طرق و مدارس

الصوفية في الصومال: قيم روحية وأفكار ثورية مناوئة للاستعمار

صهيب عبدالرحمن

الصوفية في الصومال:

قيم روحية وأفكار ثورية مناوئة للاستعمار

صهيب عبدالرحمن

(صحفي صومالي)

 

تعاظم شأن الصوفية في الصومال بسبب ما أدّته من دور بارز في نشر الإسلام في أنحاء البلاد، شأنها في ذلك شأن القارة الإفريقية في جنوب الصحراء، وأماكن أخرى من العالم الإسلامي، ومن أبرز هذه الطرق الصوفية التي كان لها باع كبير في مجال نشر الإسلام، الطريقة القادرية التي استطاعت أن تحتلّ المرتبة الأولى من حيث الانتشار في الصومال، ومنطقة شرق إفريقيا عموماً.
ويرتبط تاريخ الصوفية في الصومال، وفي شرق إفريقيا عموماً، بالهجرات العربية التي وفدت إلى المنطقة، عبر البحر الأحمر الذي كان، وما يزال، أداة وصل بين ساحليه، وعبره وفدت الهجرات السامية الأولى إلى القرن الإفريقي، ومن آثارها الشبه الواضحة، إضافة إلى الطرز والفنون المعمارية في شرق وشمال إفريقيا، هو وجود الطرق الصوفية التي وفدت من الشقّ الآخر من البحر.
الطرق الصوفية في القرن الإفريقي
تعدّ الطريقة القادرية التي أسسها الشيخ عبد القادر الجيلاني (1077-1166) في بغداد، أول الطرق الصوفية التي عرفتها منطقة القرن الإفريقي على الإطلاق، ووصلت إلى المنطقة، في أواخر القرن الخامس عشر أو أوائل القرن السادس عشر، وتعدّ مدينة هرر الأثيوبية أقوى وأقدم مراكز القادرية في المنطقة، كما أنّ هناك مراكز أخرى ذات أهمية كبرى في أرتيريا والسودان، وفي أنحاء الحبشة كلّها، ويعتقد أنّ الشيخ شريف أبو بكر عبدالله العيدروسي المعروف بالقطب الرباني، هو أول من أوصل هذه الطريقة إلى مدينة هرر التي انطلقت منها إلى المناطق المجاورة أولاً، لتنتشر فيما بعد إلى أبعد المرتفعات الأثيوبية، إثر قيام أمير هرر عبد الشكور (حكم بين عامي 1783 و1794) باتخاذها طريقة رسمية لإمارته.

يرتبط تاريخ الصوفية في الصومال، وفي شرق إفريقيا عموماً، بالهجرات العربية التي وفدت إلى المنطقة، عبر البحر الأحمر

وتنتشر هذه الطريقة اليوم في طول أثيوبيا وأرتيريا، وعرضهما بحيث تعتنقها الشعوب الحبشية المختلفة، ففي مصوع وأسمرا وجميع المدن والأرياف الأرتيرية، نجد زوايا للطريقة في كل مكان، وكذلك الشأن بالنسبة إلى المدن الأثيوبية وأريافها.
أما بالنسبة إلى الصومال؛ فتنتشر فيه الطريقة الصالحية، نسبة إلى محمد بن صالح، ابن أخت مؤسس الطريقة الرشيدية إبراهيم الرشيد، وبغضّ النّظر عن الجدل الواسع حول عمّا إذا كانت هذه الطريقة امتداداً للطريقة الرشدية أم لا، فإنّ تاريخ انتشارها يعود إلى منتصف القرن التاسع عشر، إثر تأسيس سعيد أحد أبناء إبراهيم الرشيد.
هناك طريقة صوفية أخرى لها وجود في الصومال، إلى جانب الطريقة الصالحية المصنفة ضمن الطرق الصوفية، التي اقتبست أفكارها من الشيخ أحمد بن إرديس الفاسي، وهي الطريقة الأحمدية المنتسبة أيضاً، إلى الأب الروحي لتلك الطرق الصوفية المذكورة، أي أحمد بن إدريس الفاسي.

تتميز الطريقة الأحمدية بكونها الطريقة الأكثر اهتماماً بالتعليم الديني

وتتميز الطريقة الأحمدية بكونها الطريقة الأكثر اهتماماً بالتعليم الديني؛ إذ إنّ زعماءها يشجعون أتباعهم على الدراسة، وخاصة الدارسة الدينية في علوم الفقه واللغة العربية، وبالنظر إلى عدم تحديد عدد معين من الأعوام التي يمضيها المتعلم في تلك المدارس الدينية، أو تحديد دروس معينة يستكملها ليصبح مجازاً، فإنّ المرء يمكن أن يتتلمذ في عدة مدراس ليكتسب شهرة واسعة وسمعة طيبة لدى شريحة واسعة من العامة والخاصة، ولاكتساب مزيد من الشهرة، يسافر بعضهم إلى الخارج ليتعلم في المدارس الدينية المعروفة، كالأزهر الشريف وغيرها.

ومدينة هرر هي المركز الرئيس للمسلمين في أثيوبيا، البالغ عددهم 25 مليون نسمة، وتشتهر بتسامحها الديني؛ حيث تصطف المساجد في مقابل الكنائس الكاثوليكية، وقد نالت المدينة عام 2003 جائزة مدينة السلام من منظمة اليونسكو.

الحضرة”: الرقص الديني لصوفية الصومال
تقام الحضرة عادةً في جوار مرقد أحد شيوخ الصوفية، أو في مساجدهم؛ حيث يحتشد العشرات أسبوعياً لإحياء هذا الطقس، وتوزع الحلوى على الأطفال، ويعطّر الحاضرون بالبخور، ولا تقتصر إقامة “الحضرة” على يوم الجمعة فقط؛ بل تكون أكثر حضوراً في مناسبات أخرى مثل: الاحتفالات بالمولد النبوي، وإحياء ذكرى شيوخ الطرق الصوفية.
والحضرة؛ كلمة صومالية تنتمي إلى المعجم الصوفي، وتشير إلى حلقات الذكر الصوفية المقامة في أيام الجمعة، يتشكل مشهد “الحضرة” بحلقة دائرية يقف فيها رجال بلباس أبيض ومسبحة ملفوفة على أعناقهم، ويتراقصون متململين يُمنة ويُسرة، وهم ينشدون مديحاً نبوياً تتخلله كلمات منسجمة تصيح بصوت واحد “الله الله الله”.

غدت مدارس التصوّف تتحوّل إلى مجتمعات منغلقة ومعزولة عن المجتمع الصومالي

ويمتدّ هذا النوع من الرقص الديني مع فروقات معينة بين المناطق، من جيبوتي إلى الصومال، مروراً بأثيوبيا وأريتريا، وصولاً إلى السودان، معقل أكثر الطرق الصوفية انتشاراً في المنطقة؛ إذ تستقطب أضرحة الأولياء بالزوار لأغراض التبرك والدعاء والرقية، وتتخلّل الأدعية والأهازيج وألعاب الفروسية، كما تقدّم فيه الأطعمة الشعبية وتعقد فيه مجالس الصّلح والمصاهرة.
لكن، في الأعوام الأخيرة، بدأت حركة الشباب الجهادية باستهداف الصوفية، وتحطيم وتدمير القبور والأضرحة التابعة للطرق الصوفية جنوب ووسط الصومال، وكانت المعالم المتضررة قبور أولياء يمتعتون بمكانة بارزة، ويلجأ إليهم من الشرور والأشرار، وهو ما حدا بالصوفية إلى تشكيل جناح مسلّح لهم في الصومال، بهدف الدفاع عن أَضرحتهم ومعالمهم الدينية.

أدوار قديمة وتراجع لحساب التيار السلفي
مع أنّ الصوفية لعبت أدواراً بارزة في حياة شعوب المنطقة، إضافة إلى نشرها للإسلام، فقد كافحت ضمن الحركات التحررية المناهضة للتحرر من الاستعمار، ما أكسبها مكانة كبيرة في داخل المجتمع الصومالي.
فقد ساهمت الصوفية في الصومال في الكفاح ضدّ الاستعمار، وكانت المرشَّح الوحيد لتنظيم كيانات فوق عشائرية، في غياب أيّة روابط أخرى من هذا النوع؛ حيث تكون الطريقة أتباعاً من مختلف القبائل والعشائر، وهكذا تأسست حركة الدراويش التي يعود تأسيسها إلى الشيخ الصوفي محمد عبد الله حسن، الذي كان في صباه يتنقل بين الطريقة القادرية والأحمدية، طلباً للعلم، لكنّه قرّر السفر إلى مكة بغية أداء شعائر الحج، غير أنّه التقى هناك رجل دين يدعى الشيخ محمد صالح، وهو مؤسس الطريقة الصالحية والمتأثرة بالأفكار الثورية المناوئة للاستعمار الأوروبي، وقد انعكس ذلك على موقف محمد عبد الله حسن من الاستعمار الأوروبي للصومال وقت رجوعه.

كافحت الصوفية في الصومال الاستعمار، وكانت المرشَّح الوحيد لتنظيم كيانات فوق عشائرية، في غياب أيّة روابط أخرى

إلّا أنّ المراقب يلاحظ خفوت الخطاب الصوفي في العقود الأخيرة، وأنّ تيارات إسلامية أخرى أخذت زمام القيادة بشكل تدريجي، في ظلّ تراجع كبير للصوفية.
ويشرح الكاتب والباحث الصومالي محمود حسن عبدي، خلال حديثه لــ “حفريات” أسباب انحسار الصوفية، والمتمثلة في “انتقال الثقل السياسي للمدن الكبيرة، مما ساهم في قطع الطريق أمام الدور الكبير لمؤسسي تلك التجمعات البشرية، ومع تهميش دور القيادات الدينية، التي كانت تمثّلها الصوفية، في ظلّ النظم والقوانين الحديثة، وآليات التقاضي والتحاكم اللاجئة إلى أدوات السلطة الحديثة، كلّ ذلك أفرغ الدور الأساسي القديم للقيادات الصوفية من كل معنى، بل وجعله عالة على الوضع الجديد، بدلاً من الدور القيادي القديم، بانتقال تلك الرموز القيادية إلى المدن الكبرى، وركونها إلى حالة التقدير والتكريم المؤقت الذي حظيت به، التي كادت أن يتبدّد مع تغييب الموت للجيل الأخير الذي استمرّ في لعب جانب من أدواره القديمة”.
وفيما يخصّ مآزق التصوّف في السياق الصومالي، يلاحظ عبدي، أنّ الدولة الحديثة والانتقال إلى المدن، أدّى إلى فقدان الصوفية لكثير من المهام التي كانت تقوم بها داخل المجتمع الرعوي في البادية، مثل القضاء والتعليم. ومنذ مرحلة الاستقلال “شهدت الصوفية تراجعاً كبيراً، أدّى إلى انخفاض حضورها الاجتماعي والسياسي، كما غدت مدارس التصوّف تتحوّل إلى مجتمعات منغلقة ومعزولة عن المجتمع الصومالي الأكبر، ورغم تطرّق الكثير من الباحثين لمظاهر ذلك التراجع، بالتركيز على تفاعل للمدارس الصوفية مع الواقع السياسي المؤسف الذي عايشته الدولة الصومالية منذ فجر نشأتها، فإنّ جوانب أخرى ساهمت بشكل مباشر في تراكم أعراض هذا التدهور المبني على أسباب راجع للبنية التقليدية للتصوف في البلاد، وعجز القيادات الصوفية عن إحداث تغييرات يمكن أن تتواءم مع التطورات التي شهدها المجتمع الصومالي الحديث”.

ينشدون مديحاً نبوياً تتخلله كلمات منسجمة تصيح بصوت واحد “الله الله الله

لا ينحصر تراجع الصوفية في أسباب اجتماعية وسياسية فقط، حسبما يرى عبدي؛ بل تشمل أسباباً اقتصادية، فقد “كان المجتمعان البدوي والزراعي الصوماليان، يشكلان الحاضنين الاجتماعي والاقتصادي للتصوّف في البلاد، بحيث اعتمدت القيادات الصوفية في تمويل أنشطتها الدعوية والتعليمية المجانية، التي كانت تؤمّن لطلبة العلم لديها، المسكن والمأكل والملبس، عليهما في تأمين ما كان يتحصل لها من خلال نصيبها من جمع الزكاة والصدقات، إضافة إلى الهبات التي كان يقدمها السكان المقتدرون، طلباً للدعاء والبركة، كما كان الدور النهائي الذي تقوم به قيادات الصوفية في إصدار الحكم النهائي في الخلافات والصراعات التي يعجز القادة التقليديون عن القيام بالدور المطلوب فيها، وقد كان الفصل في تلك القضايا أيضاً يساهم في تعزيز المكانة الاجتماعية والسياسية لقيادات الصوفية ضمن مجتمعاتها، وجاذباً المزيد من الهبات لهم، مكافأة على صنيعهم في إعادة السلام للمناطق التي غاب عنها لفترات طويلة”.

انحسار دور الصوفية سببه انتقال الثقل السياسي للمدن الكبيرة، وتهميش دور القيادات الدينية، التي كانت تمثّلها الصوفية

محاولات إحياء الصوفية من جديد
في ظلّ هذا التراجع الذي طرأ على الصوفية، تجري مؤخراً محاولات إحياء الصوفية في الصومال، واستعادة أدوارها الدينية والاجتماعية؛ حيث كانت هي الممارسة الدينية الوحيدة السائدة للتدين في المجتمع الصومالي منذ انتشار الإسلام فيه.
وتعزيزاً لهذا المسعى، انتظم في العاصمة الصومالية مقديشو  في نيسان (أبريل) الماضي “مؤتمر التصوف العالمي السابع”، وشاركت فيه على مدار ثلاثة أيام، وفود من 11 دولة إسلامية، من بينها مصر والمغرب وتركيا والأردن والسنغال.

مؤتمر التصوف العالمي في مقديشو

وناقش المؤتمر سُبل مواجهة التطرف ونبذ العنف. واتفق المشاركون على ضرورة قيام الصوفية في الصومال بتكثيف الجهود الرامية إلى معالجة التطرف الشبابي في البلد.
وخرج المؤتمر بتوصيات دعت إلى الوقوف مع كلّ من يعمل من أجل استقرار الصومال، ومحاربة التطرف الذي ألحق به الضرر.

في ظلّ التراجع الذي طرأ على الصوفية، تجري مؤخراً محاولات إحيائها في الصومال، واستعادة أدوارها الدينية والاجتماعية

كما أكّد البيان الختامي للمؤتمر “إسلامية القدس الشريف، وأنّها عاصمة فلسطين”، وأشار المشاركون في المؤتمر إلى تبرئهم من كلّ فكر يخالف الكتاب والسنة والإجماع، كما أكّدوا في توصياتهم التبرؤ من أفكار المتطرفين، وما أسماه البيان بـ “خوارج العصر”، في إشارة إلى تنظيم داعش وحركة الشباب وغيرهما، ممن وصفهم البيان بأنّهم استباحوا حرمات المسلمين، وطالبوا بدعم الصومال في إيجاد مؤسسات تنشر الفكر الإسلامي المعتدل، وشدّدوا على ضرورة الإكثار من مثل هذا المؤتمر الذي انعقد في مقديشو.

ويفصح هذا الحدث عن وجود نية في نبذ التطرف والعنف، وتقديم الصوفية، برؤيتها وإيمانها بتعددية الإسلام، الترياق المثالي لمقاومة التيار السلفي وجماعات الإسلام السياسي، اللذين يتبعان التزمت والتعصب منهجاً لتفسير الإسلام.

 _____________________________

*نقلًا عن موقع ” حفريات”.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى