
العلاقة بين الفلسفة والفن
العلاقة بين الفلسفة والفن
مروان الحميداني
“إن الحديث عن علاقة الفلسفة بالفن يجرنا إلى أصول هذا المبحث، والحديث عن الاعتبارات الجمالية التي كانت سائدة في الفلسفة منذ اليونان، لكن أن تهتم الفلسفة بالفن وأن تضع عملاً للعمل الفني، فهذا يعد استشكالًا، وهذا الإشكال لم يظهر مع الفكر اليوناني لأن الفن يرتبط بالممارسة والصنائع، والفلسفة في أوجها عند اليونان كانت تحتـ. قر الممارسة، فالفلسفة هي تأمل واحتـ. قار للمحسوس.
فمتى تبلور الجمال؟ وماذا نقصد بكلمة استيتيك عند اليونان؟
الجماليات تتلاقى بتحديد معايير الجمال، أي كيف نضع لقيمة الجمال معيار؟ أي إنها مبحث معياري. لكن هذه النظريات تختلف في تحديد معايير الجمال. فإذا كانت فلسفة الفن تطرح مفهوم الإبداع والقيمة في العمل الفني، وبدونهما لا يكون هناك فن، فإن أسئلة الجمال تتعلق بالحكم الجمالي، وكيف يكون صحيحًا؟
فمفهوم الجماليات تبلور مع الفيلسوف الألماني بومغارتن، الذي منح لكلمة استيتيك دلالة حسية. فالجماليات ترتبط بالإدراك، بمعنى أن إحساسنا بالعالم يسبقه فهمنا له.
يرى أفلاطون أن الجمال هو حالة كشف صوفي لجمال مطلق في ذاته ولذاته، أي الجمال المفارق والشمولي، نموذج النماذج ومثال المثل، أي الجمال المطلق.
وحين يبحث في الجمال، لا يبحث عنه في عالم الجمال، بل في عالم الحق، ولهذا نجده يخلط مثالات الجمال والخير والحق، ويضع العقل والفضيلة كمعايير للجمال العلوي المتعالي.
في مقابل هذا التصور، نجد أرسطو يؤكد على أن الجمال مركب من مادة وصورة، وهذا ما دفعه إلى اعتبار الجمال نموذجًا للموضوع الجمالي، الشيء الذي أدى به إلى القول إن الفن ليس اكتشافًا بل إبداعًا.
وإذا كان أفلاطون قد وصل الجمال بالأخلاق والسياسة وبالقانون، فإن أرسطو قد فصل المعيار الأخلاقي، مشددًا على خصوصية العمل الفني لذاته.
لقد كانت المسيحية ذات وظيفة دينية وطابع لاهوتي وثيولوجي. نجد فيها مع القديس أوغسطين أن جمالات الأشياء هي تجليات للجمال الإلهي، وأن الجمال المطلق يأتي في تراتبية يكون فيها جمال الجسم، الذي يتغير في الزمان والمكان، أقل من جمال النفس (العقل) الذي لا يتغير إلا في الزمان، وجمال النفس أقل من جمال الروح، التي لا تتغير لا في الزمان ولا في المكان، أي الجمال النموذجي المثالي.
فجمال السماء والأرض هو تجلٍّ للجمال الإلهي. وهكذا نجد أن أكبر الفلسفات التي طرحت فلسفة الفن متضمنة في العصر الوسيط.
فكيف يتميز العصر الوسيط عن العصر الهليني الهلنستي؟
إن ما يميز العصر الوسيط عن العصر الهيلني هو أنه عاود طرح مشكلة الخلق، واستبدال مفاهيم فيلولوجية بمفاهيم ثيولوجية، بعد أن غادرت الفلسفة الرقعة الجغرافية التي نمت فيها.
وهذه المغادرة تستتبع تغيرًا في الفكر، بعد أن يلتقي ببنيات لم تكن في الفكر اليوناني (عربية، مسيحية، وسيطية، أوروبية). وهذه الثقافات لابد وأن تكون تجمع بين الكائن الحق والوجود الحق.
فكيف ساهم الفكر المسيحي في إعطاء قيمة للجمال وفلسفة الفن، لكن بخصوصية أخرى؟
أول معطى هو أن الإله في المسيحية يعيش مع الناس، بمعنى أن القيمة الإلهية ستتجسد، وأن الجمال الإلهي هو كذلك سيتجسد، وسيصبح موضوع حكم، وهذا ما جسد اقتران المادة بالناس.
ومعظم تلك المفاهيم التي كانت عند اليونان باعتبارها مفاهيم عليا كالجمال والحقيقة، جاءت المسيحية لتفنّدها واعتبرت نفسها ضد كل تلك الادعاءات.
فما هي الفنون التي دافعت عنها المسيحية؟
لتطور الفن ومعايير الجمال، لابد أن يكون هناك فن، وأشكال واقعية في الفن، وأول هذه الأشكال هو ليس رسم الناس، بل رسم الأيقونات (الملائكة)، أي رسم المثلث الإلهي، وأول إبداع كان هو الموضوع الإلهي، أي تجسيد كل ما هو إلهي.
ففلاسفة العصر الوسيط لم يفهموا قيمة الفن خارج الثيولوجيا. فالفن لا يعبر عن المعنى الجزئي، بل يحيل على المعنى المطلق.
والفن يرتبط بالمطلق.
بهذا لم يكن يُفهم الفن خارج الدين.
الجدل الهيجلي ليس فقط في العمل، بل كذلك في الثيولوجيا. الله يريد أن يرى نفسه. لماذا سيعذبنا الله؟ لأنه يهتم بأمرنا ويريد أن يسود في العالم.
هيجل يقول بالظهور، فالله يريد أن يتمظهر في الأشياء، قد تكون أقل من وجوده، لكنه يريد أن يظهر فيها. الله يتمظهر في كل شيء، والفن باعتباره تعبيرًا عن المطلق، لا يمكن فهمه إلا في إطار هذا التصور لله.
وأول ظهور مكتمل ونسقي لفلسفة الفن كان مع هيجل.
وفي فلسفة هيجل، من خلق القيمة خلق معيارها.
كيف يمكن دراسة تاريخ الفن؟
الفن ليس تعقلًا، بل تجربة، وهو نفس المشكل الذي سقط فيه كانط، فاختار المفهوم باعتباره أولى من التجربة الفنية.
فعن ماذا دافع كانط؟
لقد حاول كانط الجمع بين الحساسية والفهم. ففي نظرية المعرفة، هو يضع صيرورة للإحساسات، لكنه يضعها تحت صرامة المفاهيم.
حس بما شئت، وأدرك ما تريد، لكن لا تفهم إلا ما يوافق المقولات العقلية.
والحساسية عنده مختلطة وغنية، لهذا وضع غنى الإحساسات تحت وحدة المفاهيم، أي لا نعرف من إدراكاتنا إلا ما يوافق الفهم.
لهذا لم يكن صعبًا عليه وضع الجمال تحت وطأة العقل.
أما هيجل، فالوجود عنده متناقض، والطبيعة كذلك متناقضة، ولها أكثر من معنى، والحقيقة في سياق تطورها تؤول إلى مفاهيم مطلقة.
وعليه، إذا كانت الفلسفة مع كانط هي التحديد، فهي مع الرومانسية هي اللامحدود، وإذا كانت المعرفة مع كانط في حدود العقل وحده، فإنها مع الرومانسية خارج العقل.
وهذا لا يكون إلا بالفن، لا بالفلسفة.
لأن الرومانسية تبدأ بالتجربة الإنسانية، ونجدها خارج الفلسفة، وهي تطرح سؤالًا في الفن: من يبدع؟
وتجيب: الإنسان هو الذي يبدع حينما لا يكون أمام حدود.
وترى الرومانسية أن كانط هو المسؤول الأول عن الاستيلاب، عن استيلاب العقل الغربي.
فالعقل الكانطي، قبل أن يتجسد في المجتمعات الغربية، ماهيته هي الحد.
وهذه الحدود هي التي أثرت في فلسفة شوبنهاور.
فعن ماذا يدافع شوبنهاور؟
يجد شوبنهاور في التراجيديا (المأساة) التعبير الأرقى عن تراجيديا الوجود بعينه، ويرى أن الكوميديا عديمة القيمة، وذلك على عكس برغسون، الذي يرى في الكوميديا والضحك تحديدًا تجسيدًا لاصطناعية الحياة.
يقدّم شوبنهاور الموسيقى على الشعر، باعتبارها التجسيد الأصفى لإرادة الوجود والكينونة (الإرادة المطلقة).
فالموسيقى تجسيد درامي للألم والإرادة.
ويصبح الجمال في الموسيقى مثالًا قائمًا بذاته، وذاتًا محضة تعبّر عن الإرادة والألم.
والإرادة عند شوبنهاور ترادف المثل عند أفلاطون، والشيء في ذاته عند كانط.
وشوبنهاور لا يريد إرساء الوجود على المعرفة، بل نجده يُرسي المعرفة على الوجود.
الفن عند شوبنهاور هو الذي يعبر عن تجليات إرادة الحياة المندمجة في إرادة الوجود.
والفن يتجاوز قصور العقل وحدوده، وهو يكشف لنا حقيقة الأشياء.
ولذلك، فالفن هو أساس العلم والفلسفة، وأساس الفن في حد ذاته.
وقد رأى شوبنهاور في الفن والشعر والموسيقى تعبيرًا عن الخلاص، وتعبيرًا عن الماهية الحقيقية في العالم، دون الارتباط بالأشياء والكلمات.
الفنان هو الذي يحاكي الأشياء في الحس.
وعليه، الفن عنده يرتبط بالوجود الخالص، أي الوجود وقد اقترن بالفكرة، أي الفكرة بعد أن نخلصها من كل ما هو قابل للتجسيد.
فالفن يعني أن فنانًا يمثل الوجود الصافي.
فما هو تصور المسيحية؟
في التراث المسيحي، زاد الإبداع.
والتماثيل الموجودة في العصر المسيحي، والطريقة التي صممت بها، لا توجد في أي عصر.
فالمسيحية تنبني على الثالوث (عيسى، مريم، الله).
على العموم، العصر المسيحي هو أول من أشار إلى قيمة الجمال، من أدخل البراديغم الديني.
وهنا، نجد أن أفلاطون ينتقد هذا التصور، لأنه بدأ من الأنطولوجي، أي أن الأصل هو الوجود الحق، أي الوجود المعقول.
والوجود الناتج عن الإبداع هو محاكاة.
ما الذي تدافع عنه الرومانسية؟ وما هي الانتقادات التي وجهتها للنسق الكانطي؟
إن محاولة بناء علم الجمال عقلانيًا، كما نادى به كانط، تعرض للنقد من طرف الرومانسيين الأوائل، وكذلك مشكلة الفن عند كانط.
نحن نعرف أن الكانطية تقدم نفسها على أنها نسق للعقل، فالعقلانية الإنسانية عقلانية متذوقة.
فهل الإنسان يتذوق بعقله؟
هذا هو جوهر نقد الرومانسية لكانط.
كانط يجيب بنعم، فالذوق ناتج عن حكم، أي أنه جعل للذوق حكمًا.
لكن ما الذي أجاز لكانط أن يدخل الجمالية داخل العقل؟
الإنسان العقلاني إنسان متذوق ومبدع، لكن كانط أعطى الأولوية للتذوق.
وهذا التصور هو أساس نقد الرومانسية لكانط.
الرومانسيون يرفضون هذا الادعاء: “فالإنسان حين يبدع، يبدع من عدم”، وحينما يتذوق، لا يعرف التذوق، واللاأعرف تدخل تحت نطاق اللاعقل.
إلا أن كانط حاول إدخال الجماليات في العقل، فمشروعه كما هو معلوم هو نقد ادعاءات العقل في كافة المجالات، وذلك عن طريق نظرية الملكات.
فالثـ ور . ة الكوبرنيكية عند كانط هي البحث عن الوحدة في الذات الإنسانية، وليس في الكون كما فعل اليونان.
الإنسان واحد، هو كون. الذات الإنسانية كونية في سيرها إلى الجمال والمعرفة والأخلاق.
وظهور نظرية الفن كان مساوقًا للنزعة الإنسانية، التي لم تظهر إلا مع كانط.
إن ما بناه كانط، تهدمه الرومانسية. والمشكل الأساسي عند كانط هو أن حكم الذوق حكم عقلي، وبالرغم من أن الملكة هي ملكة التذوق، فإن الذات واحدة، وما نكتشف في الذات هو فعل العقل.
لكن حكم الذوق ليس فعلًا عقليًا.
فإذا كان كانط على وعي بمرحلة تاريخ الفكر، فإن الرومانسية لا تعتبر أن التاريخ قطائع. ورؤيتها للفن تقوم على نظرة محددة للتاريخ.
كانط لم يخض في مسألة الإبداع، لأن مشكلة الخلق حُسم معها البراديغم الحديث.
فما هي الرومانسية؟ وكيف ظهرت؟
الرومانسية فلسفة ظهرت عند كتاب ومؤرخين وشعراء وسياسيين، ظهرت في مختلف مناحي الثقافة الألمانية، وتحولت إلى أشكال فلسفية.
وعند الرومانسية، كل ما وقع في التاريخ يؤثر في التاريخ، وحتى الهيجلية تقول بشمولية التاريخ، لكن الرومانسية: لا قطائع في التاريخ، ولا أجزاء، ولا يوجد القبل والبعد.
فكيف فهم الرومانسيون العقل؟
العقل لا يشتغل بدون صور، بدون تمثلات. التفكير كله هو علاقة بين تمثلات. وهذا يضعنا ضد الآلة الكانطية.
كيف ذلك؟
كانط، باعتباره فيلسوف العقل، يضع المتعدد تحت الواحد، أي أن كانط يصعد من تعدد العالم إلى وحدة المفهوم، بمعنى أنه وضع الصور تحت المقولات الفارغة.
فالتفكير عنده لا يقوم على الصور.
فكل شيء نراه أو نلمسه يقع تحت، والفكر هو فوق.
فكانط يفرغ الفكر من كل صورة وذوق ولمس.
والتفكير يبقى في الفهم، الذي هو آلة منطقية مفهومية خالصة.
لكن الرومانسية قلبت الآية.
فالتاريخ عندها لا متناهٍ.
فالكل عندها يتشكل من لامتناهيات (الله، التاريخ، الطبيعة)، وما هو لامتناهٍ هو الأولى بتأسيس التفكير.”




