والعبثيَّة؛ بل ما من شيء يظهر في ساحته إلاَّ وفيه إشارة إلى الوجود الحقِّ، وكل ما له علاقة به من صفات وآثار بما فيها الوجود الرقميُّ والخطيّْ. وللحقِّ وجودٌ وصفةُ وفعل وأثرٌ يكشف فيه عن خواصِّ أعمال ينجم عنها تكميل وعلاج وإيجاد ذلك، شرط أن تتوفَّر خاصيَّة الحضور الإلهيِّ، أي الإنسان المتحقِّق بالكمال الإلهيّْ.

 

1 ـ في الطريق إلى لغة الوجود:

نجد في أدب العرفاء أنَّ قول “بسم الله من العارف ككلمة “كُن” من الحق عزِّ وجل”، فهي كلمة أثبتت المفعول، وضمير الباء أثبت الفاعل، وضميرها هو ضمير الإنسان الكامل، أو نقول روح الوجود”[1]. لذا، فباسم الله عند العارف هي كلمة إيجاد على الحقيقة، وهذا يكشف عن علاقة خاصَّة يعقدها العارف باللُّغة، فهو لم يجلس في بساط التعليم لكي يتعلَّم رسمها، أو يحصِّل خصائصها ومعانيها فيحفظها عن ظهر قلب، كما يفعل غيره من علماء الرسوم. فالعارف في مرحلة التكوين كان يهذِّب ملكاته باسم الله ويتمثَّلها، ويتجرَّد بتجرُّد الاسم. كان يستَكِن المعنى ولا ينهي مرحلة التكوين حتى يكون مظهراً لاسم الله تعالى، أي عارفاً كاملاً.

في هذا الإطار، يرى الشيخ عبد الكريم الجيلي، أنَّ مقصود العرفاء في استِكْناه الحروف والكلمات هو الكشف عن الحقائق الدالَّة على الحقِّ تعالى وكمالاته: “والكلام عليها (البسملة)، في منافعها وأسرارها، ولسنا بصدد شيء من ذلك في وجوه، بل كلامنا عليها من وجه معاني حقائقها في ما يليق بجناب الحقِّ سبحانه وتعالى”[2].

بهذا الاعتبار، تكون علاقة العارف باللُّغة هي علاقة اتِّحاد بالوجود، يتجذَّر وجوديَّاً برزخاً بين اللَّفظ والمعنى، فهو مع معنى المعاني بباطنه ومع الألفاظ والأكوان بظاهره، وهذه خاصيَّة اكتسبها أوَّلاً في مرحلة الإرادة بالذِّكر مع وجود شيخ يسلك به مقامات الكمال والوجود من الفرق إلى الجمع، وصولاً إلى الفرق الثاني. وأهمُّ سبيل في التربية الذِّكر بالاسم المفرد (الله)، والتدرُّب في نطقه بما يحقِّق الفناء فيه، وتخيُّل رسمه حتى تتمدَّد أنواره لتشمل الآفاق.

نكتفي بأبيات للشيخ العلاَّويِّ توضح ذلك، فبعد ذكر حقيقة الشيخ يذكر مهمَّته:

يوضحُ لكَ السبيلَ للـــحقِّ قاصــداً         بـــذلك وجــــهَ الله جــــــلَّ وتعــالـى

وينهضُ بكَ في الحـالِ عند لقائــهِ          ويضعُ لكَ قدمـاً في السير إلى المولى

فبتشخيصِ الحروفِ تحظى بفضلهِ        إلى أن ترى الحروفَ في الآفاق تُجلى

وليس لها ظهــــــور إلاَّ في قلبـــكَ        وبتمكُّنِ الاسمِ تـــرتحلُ الغفـــــــــــــلا

فعظِّمن الحروفَ بقدرِ وسعــــــــكَ        وارسمْها على الجمــيعِ علويَّاً وسُفــــلا

وبعد تشخيصِ الاسمِ ترقى بنـورهِ          إلى أن تفنى الأكــوانُ عنكَ وتــــــــزولا.[3]

 

قبل أن يصل المريد إلى مرتبة التحقيق، وبالتالي شهود الوجود الإلهيِّ قاهراً لجميع المراتب، ومُستوياً عليها، وظاهراً فيها (شهود الوحدة في الكثرة والكثرة في الوحدة)، يمرُّ بفترة التكوين والتدريب على يد شيخ سلك الطريق نفسه، وتمكَّن من معالمه كلِّها، فيعلِّمه الاعتبار بمفهومه الصوفيِّ، بحيث يتدرَّج في الخروج من الوهم الذي كان نتيجة الغفلة عن الحقيقة عبر الذِّكر والتفكُّر فيه، مهذِّباً لحواسِّه لاسيَّما حاسَّة البصر، جاعلاً إيَّاها تابعة للاتِّصال بالباطن بعد إغماضها في حالات الذِّكر في البداية، “أمَّا السير الغالب الذي كان يعتمده، واعتمدناه نحن من بعده أيضاً، فهو أن يكلَّف المريد بذكر الإسم المفرد مع تشخيص حروفه، حتى ترتسم الحروف في مخيَّلته، ثمَّ يأمره ببسطها وتعظيمها إلى أن تملأ الخافقين، ويديم الذِّكر على تلك الهيئة إلى أن تنقلب صفاتها إلى شبه النور”[4]. ويبدأ الشيخ في تدريج المريد إلى أن يصل به إلى الاستغراق في عالم الإطلاق، فيتمكَّن من شهود النور المجرَّد، وبعد ذلك يتنزَّل المريد عبر المراتب حتى يشعر بوجوده، ويرجع إلى عالم الشهادة، فيصير يرى ببصره ما تراه بصيرته لأنَّ بصره في هذا الحال هو عين بصيرته[5]. وهكذا تجتمع له الرؤيتان القلبيَّة والبصريَّة.

ويجدر القول أنَّ هذا الأمر لا يكون إلاَّ إذا انعكست الأبصار بصائر، فيرى المريد ببصر ملكه المكوِّنات والحروف والكلمات من جملتها، ويرى ببصر ملكوته الحقَّ المجرَّد. لكنَّ هذه الرؤية ممتنعة لدى عموم الناس (رؤية المطلق في المقيَّد)، أو لنقل ظهور الحقِّ في المكوِّنات، وسبب امتناعها ليس كونها مستحيلة في ذاتها، و”إنَّما الامتناع متوقَّع من عدم استعداد الأبصار، لذلك قال بعض الأكابر: إنَّ المانع من رؤية الحقِّ في هذه الدار هو عدم معرفة الخلق له، وإلاَّ فإنَّهم يرون ولا يرونه، أي فلا يعرفون أنَّ ذلك المرئيَّ لهم هو الحقُّ، فيكون الحجاب متوقَّعاً من قبيل البلادة لا غير”.[6]

في الذِّكر يتمُّ التعامل مع الحروف لفظاً ورسماً لتكون مرقاة إلى فضاء الوجود المطلق والمقيَّد، لذلك ينعكس في النهاية بأن يكون الحرف باعتباره بسيط الكلمات، يحمل في ذاته نورانيَّة يتجلَّى فيها الحقُّ تجلِّياً بكلِّ مراتبه.

 

2 ـ من التدوين إلى التكوين:

لا بدَّ من القول أنَّ فهم معاني الحروف عند الصوفيَّة، شأنه شأن أيِّ معنى لأيِّ حقيقة، بحيث يتلقَّى الصوفيُّ فهمها من الله تعالى ليس فيه تعمل تفكير ولا توظيف حافظة، لكنَّ القارئ لنصوصهم  في هذا المجال يتلقَّى هذه المعاني حفظاً وتحصيلاً، ففي رسالة الشيخ العلاَّوي بعنوان الأنموذج الفريد المشير لخالص التوحيد يستهلُّ الكلام بقوله: ” إنِّي جمعت هذه السطور حسبما سمح لي به الشعور، والباعث على تحريرها رغبتي في هذا الفنِّ العظيم، واهتماماً بما ورد في الأثر الفخيم من ” أنَّ كلَّ ما في الصحف الأولى منطوٍ في نقطة بسم الله الرحمن الرحيم”[7]، وكان الكتاب يبحث في المعاني التوحيديَّة التي تتضمَّنها حروف البسملة جرياً على نهج الشيخ عبد الكريم الجيلي في كتابه “الكهف والرَّقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم”، اكتفى الشيخ العلاوي بتجلية معاني النقطة والألف والباء فحسب، منبِّهاً إلى أنَّه “من الممكن ذكر كلِّ حرف على حدة، والإتيان ببعض مكنوناته، ولما في ذلك من التطويل نقتصر على القليل من القليل، وقد تقدَّم ما للألف من الإحاطة والشمول بكلِّ حرف، فإحاطته بها من حيث الأوليَّة والآخريَّة إحاطة دوريَّة، ومن حيث الظهور والبطون إحاطة عينيَّة…”.[8]

في سياق آخر، وفي تفسيره للقرآن الكريم من خلال كتابه “البحر المسجور في تفسير القرآن بمحض النور”، يتعرَّض لتوضيح الرواية القائلة إنَّ للقرآن أربعة وجوه هي: حدٌّ ومطلع وظهر وبطن، ويقول: “ولا تحسبنَّ هذه الوجوه توجد في كتاب الله من حيث الإجمال، كلا، إنَّما هي في كلِّ آية وكلمة، إن لم نقل في كلِّ حرف. فالحرف قرآن، كما أنَّ عموم الكتاب قرآن، ولهذا قال جلَّ ذكره: (سنلقي عليك قولاً ثقيلا). وقال: (الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه).  فعبَّر بالقول من دون اللَّفظ، والكلام ليشمل الكلمة والحرف، لأنَّ القول عامٌّ في جميع ذلك، فكلُّ جزء من كتاب الله ـ وإن تجزَّأ ـ فهو ثقيل، باعتبار ما جمع فيه من المعاني التي تفوق الحصر”[9]، ويستدلُّ على ذلك بقوله (ص): من قرأ حرفا من كتاب الله فله حسنة، والحسنة بعشر أمثالها. ويستنتج أنَّ الحرف بانفراده قرآن، وبالتالي قول ثقيل بالنظر إلى ما اشتمل عليه من المعاني، فهذه سيرة القوم في التعامل مع الحروف لما وجدوه في التنبيه النبويِّ له، ولما عهدوه في تعاملهم مع القرآن الكريم. ولعلَّ رعايتهم بالحروف هي من طريق رعاية القرآن الكريم لها، وقد ابتدأ سوراً بحروف مقطَّعة مثل قوله تعالى ألم وحم  وغيرها من الحروف المقطَّعة.

لقد اعتنى الصوفيَّة بامتياز بالحروف ودلالتها ومرموزاتها ـ على غير ما نجده عند غيرهم من العلماء بمن فيهم أهل السيمياء – لأنَّها في اصطلاحهم هي الحقائق البسيطة في ساحة العلم الإلهيِّ قبل انصباغها بالوجود العينيّْ. وقد قسَّمها الشيخ عبد الكريم الجيلي في كتابه “الإنسان الكامل” إلى حروف منقوطة وهي الأعيان الثابتة في العلم الإلهيِّ، والحروف المهمَلة التي تتعلَّق بها الحروف ولا تتعلَّق هي بها. أمَّا الشيخ عبد الرزاق القاشاني فاعتبرها الحقائق البسيطة من الأعيان، والحروف العاليات بمثابة الشؤون الذاتيَّة الكامنة في غيب الغيوب وغيرها من الحقائق التي تنطوي عليها الحروف.

ممَّا لا شكَّ فيه أنَّ ما أهَّل الصوفيَّة للكشف عن مخبَّآت الحروف هو منهجهم في الحياة القائم على التفتيش عن المعنى الذي يجمعهم على الحقيقة ويبقيهم في مجال التحقيق الوجوديِّ ذلك أنَّ الوجود لا يخلو من الحكمة والقدرة، ولا مجال للفراغ والعبثيَّة بل ما من شيء يظهر في ساحة الوجود إلاَّ وفيه إشارة إلى الوجود الحقِّ وكل ما له علاقة به من صفات وآثار، حتى الوجود الرقمي والخطي ففيه ظهور للحقِّ، وللحقِّ وجود وصفة وفعل وأثر، فيكشف فيه عن خواصَّ وأفاعيل ينعكس عنها تكميل وعلاج وإيجاد، شرط أن تتوفَّر خاصيَّة الحضور الإلهيِّ في المستعمل، وهو هنا الإنسان المتحقِّق بالكمال الإلهيِّ. ونجد من أدبيَّاتهم قولهم أنَّ “بسم الله من العارف ككلمة كن من الحقِّ عزَّ وجلَّ، فهي كلمة أثبتت المفعول، وضمير الباء أثبت الفاعل، وضميرها هو ضمير الإنسان الكامل أو نقول روح الوجود”.[10]

فكيف إذا لقيت الحروف عناية إلهيَّة بفعل الكتب المنزَلة بها، هذا يؤكِّد علميَّة هذا التوجُّه، فهذا الشيخ محيي الدين ابن عربي يصرِّح: “فاعلموا وفَّقكم الله أنَّ الحروف سرٌّ من أسرار الله تعالى والعلم بها من أشرف العلوم المخزونة عند الله تعالى، وهو العلم المكنون المخصوص به أهل القلوب الطاهرة من الأنبياء والأولياء، وهو الذي يقول فيه الحكيم الترمذيُّ، علم الأولياء”.[11]

الظاهر هنا وجوب التحقُّق بالاستعداد لتلقِّي هذه الأسرار، والتعامل مع الحروف باعتبارها مجلى لها كما بقيَّة أشياء العالم. ويكمن هذا الاستعداد في التحقُّق بالطهارة المؤهِّلة للولاية لأنَّ هذا العلم المذكور في النصِّ شرطُه الولاية ولنقل التحقُّق بالكمال الإلهيّْ. وهذا الاستعداد يتطلَّب مجاهدة تقضي بالخروج من الوهم الحاكم على الإنسان في حالة فرقه وشعوره بوجوده المستقل، أو لنقل الخروج من الكثرة المالئة لشعوره، فلا مناص لهذا الخروج إلاَّ الفناء التام، والكشف عن الحقيقة التي تقضي بوجود واحد وهو وجود الحقِّ، ووهميَّة ما سواه، إذ غيره ليس إلاَّ هو. بعبارة أخرى يغدو ما كان يُتوهَّم وجوداً، بمثابة مرآة حاكية عن الوجود الحقِّ ذاتاً وصفةً وفعلاً، فالكلُّ مرايا تتفاوت في الجلاء والكدورة فحسب لأنَّ المرآة لا شيء ولا لا شيء فلا فرق بين حيوان وجماد ووجود رسميٍّ أو وجود خطيٍّ أو لفظيٍّ إلاَّ من جهة استعداده لحمل الأسماء الإلهيَّة، وهذا الاستعداد يحكمه الفيض الأقدس وما يقتضيه من عين ثابتة في علمه تعالى. فتحقُّق شرط الولاية يجعل الصوفيَّ في مقام فهميٍّ وعلميٍّ يسمع فيه عن الله إذ لا غير في ساحة إدراكه فلا يرى إلاَّ الله، ولا يسمع إلاَّ منه، ولا يخاطب سواه، ويغدو الخلق حروف كلمات الحقِّ تكشف عنه تعالى وعن كمالاته، “الحقُّ عزَّ وجلَّ هو حقيقة الوجود لا محالة، ولولا ظهوره قي المكوِّنات لما وقع عليها البصر لأنَّ الأشياء من ذواتها العدم المحض، والبصر لا يتعلَّق بالمفقود. إيَّاك أن يقع بصرك على الموجودات فتتوهَّم أنَّه وقع على وجودها لذاتها، وذا محال، إنَّما وقع على وجود موجودها الذي هو معار إليها، خلقها ثمَّ ظهر فيها.

حاصل الأمر أنَّ الحقَّ تبارك وتعالى هو حقيقة الوجود كما تقدَّم لعدم حقيقة تضاهي حقيقته، … أي ليس هناك إلاَّ وجود الله فأينما تولُّوا فثمَّ وجه الله وما على هذا البيان من مزيد”[12]، فأينما تولُّوا فثمَّ وجه الله هي قاعدة وضابطة للاعتبار الصوفيِّ، فإذا كان الأين حرفاً فثمَّ وجه الله، أي ثمَّ حقيقة من حقائقه تعالى لا يجوز الغفلة عنها، وبالتالي علم الحروف هو مجال تعبديٌّ واجب في حقِّ المحقِّقين، وهنا ننبِّه إلى أنَّ الحروف عند العارف لا يجوز أن تحيل إلى الغير، فما يهتمُّ به أهل السيمياء في خواصِّ الحروف العلاجيَّة وغيرها هي اهتمامات خلقيَّة تؤول إلى اللَّهو المذموم، كما أصبح الطبُّ والحكمة عند الأكثريَّة مجالاً يؤول إلى اللَّهو ولا يجني منه متعاطيه إلاَّ الجهل  ما دام يحيل إلى الغير الذي هو محض عدم عند العارف،  فلا غير والكل خير فلا شر.

“اعلم أنَّ القوم لا يفهمون مخاطبة الخلق لهم إلاَّ عن الله، وذلك ما يقتضيه مقامهم لا يستعملونه في أنفسهم، فلا تستغرب يا أخي من فهمهم من الكلمة الواحدة الموضوعة على معنى مخصوص معنى آخر، فإنَّ ذلك عندهم من أشرف المقامات وأعظم الدرجات لكونهم يفهمون الأمور عن الله، وقد أجمع أهل الله على أنَّ الفهم عن الله على قدر مقام العبد عند الله، ولم يختلفوا في أنَّ الكلمة الواحدة الدالَّة على معنى مخصوص قد يفهم منها معاني كثيرة لا تُحصى، وغرائب لا تُستقصى…

إنَّ القوم وإن اشتركوا مع غيرهم في ظاهر اللَّفظ  مختلفون في القصد، كما أنَّهم اشتركوا في المشهود، واختلفوا في الشهود، فكذلك اشتركوا في المسموع واختلفوا في الأسماع… فقد يسمع الصوفيُّ ما لا يسمع الغير ولا يأخذ من القول إلاَّ أحسنه… ولهذا صاروا يسمعون غير الشيء المسموع حتى صار أحدهم يأخذ علمه من أصغر الأشياء في عيون الناس، ولا حقارة عند هؤلاء الناس بل عندهم كلُّ ما في الوجود يشير لوحدانيَّة المعبود”[13]. وهذا ما نلمسه في اعتبارهم للأمور، لاسيَّما الصوامت منها أو لنقل الأعجمية منها من كائنات حية وما نعتبرها غير حية كالجمادات والحيوانات والمسطور والمسموع من الأمور.

 

3 ـ البُعد الأنطولوجيُّ للحروف:

في تحقيقات الشيخ العلاَّوي الوجوديَّة في الحروف يقف على الأثر النبويِّ الذي يقول فيه النبيُّ (ص) رواية عنه ” كلُّ ما ورد في الكتب المنزلة فهو في القرآن، وكلُّ ما في القرآن فهو في الفاتحة، وكلُّ ما في الفاتحة فهو في بسم الله الرحمن الرحيم”. وورد أيضاً: ” كلُّ ما في الباء فهو في النقطة التي تحتها”[14].

ولقد تناول في نصوصه الكشف عن التجلِّيات الوجوديَّة للتوحيد من خلال الحروف لاسيَّما الألف والباء من بسملة القرآن الكريم:

أ ـ النقطة:

للنقطة مرموزات تشير إلى وحدة الشهود، كما تشير إلى أمِّ الكتاب لعدم وجوده من دونها، إذ لولاها لما كانت الكلمة، ولولا الكلمة لما كان الكلام، ولولا الكلام لما كان الكتاب ” والكلُّ مندرج – كما يقول الشيخ العلاَّوي ـ تحت وحدة الشهود، المعبَّر عنها بالنقطة، فهي أمٌّ لكلِّ كتاب يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب [15]. فالنقطة مستهلَكة فيها جميع الحروف قبل تجلِّيها، وبعد التجلِّي فالحرف في الحقيقة لا وجود له ولو بعد التجلِّي لأنَّ الظاهر حقيقة هو المداد. أمَّا ما يبدو من خصوصيَّة الرسم الذي يأخذه الحرف فلا كينونة له من دون الحبر الذي هو النقطة، والحرف في الحقيقة هو ميل النقطة واعوجاجها لا غير، وليس له حظٌّ من الوجود باستقلاله. بهذا الاعتبار، كلُّ الحروف مستهلَكة في النقطة قبل التجلِّي وبعده لا فرق في ذلك، ” كانت النقطة في كنزيَّتها قبل تجلِّيها بذات الألف… وكانت الحروف مستهلكة في كنزيَّتها قبل تجلِّيها بذات الألف… وكانت الحروف مستهلَكة في كنهها الغيبيِّ، إلى أن ظهرت، بما بطنت وتجلَّت بما استترت، فتشكَّلت في مظاهر الحروف… وإذا تحقَّقت لم تجد إلاَّ ذات المداد المعبَّر عنها بالنقطة “.[16]

إنَّ الظاهر هو المداد وهو النقطة، والباطن هو الحرف، لكن بفعل الغفلة نعتقد الظهور للحرف بينما النقطة هي الظاهرة. أما الحروف فلها وجود معقول، أو نقول إنَّه وجود اعتباريٌّ غير حقيقيِّ، وهكذا الأمر في الوجود فالوجود الحقيقيِّ هو للحقِّ أمَّا الخلق فهو محض اعتبار ومجرَّد ماهيَّات لها وجود في وهمنا، بينما في الخارج لا موجود إلاَّ الله. من هنا اعتبر الشيخ العلاَّوي النقطة معبِّرة عن وحدة الشهود، وهو لا يفرِّق بين وحدة الوجود ووحدة الشهود.

كما للنقطة صفة الوحدة الحقيقيَّة والظهور الحقيقيِّ، كذلك لها صفة التنزيه. وهنا يقول الشيخ العلاَّوي: “جاءت النقطة على خلاف ما في الحروف ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، فلهذا لا يقع عليها حدُّ التعريف كما يقع على غيرها من الحروف، فهي منزَّهة عن كلِّ ما يوجد في الحرف من طول وقصر واحتداب، فلا تعقل بما يعقل به الحرف رسماً ولفظاً، فبينونتها من الحرف معقولة، وكينونتها فيه مجهولة إلاَّ لمن كان بصره حديداً”[17].

وكما كنه ذات البارئ تعالى لا يمكن التعبير عنها لعدم وجود لفظ يسعها، بحيث كلَّما أراد العارف أن يصفها بنعت التنزيه صدر منه من العبارات ما يفيد التشبيه والتعطيل، وهو ليس بمقصود من العارف، فمقصوده هو التعبير عن التوحيد المحض، لكن ضيق العبارة يؤول إلى هذه المساقط والقلب على غير ما تلفَّظ به العارف. فكذلك النقطة لا وجود للفظ يحمل معناها ويعبر عنها، فكلَّما أردنا وصفها والتلفُّظ بما يعكس ماهيَّتها نطق بحروف ليست من ذاتها، وهي النون والقاف والطاء والتاء. وهذه الحروف على تشابه في ما بينها من حيث الرَّسم، فالتَّاء مثلاً تشبه الثاء والباء وغيرها، إلاَّ أنَّها تباين النقطة من حيث الرسم،  فلا شبيه للنقطة في الرَّسم، ولا حامل لها في التلفُّظ.

ب ـ الألف: 

“أوَّل ما تجلَّت به النقطة وظهرت ظهوراً يقتضي التعريف هو وجود الألف، فجاء صورة التنزيه أقرب منه إلى التشبيه ليكون موجوداً في كلِّ الحروف، بصفته مبايناً بحقيقته”[18]، لأنَّ الألف في الحقيقة لا يحتاج إلى قلم كي نبرزه، أو لنقل لكي نكتبه لا نحتاج إلى وسيلة خارج الحبر ذاته. فالألف في الحقيقة هو ميلان وسيلان الحبر عموديَّاً فيرتسم، وإن استعملنا القلم في رسمه فليس من باب فقره لهذه الواسطة، أي واسطة القلم، وإنما يبقى الألف غنيَّاً عن القلم بل القلم نفسه هيئته ألف، ” فيكون ظهور الألف بنفسه لنفسه لا غير… الألف كناية عن واحد الوجود، فظهور النقطة بالألف هي المسمَّاة بالأوليَّة، أمَّا قبل التجلِّي فلا توصف بذلك، كما لا توصف بالآخريَّة”[19]. أمَّا الألف فلكونه ظهور هذه النقطة وتجلِّيها الأول ثبتت له الأوليَّة، ولزوماً يقتضي ثبوت الآخرية له، وهو الذي نجده مطبَّقاً في حروف الهجاء يبدأ بالألف وينتهى به أيضاً، ويسمَّى همزة.

إنَّ ظهور الألف في الحروف معقول لكن لا تراه الأبصار إذ هو باطن فيها، فمثلاً الميم رسمه يمنع من إدراكه بسبب الاستدارة حيث يتعَّقل في الميم ولا يُرى، والاستدارة هي الميم، وهي الحجاب نفسه،  فكذا في المقابل الله عزَّ وجلَّ ظهوره في الوجود معقول” وهكذا يقع لكلِّ من تغفل عن ظهور الحقِّ في هذا العالم، مع علمه بأنَّه محلُّ للظهور، وهناك موانع عدَّة أبرزها: المانع الأول  عدم الشعور، والمانع الثاني سوء الفهم وعدم العلم، وبالجملة هو تحجيرنا على الألوهيَّة، حيث قيَّدناها بأوصاف مخصوصة، وألزمناها ألاَّ تخرج عنها، ففاتنا خير بقيَّة الصفات التي تجلَّت بها الآن، وقبل الآن، وبعد الآن، والكلُّ عنها بمعزل، إلاَّ من أتى الله بقلب سليم، وعرف الألف في دائرة الميم”[20]، ومعرفة الألف في دائرة الميم يقابله معرفة الله في التشبيه كما عرف في التنزيه. فقد عرفه الرسول (ص) كما رُوي عنه في صورة شاب أمرد، ورآه إبراهيم (ع) في صور الأفلاك، وغير الأنبياء والعرفاء من العوامِّ يشتبه عليهم لأنَّهم لم يعرفوه حقَّ معرفته، فإذا تجلَّى لهم في الحشر في الصورة التي لا يعرفونه بها فينكرونه وهو هو.

والمانع كما عُلم في الألف أنَّه لا يدرك في الحروف، بينما الحروف تستمدُّ وجودها من مادَّته واستطالته، وهنا يقول سلطان العاشقين:

فتراءيتُ في سواكَ لِعينٍ    بك قرَّت وما رأيتُ سواكَ

وكذلك الخليلُ قلَّبَ قبلي     طرفَهُ حين راقبَ الأفلاكَ.[21]

 

كما للألف شدَّة في الظهور في بعض الحروف، ويخفى في البعض بينما هو هو، فمثلاً في اللاَّم تكاد تظهر صورته الحقيقيَّة كما في باء البسملة. أما في غيرها من بعض الحروف فيصعب التعرُّف على الألف، وهكذا الأمر مع الألوهيَّة يقول العلاَّوي: “وإذا فهمت أنَّ الألف هو المتجلِّي بكلِّ حرف، فهل ذلك نقصان في مرتبته التنزيهيَّة مع إبقائه على صفته الخاصَّة، كلاَّ، فحقيقة الألف لم تزل على حقيقتها، ولا أرى نقصاناً في ذلك، بل أراه من كمالاته، وأرى النقصان – والله أعلم ـ في من ألزمه صفة لا يتعدَّاها إلى غيرها، فقد حصره وقيَّده وجهله وشبَّهه وجعله شيئاً كبقيَّة الأشياء، وحقيقة المعرفة اللاَّئقة بمقامه، هو أن ترى الألف متجلِّياً بكلِّ لفظ وتصنيف، فالكلُّ ألف تجده متلوِّناً بكلِّ حرف، ظاهراً بكلِّ وصف، حائزاً مراتب الوجود”[22].

ويوظِّف الشيخ العلاَّوي نصوصاً نبويَّة في تجلية المعاني الإلهيَّة من الحروف، فحتى يثبت الأوليَّة والآخريَّة لله الظاهرة إشارتها في الألف يقول: ” قال عليه الصلاة والسلام: كان الله ولا شيء معه،  فتأمَّل هذه الكينونة إن كانت تفيد الدوام والاستمرار فما تقول؟ فهل تتوهَّم وجود الغير أيُّها العاقل؟ بل لو تعمَّدته لاتَّضح عندك أنَّ الألف هو الأول والآخر، والظاهر والباطن ولا يمنعك من معرفة الألف ما تراه من اعوجاج الحروف، فكلٌّ لحكمة يخفيها الشهود عن الشهيد”[23].

ج ـ الباء: 

” الباء هي أول صورة ظهر بها الألف، ولهذا تجلَّى فيها بما لم يتجلَّ به في غيرها، أي بصفتها الخاصَّة، وسبب ذلك عدم الواسطة بينهما، وما قارب الشيء يعطي حكمه، فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى، وقد يظهر في القريب ما لا يظهر في البعيد… فلهذا جاءت الباء بأوصافه خلق آدم على صورته. وليس المراد بآدم إلاَّ الإنسان الأول، وهو روح الوجود، فلهذا خلفه في أرضه، وأمر الملائكة بالسجود إليه”[24].

الباء في البسملة – كما يرى الشيخ العلاَّوي ـ عظمتها عظمة الألف، ولذا يليق بها نيابته. فصورتها في البسملة هي صورة الألف على غيرها في غير البسملة، وهو نفسه مقام محمد (ص) من الوجود، إذ هو نائب الحقِّ تعالى وهو الإنسان الكامل يقول الشيخ العلاَّوي: ” فالباء في البسملة قائمة مقام الألف، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: لي وقت لا يسعني فيه غير ربي، وأنت ترى أن الباء لا يسعها في بعض الأوقات إلاَّ الألف، صورة ونقطة، إلاَّ أنَّ نقطة الألف من أعلاه، ونقطة الباء من أسفلها، وكلُّ لحكمة يعقلها العالمون”[25]. إنَّ نيابة الباء عن الألف المحذوفة فيه إشارة إلى نيابة الإنسان الكامل عن الله في خلقه، فوجودها فوق النقطة  بمثابة حجاب الله الأعظم القائم بين يديه تعالى.

وهكذا، جرياً على هذا الفهم، يفسِّر الشيخ العلاَّوي الحروف المقطَّعة لسورة البقرة، وهو الذي شرع في تفسير القرآن، وأوقفه الأجل عند الآية 207 من سورة البقرة.

ألم: ” تفيدنا أنَّ الألف من اسم الله، واللاَّم من جبريل والميم من محمد(ص)، وإذا وصلت الحروف ببعضها جاءتك الإشارة قائلة: ألم يكن ذلك الحق؟ بلى؛ الله الذي أنزل الكتاب إلى محمد بواسطة جبريل… كان القرآن متعلِّقاً بالألف، ثمَّ اتَّحد مع اللاَّم، ثمَّ استجمع في دائرة الميم… ووجه اختصاص الألف بإشارته للألوهيَّة لاستقامته، وكونه أول الحروف الهجائيَّة وآخرها همزة… واللاَّم يشير إلى جبريل لقربه من الألف من جهة الصورة لا من جهة الجرِّ والانعطاف، والميم تشير إلى محمد(ص) لانتهائه في دائرة العبوديَّة، فهو العبد على الحقيقة”.[26]

 

4 ـ اللُّغة والتأويل الوجوديّْ:

من المفيد القول أنَّ عمليَّة فهم المعاني من الألفاظ والكلمات والحروف تتأطَّر وفق مقام العارف من الوجود، وبحسب جهة تموقُعه، فيتلقَّى اللَّفظ الذي يحيله إلى المعنى وذلك حسب باطنه. فمهمَّة العارف هي كيف يربط بين اللَّفظ المنطوق والمعنى الذي يتحقَّق به، وينزل عليه بمثابة المطابقة الضروريَّة، وذلك من دون تكلُّف، كما هو الشأن عند علماء الظاهر.

يُحكى أنَّ مولاي العربيَّ الدرقاويَّ كان مارَّاً مع جماعة من مريديه على مغنٍّ يقول:” راحت الهائجة وخلت الفائجة” (ذهبت الهائجة وخلَّفت وراءها الفائجة)، فذهب إليه الشيخ وأطرق يستمع إليه، وبعدها أعطاه دراهم معدودة، ولما ابتعد مع مريديه، احتجُّوا عليه كيف يستمع إلى ما لا يحلُّ سماعه، فقال لهم كيف لا أستمع من ينشدني عن الهائجة التي ذهبت وتركت الفائجة، وأشار بذلك إلى نفسه حيث ذهبت واستراح من معالجتها[27].

ونلفت إلى أنَّ قصصاً كثيرة من هذا النوع حدثت للعُرفاء. وهي أحوال ترد عليهم حيث يقهرهم المعنى الذي يكونون عليه نتيجة مناسبة تقترن به، ويسمُّون هذه الإحالة إلى المعنى الباطن المقترن بسمع كلمة أو عبارة، أو نداء، بالفهم عن الله، “فالصوفيُّ يصرف وجه قلبه، عند استماع اللَّفظ أو قراءته، لا إلى معاجم اللُّغة ومجازها ورموزها بل إلى الله تعالى، وينتظر أن يعلِّمه ما لم يكن يعلم، بمناسبة السماع والقراءة”[28]. وهذه الحالة مطلوبة لديهم بحيث يعدُّ من لا يتحقَّق بها غافلاً، وهذا الذي يميِّزهم عن غيرهم من العلماء، ” اعلم أنَّ القوم لا يفهمون مخاطبة الخلق لهم إلاَّ عن الله وذلك ما يقتضيه مقامهم لا يستعملونه في أنفسهم، فلا تستغرب يا أخي من فهمهم من الكلمة الواحدة الموضوعة على معنى مخصوص معنى آخر فإنَّ ذلك عندهم من أشرف المقامات وأعظم الدرجات… وقد أجمع أهل الله على أنَّ الفهم عن الله على قدر مقام العبد عند الله… فإنَّ القوم، وإن اشتركوا مع غيرهم في ظاهر اللَّفظ،  مختلفون في القصد كما أنَّهم اشتركوا في المشهود، واختلفوا في الشهود، فكذلك اشتركوا في المسموع واختلفوا في الأسماع”[29]. وهذا ما نلمسه في اعتبارهم للأمور، لاسيَّما الصوامت منها أو لنقل الأعجميَّة  من كائنات حيَّة وما نعتبرها غير حيَّة كالجمادات والحيوانات، والمسطور، والمسموع من الأمور.

بل إنَّ التأويل الذي يرجع فيه ظاهر اللَّفظ إلى معنى باطن يكاد يكون أمراً اعتباطيَّاً، بحيث قد يستخرج من اللَّفظ ضدَّ معناه، وما هو ضدَّ معناه، وإنَّما التأويل العرفانيُّ، يكشف عن مستويات دلاليَّة تدقُّ فيها القرينة المرجعيَّة في السير من الظاهر إلى الباطن، بما يؤدِّي إلى الاعتقاد بأنَّ التأويل هو ليٌّ للنصوص والألفاظ حتى تؤول إلى المعنى المُراد، بينما الأمر في العرفان على غير ما يفهمه المتمسِّكون بالحرفيَّة في الفهم، فأمر الفهم عند العارف معكوس، بحيث تُعدُّ الأصول اللُّغوية وقواعدها شاهدة لفهمه لا مؤسَّسة له كما الشأن عند علماء اللُّغة، “إنَّ تأويل النصِّ وفهمه هما من جملة المواهب الإلهيَّة التي تفجأ الإنسان، لكأنَّهما يتنزَّلان في قلبه. وهذا لا يعني أنَّ الصوفيَّ مُعفى من النظر في الأصول اللُّغويَّة والشرعيَّة، بل يعني ذلك أنَّه لم يستدلَّ بالأصول لإنتاج معرفته التأويليَّة، وإنَّما قامت هذه الأصول بدور الشاهد على التأويل ومشروعيَّته”[30]، لأن عالم المعاني لا يكاد ينحصر، وأصله الأساسيُّ باطن الإنسان لا المفردات، إذ هي مجرَّد مظاهر تختزن تحتها من المعاني ما لا حصر، والعنصر المرجعيُّ في الدلالة هي ارتباط الإنسان بالمعنى وحضوره. “وإذا استقرَّ في ذهنك أيها القارئ اللبيب أنَّ نقطة الباء جامعة لسائر الأحكام والرسوم، والمعارف والفهوم، فمن باب أولى وأحرى الكلمة… فلهم أن يستخرجوا ما شاؤوا من أيِّ شيء شاؤوا تالله لو أراد أحدهم أن يستخرج العسل من الخلِّ لفعل؛ “والله يخرج الحيَّ من الميت ومخرج الميت من الحي”(سورة الأنعام: الآية 95). كلُّ ذلك دليل على ما منحهم الله من الأسرار والمعارف والأنوار”[31]. وما يُقال عن فهم القوم من الألفاظ يُقال كذلك عن فهمهم للوجود ومظاهره، حيث تحقَّقوا أنَّ الكثرة الكونيَّة هي كاشفة عن وحدة حقيقيَّة، واعتبروا أنَّ الوجود واحد لا كثرة فيه، واستطاعوا أن يتحقَّقوا بهذه الوحدانيَّة، إلى غيره من الفهوم، المفارقة لما عهده أهل الاختصاص كلٍّ في مجاله، من فقهاء ومتكلِّمين وفلاسفة وعلماء اللُّغة، والبيان، “فإنَّ القوم وإن اشتركوا مع غيرهم في ظاهر اللَّفظ فإنَّهم مختلفون في القصد، كما أنَّهم اشتركوا في المشهود واختلفوا في الشهود، كذلك اشتركوا في المسموع واختلفوا في الأسماع”[32].

لا بدَّ من القول أنَّ قاعدة العرفاء في فهم المعاني هي أولويَّة علم الباطن، “لكونهم لا يقفون مع ظاهر الألفاظ وإنما ينظرون إلى المعنى الدالِّ على المُراد ولا يلتفتون إلى اللَّحن ولا إلى إعراب بل يأخذون المعنى حيث وجدوه فهم ناظرون إلى إشارة الأرواح غافلون عما يتلفظ به اللِّسان”[33]، ذلك أنه لا معنى لإصلاح اللِّسان مع خراب الجنان، ويعدُّون من يصلح قلبه من دون لسانه فقد حاز كمالاً من دون كمال، ولا يتمُّ كماله إلاَّ بالإثنين أي بإصلاح القلب واللِّسان.

وقد يصل الأمر عند العُرفاء إلى سماع ما لا يسمع، فيأخذون علمهم من أحقر الأشياء، وهم، طبعاً لا يرون أيَّة حقارة في ما هو موجود، لأنَّ كلَّ موجود يشير إلى وحدانيَّة المعبود، ولا قبيح بل الكلُّ مظهر للجمال الإلهيِّ، “ولهذا صاروا يسمعون غير الشيء المسموع حتى صار أحدهم يأخذ علمه من أصغر الأشياء في عيون الناس، ولا حقارة عند هؤلاء الناس بل عندهم كلُّ ما في الوجود يشير إلى وحدانيَّة المعبود ويصير اللفظ القبيح في أسماعهم محموداً”[34].

نحن نستطيع القول أنَّ العارف هو المعنى وهو المرجع، لعدم انفكاكه عن معنى المعاني أي الحقَّ تعالى، وبالتالي هذا يليِّن كلَّ مفردة في فهمه ويسهل تطويعها حتى تكون دالَّة على معنى كماليٍّ أو وجوديٍّ، فلا إشكال في البحث عن المعجميَّة والتواضع اللُّغويِّ في فهم العارف، مع العلم أنَّ الانتقال من الظاهر إلى الباطن ومن اللَّفظ إلى المعنى، هو عمليَّة ضروريَّة والارتباط بين الظاهر والباطن واللَّفظ والمعنى كذالك ضروريٌّ، ووجوبيٌّ، وليس أمراً احتماليَّاً وظنيَّاً، بحيث يمكن خلافه. فمثلاً ينصح الشيخ العلاَّوي المطَّلع على تفسيره للقرآن، من خلال البحر المسجور، ألاَّ يقيس ما يقرأه بما عهده وتعلمه، “لأنَّ كلام الروح يباين كلام البدن، فأكثره جاء بلسان الخصوصيَّة الذي ليس لنا فيه كبير اكتساب، إلاَّ ما كان من قبيل التوجُّه والتلقِّي من حضرة الله، والمعنى أنَّه ليس من قبيل التكلُّف والتعسُّف”[35]، أللَّهم إلاَّ أن يكون معنى أرقى في المستوى يكشف عن علوِّ مقام صاحبه، فهنا يقع الإذعان للأعلى.

ويجدر القول هنا أنَّ الاختلاف قد يقع بين العُرفاء في الفهم، وهذا الاختلاف لا يكون بمقام اختلاف تضادٍّ، بحيث يكون بين المعنيين تعاند، وإنَّما الاختلاف يكون اختلافاً طوليَّاً بالنظر إلى تفاوت المراتب، وحلُّ هذا الأمر يكون بالإذعان لصاحب الفهم الأعمق.

أمَّا لغة أهل الفكر فيستقلُّ فيها مستوى اللُّغة عن مستوى الوجود، فهي لغة القال لا لغة الحال، أي لغة تحيل إلى غياب لا إلى حضور، على عكس ما تثيره عند العارف، فكما يتحدَّث الشيخ العلاَّوي عن تجربته في التعامل مع القرآن يقول: “وهكذا الواحد منا مهما تقوَّى يقينه وانشرح باطنه في ما يسمعه من ألفاظ القرآن، فلا يراه إلاَّ كلاماً يكلِّمه الله به في ذلك الحال، ولا يستدلُّ عليه إلاَّ به، لما يجده في قلبه من تأثير النزول ورعدة الزواجر… وهكذا لما ينزل به على محمد (ص) يحصل له من تأثير النزول ما ترتعد به مفاصله، ولن يزال هكذا مهما مرَّ على قلب فارغ من الكدورات إلاَّ ويحدث فيه من تأثير النزول، وقد كان لي نصيب من ذلك ـ والحمد لله ـ فكنت مهما يطرق سمعي كلام الله فترتعد بوادري عن الفحص، حتى كأنِّي أسمع حسيساً من بقيَّة صلصلة الجرس، وكنت إذا تناولت المصحف الكريم… نراه كتاباً وصل إليَّ من حكيم عليم… ولا تحسبنَّ ما رسمته هو مجموع ما فهمته، بل ولا عشوره”[36].

وما يُقال عن القرآن يقول على كلِّ قول، لا يفرق العارف بين قول إنسان، أو نطق بهيمة، أو صوت طبيعيٍّ من ريح، أو غير ذلك، وكذلك ما يُقال عن الأقوال والكتب، والأكوان، فهي كلُّها تُحيل إلى وجود الحقِّ تعالى، لذلك قال الشيخ العلاَّوي، كما ذكرنا سابقاً، أنَّ القوم يستخرجون الجدَّ من الهزل، ولا فرق عندهم بين كلام باطل وكلام حقٍّ، لأنَّ كلَّ ما ظهر فبالحقِّ ظهر، وعلى الوليِّ أن يفهم خطاب الحقِّ في كلِّ صفحة، سواء صفحة التكوين، أم صفحة التدوين، أو صفحة التلوين، أو صفحة القول، أي كلَّ مفردة، والجامع لكلِّ هذا، أنَّها برزت وما ليس بموجود لا يعرف البروز، وما برز إلاَّ الحقُّ تعالى في مرايا الكونيَّات والاعتباريَّات.

هكذا يفهم العارف اللُّغة مهما كانت، “ليس الشأن أن ترفع بصرك للخلق، إنَّما الشأن أن ترى الحقَّ، ما خلقت الأشياء لتراها ولكن ترى فيها مولاها، حتى إذا عرفت الله في الأشياء كانت الأشياء معك، وأنت مع الله، فتصير أميراً عليها بإضافتك لله عزَّ وجلَّ، وربما تنوب عنه في بعض الأمور كما ينوب  المضاف عن المضاف إليه”[37].

 

[1] أحمد بن مصطفى العلاَّوي، منهل العرفان في تفسير البسملة وسور من القرآن ، ص 14.

[2] الجيلي، عبد الكريم، الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم، تحقيق: قاسم الطهراني، دار مكتبة الهلال، بيروت، ط1، 2008، ص 54.

[3] – أحمد بن مصطفى العلاَّوي، الديوان، ص13.

[4] بن تونس، عدة، الروضة السنيَّة في المآثر العلاويَّة، المطبعة العلاويَّة، مستغانم، ط2، (د. ت). ص25.

[5] انظر، أحمد بن مصطفى العلاوي، منهل العرفان في تفسير البسملة وسور من القرآن، ص 63.

[6] أحمد بن مصطفى العلاَّوي، منهل العرفان، ص 64.

[7] – أحمد بن مصطفى العلاَّوي، منهل العرفان ، ص 18.

[8] – المصدر نفسه، ص 43.

[9] أحمد بن مصطفى العلاَّوي، البحر المسجور في تفسير القرآن بمحض النور، ص ص 17- 18.

[10] – أحمد بن مصطفى العلاَّوي، منهل العرفان في تفسير البسملة وسور من القرآن، ص 14.

[11] ابن عربي محيي الدين، رسالة الحروف، ضمن، رسالتان في سرِّ الحروف ومعانيها، تحقيق، عبد الحميد صالح حمدان، المكتبة الأزهريَّة للتراث،(د.ط) (د.ت)، ص 14.

[12] أحمد بن مصطفى العلاوي، المواد الغيثيَّة الناشئة عن الحكم الغوثيَّة، ج2، ص ص 21- 22.

 

 [13]  أحمد بن مصطفى العلاَّوي، المنح القدوسيَّة في شرح المرشد المعين بطريق الصوفيَّة، ص ص 16–17.

[14] –  نقلاً عن:  أحمد بن مصطفى العلاَّوي، منهل العرفان في تفسير البسملة وسور من القرآن، ص 18.

[15] – أحمد بن مصطفى العلاوي، منهل العرفان ، ص 24.

[16] – المصدر نفسه، ص 23.

[17] المصدر نفسه، ص 24- 25.

[18] – أحمد بن مصطفى العلاوي، منهل العرفان في تفسير البسملة وسور من القرآن،  ص 29.

[19] – المصدر نفسه، ص 30.

[20] – أحمد بن مصطفى العلاَّوي، منهل العرفان في تفسير البسملة وسور من القرآن، ص 32.

[21] عمر ابن الفارض، ديوان ابن الفارض، ص؟؟؟؟؟؟؟.

[22] – أحمد بن مصطفى العلاوي، منهل العرفان في تفسير البسملة وسور من القرآن، ص 34.

[23] – المصدر نفسه، ص 35.

[24] – أحمد بن مصطفى العلاَّوي، منهل العرفان في تفسير البسملة وسور من القرآن، ص 38.

[25] المصدر نفسه، ص 40.

[26] أحمد بن مصطفى العلاوي، البحر المسجور في تفسير القرآن بمحض النور، ج1، ص ص 50- 51.

[27] نقلاً بتصرُّف عن، أحمد بن مصطفى العلاَّوي، المنح القدوسيَّة في شرح المرشد المعين بطريق الصوفيَّة، ص 18.

[28] الحكيم، سعاد، إبداع الكتابة وكتابة الإبداع، دار البراق، بيروت، 2004، ص 40.

 [29]  أحمد بن مصطفى العلاَّوي، المنح القدوسيَّة في شرح المرشد المعين بطريق الصوفيَّة، ص 16–17.

[30] الحكيم، سعاد، ّ إبداع الكتابة وكتابة الإبداع، ص  40 – 41.

[31] أحمد بن مصطفى العلاَّوي، المنح القدوسيَّة في شرح المرشد المعين بطريق الصوفيَّة، ص 13.

[32] – المصدر نفسه، ص 16.

[33] أحمد بن مصطفى العلاَّوي، المنح القدوسيَّة، ص19.

[34] المصدر نفسه، ص 17

[35] أحمد بن مصطفى العلاَّوي، البحر المسجور في تفسير القرآن بمحض النور، ج1، ص 13.

[36] أحمد بن مصطفى العلاَّوي، البحر المسجور في تفسير القرآن بمحض النور، ج1، ص 24.

[37] أحمد بن مصطفى العلاَّوي، المواد الغيثيَّة الناشئة عن الحكم الغوثيَّة، ج2، ص 152

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى