
إيران .. دين وحضارة
إيران .. دين وحضارة
أ.د. نور الدين أبو لحية
من أهم ما يميز الإي ـــرانيين في تاريخهم القديم والحديث، وخاصة بعد انتصــ. ــار الثـــ. ـورة الإسلامية.. الاهتمام بالعرفان والسلوك والمواجيد الروحية.. وفي هذا النص شواهد على ذلك..
اهتمام الإيرانيين بالسلوك التحققي:
وهو ما يعبر عنه عندهم، وعند جميع الشيعة بالعرفان العملي، ويقصدون به كل الوسائل التي تستعمل للسير إلى الله والتقرب منه، ويمكن اعتبار أكثر ما كتب في هذا المجال، كتب في إيران، وخصوصا على يدي كبار صوفيتها من أمثال أبي حامد الغزالي الطوسي الذي ترك كتبا كثيرة في هذا المجال، وأهمها كتابه [إحياء علوم الدين] الذي يعتبر موسوعة كاملة في السير التحققي والتخلقي.
ومنها كتابه الذي ينسب إليه [منهاج العابدين](1)، والذي ذكر فيه الخطوات العملية للتزكية مشبهاً لها بالطريق الذي يسلكه الشخص للوصول إلى مقصوده، ومن العقبات التي تعترض السالك، وبين الغزالي كيف تجاوزها: عقبة العلم.. ثم عقبة التوبة.. ثم عقبة العوائق..ثم عقبة العوارض.. ثم عقبة البواعث.. ثم عقبة القوادح.. ثم عقبة الحمد والشكر)
ومن الذين كتبوا في هذا المجال من الإيرانيين أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري النيسابوري، وخاصة في كتابه المشهور المتداول بين الصوفية إلى اليوم، والمعنون بـ [الرسالة القشيرية]
ومنهم أبو نصر عبد الله السراج الطوسي (توفي 378 هـ) الملقب بطاووس الفقراء، وصاحب كتاب [اللمع في التصوف] والذي ذكر فيه المنهج الصوفي في السلوك، كما ذكر فيه طبقات الصوفية وعلومهم ومصطلحاتهم وأقوالهم وأحوالهم.
ومنهم الملا محسن فيض الكاشاني(2)، (توفي 1091 هـ) صاحب كتاب [المحجة البيضاء، في تهذيب الإحياء]، والذي أراد من خلاله تهذيب بعض ما رآه من مخالفات في الإحياء، لا علاقة لها بالسلوك، بالإضافة إلى ذكر الروايات عن أهل البيت مما لم يذكره الغزالي، وقد ذكر في مقدمة كتابه سبب تأليفه، فقال: (.. فرأيت أن أهذبه تهذيباً يزيل عنه ما فيه من الوصمة والعيب، وأبني مطالبه كلّها على أصول أصيلة مُحكمة لا يتطرق إليها شك ولا ريب، وأضيف إليها في بعض الأبواب ما ورد عن أهل البيت من الأسرار المختصة بهم، وأختصر بعض مباحثه بنظم فرائده، وحذف زوائده، لكي يزيد فيه رغبة متناوليه، وأفصّل أبوابه الطويلة بفصول قصيرة)(3)
ومنهم أبو حفص شهاب الدين السهروردي(4) (539 ـ 632 هـ)، مؤسس الطريقة السهروردية الصوفية، وصاحب كتاب [عوارف المعارف] في السلوك الصوفي وآدابه، وقد وصفه الذهبي بأنه (الشيخ الإمام العالم القدوة الزاهد العارف المحدث شيخ الإسلام أوحد الصوفية)، وقال عنه ابن النجار: (كان شهاب الدين شيخ وقته في علم الحقيقة، وانتهت إليه الرياسة في تربية المريدين، ودعاء الخلق إلى الله، والتسليك)
وأكثر مؤلفاته في السلوك الصوفي وآدابه، ومنها: عوارف المعارف، ونغبة البيان في تفسير القرآن، وجذب القلوب إلى مواصلة المحبوب، والسير والطير، ورشف النصائح الإيمانية وكشف الفضائح اليونانية.
ومن المتأخرين نجد الكتب الكثيرة في هذا المجال، وخاصة تلك الكتب التي تشرح [منازل السائرين]، وغيرها من كتب السلوك.
وقد أولى القادة الروحيون للجمهورية الإسلامية الإيرانية هذا الجانب اهتماما كبيرا، باعتبار الكثير منهم ينتمون إلى المدرسة العرفانية في التشيع، وهي مدرسة تتبنى الكثير من المعاني الصوفية الواردة في المدرسة السنية، ولكنها تختلف معها في المصاديق أو في بعض المضامين، مثلما ذكرنا ذلك عن موقف الكاشاني من إحياء علوم الدين، والذي هذبه حتى يتناسب مع المدرسة الشيعية.
وتناسبه مع المدرسة الشيعية لا يعني ـ كما يذكر المغرضون ـ تحوله إلى دين باطني غنوصي لا علاقة له بالشرائع والشعائر الإسلامية، وإنما نعني به ما عرفت هذه المدرسة من تقديم النص على الاجتهاد، ومراعاة الرجوع في كل التفاصيل لأئمة أهل البيت، وهو ما يعني الحفاظ على الشريعة بكل معانيها الظاهرة والباطنة، كما عبر عن ذلك الخميني بقوله: (واعلم أن طي أي طريق في المعارف الإلهية، لا يمكن إلا بالبدء بظاهر الشريعة، وما لم يتأدب الإنسان بآداب الشريعة الحقة، لا يحصل له شيء من حقيقة الأخلاق الحسنة، كما لا يمكن أن يتجلى في قلبه نور المعرفة وتتكشف له العلوم الباطنية وأسرار الشريعة. وبعد انكشاف الحقيقة، وظهور أنوار المعارف في قلبه لا بد من الاستمرار في التأدب بالآداب اشرعية الظاهرية أيضا) (5)
ثم رد على من يخالف ذلك من أدعياء التصوف؛ فقال: (ومن هنا نعرف بطلان دعوى من يقول: (إن الوصول إلى العلم الباطن يكون بترك العلم الظاهر)، أو (لا حاجة إلى الآداب الظاهرية بعد الوصول إلى العلم الباطن)، وأن هذه الدعوى ترجع إلى جهل من يقول بها، وجهله بمقامات العبادة ودرجات الإنسانية)(6)
ولهذا نراه في كتبه العرفانية جميعا يحرص على الدعوة إلى مراعاة أدق التفاصيل في الأحكام الشرعية، فهو يخاطب مريده محذرا له من دقائق الرياء، قائلا: (أيها العزيز، كن دقيقا في أعمالك، وحاسب نفسك في كل عمل، واستنطقها عن الدافع في الأعمال الخيرة، والأمور الشريفة، فما الذي يدفعها إلى السؤال عن مسائل صلاة الليل أو على ترديد الأذكار؟ هل تريد تتفهّم أحكام صلاة الليل وتُعلمها قربة إلى الله، أو تريد أن توحي إلى الناس بأنها من أهل صلاة الليل؟.. لماذا لا ترضى أن لا يطلع أحد على الصدقات التي تعطيها في الخفاء، وتحاول أن تتحدث عنها ليطّلع عليها الناس؟ إذا كان ذلك لله، وتريد أن يتأسىّ به الناس باعتبار أن [الدال على الخير كفاعله] فإن إظهار حسن، وأشكر الله على هذا الضمير النقي والقلب الطاهر، ولكن ليكن الإنسان حذرا في المناظرة والجدال مع النفس، وأن لا ينخدع بمكرها وإظهارها له العمل المرائي بصورة عمل مقدس. فإن لم يكن لله، فتركه أولى، لأن هذا من طلب السمعة وهو من شجرة الرياء الملعونة. ولن يقبل الله المنان عمله، بل يأمر بإلقائه في سجّين، ويجب علينا أن نستعيذ بالله تعالى من شرِّ مكائد النفس، فإن مكائدها خفية جداً)(7)
وهو في كل كتبه يختلف تماما مع أولئك الذين يدّعون المعرفة بالله، بينما يمارسون كل أنواع الإرجاء، والتساهل مع الأحكام الشرعية، بحجة رحمة الله الواسعة، ومن الأمثلة على ذلك قوله ـ في معرض حديثه عن الرياء وخطورته ـ: (ويل لأهل الطاعة والعبادة والعلم والديانة الذين عندما يفتحون أبصارهم ويقيم سلطان الآخرة قدرته، يرون أنفسهم من أهل كبائر المعاصي، بل وأسوأ من أهل الكفر والشرك، بحيث أن صحفية أعمالهم تكون أشد سوادا من صحائف الكفار والمشركين، الويل لمن يدخل بصلاته وطاعته جهنم، الويل لمن تكون صورة صدقته وزكاته وصلاته أبشع مما يمكن تصوره.. أيها المسكين المرائي، أنت مشرك، وأما العاصي فموحد، إن الله يرحم بفضله العاصي إن شاء، لكنه يقول إنه لن يرحم المشرك إذا رحل من الدنيا بدون توبة (
وهكذا نراه يستعمل الترغيب والترهيب، وبلغة واضحة ليس فيها تلك الشطحات التي نراها عادة في كتب الذين خلطوا العرفان بالغنوصيات الشرقية والغربية، فهو يقول لمريده: (يا أيها العزيز؛ فكّر لتجد سبيلا لنجاتك، واعلم أن الشهرة ين هؤلاء الناس وَهمٌ باطل، إنها ليست بشيء. إن قلوب هؤلاء التي لو أكلها عصفورا لما شبع، إن هي إلا قلوب ضعيفة تافهة، ولا طاقة لها على شيء وإن هذا المخلوق الضعيف لا حول له ولا قوة. القوة هي قوة الله المقدسة، فهو الفاعل المطلق ومسبب الأسباب. ولو اجتمع الناس جميعا وكان بعضهم لبعض ظهيرا، لما استطاعوا أن يخلقوا ذبابة، وإذا سلبت منهم الذبابة شيئا لما استطاعوا استرجاعه منها، كما جاء في الآية الكريمة (
ولهذا نرى ذلك الورع الذي يدعو من خلاله إلى التزام أدق آداب الشريعة، بل إنه يدعو إلى مراعاة الاحتياط حتى في الأمور التي نص فيها الفقهاء على الجواز، ومن الأمثلة على ذلك ما عقب به على ما ذكره الفقهاء من المحال التي تجوز فيها الغيبة، حيث قال: (اعلم بأن العلماء والفقهاء ـ رضوان الله عليهم ـ استثنوا موارداً من حرمة الغيبة تبلغ في كلمات بعضهم العشرة، ولسنا بصدد عرضها وتعدادها، حتى لا تكون هذه الصفحات ساحة لبيان الأبحاث الفقهية)(9)
وبعد أن أقر بما قاله الفقهاء، راح يذكر موقفه الذي يدعو فيه إلى الاحتياط، فيقول: (والذي يجب أن نذكره هنا هو أن على الإنسان أن لا يعيش حالة الاطمئنان أبداً من مكائد النفس، بل يجب أن يتحرك في منتهى الحذر والاحتياط، ولا يكون في صدد التبرير ـ لغيبته ـ بالأعذار بأن يقول أن هذا المورد هو من الموارد المستثناة فيسمح لنفسه بالبحث عن عيوب الناس وإشاعتها في المجتمع، إن مكائد النفس بالغة الدقة، فيمكن أن تَخدع الإنسان عن طريق الشرع، وتزِجّه في مهلكة) (9)
وضرب مثالا على ذلك بما يذكره الفقهاء من جواز غيبة المتجاهر بالفسق، بعد أن يردع وينصح، فقال معقبا على ذلك: (ولكن يجب أن يتأمل الإنسان بأن الدافع النفسي لغيبته هو الداعي الشرعي الإلهي ـ النهي عن المنكر ـ أو أن الباعث، أهواء شيطانية، ورغبة نفسانية ـ العداوة والتشفي.. فإن كان الهدف الدافع الإلهي ـ النهي عن المنكر ـ كان عمله من العبادات، بل كانت غيبته هذه بنيّة إصلاح المتجاهر بالفسق والإساءة إليه، من أوضح مصاديق الإحسان والإنعام إليه وإن لم يشعر المغتاب بذلك، ولكن إذا كان قصده مشوباً بالفساد والميول النفسانية، فلا بد من تخليص النية ـ من غير الدافع الإلهي ـ والصفح عن أعراض الناس وحرماتهم عند عدم وجود هدف صحيح) (9)
وهو يدعو إلى ترك المتشابهات، حرصا على عدم الوقوع في الحرام؛ فيقول: (بل إن تعويد النفس على الغيبة في الأحوال الجائزة، يضرّ بحالها أيضاً، لأن النفس تميل نحو الشرور والقبائح، فمن المحتمل أن ينجرّ رويداً رويداً من الموارد الجائزة إلى مرحلة أخرى وهي الموارد المحرمة، كما أن الدخول في الشبهات غير محمود، رغم جوازه، لأنها حمى المحرمات ومن الممكن أن الاقتحام في الحمى يفضي إلى الدخول في المحرمات. يجب على الإنسان مهما أمكن أن يبعد النفس عن الغيبة في الأحوال المسموحة، ويحترز عن الأمور التي يحتمل أن يكون فيها طغيان للنفس) (9)
وهكذا نرى كتابه [شرح الأربعين حديثا] مملوءا بمثل هذه المعاني الراقية التي تجنب فيها ما وقع فيه بعض الصوفية من الطامات والشطحات والتساهل مع الشريعة.
ويمكن اعتبار هذا الكتاب من أحسن ما كتب في هذا الباب، ويهتم به الخطباء والوعاظ الإيرانيون كثيرا، باعتباره مادة تربوية علمية وعظية، لها دورها التربوري الكبير، فقد استطاع فيه الخميني أن يعبر عن مراحل السلوك وكيفيته بطريقة سهلة بسيطة جذابة، وفوق ذلك جعل تلك المعاني منطلقة من النصوص المقدسة، وشروحا لها.
وللأسف لا نجد اهتماما كبيرا به في المدرسة السنية، مع أهميته البالغة، وكونه ـ كالسلوك الروحي جميعا ـ لا فرق فيه بين المدارس الإسلامية.
وأحب أن أذكر هنا بعض أقواله في التزكية والتي تبين مدى التقارب الموجود بين المدارس الإسلامية في هذا الباب، ذلك أن كل ما ذكره لا يختلف عما يذكره سائر علماء السلوك من معان، وهو رد بليغ على من يصور السلوك الروحي عند الشيعة، بأوهام لا علاقة لها بالواقع.



