
مكنز الكتب والمخطوطات
الدولة: فلسفتها وتاريخها من الإغريق إلى ما بعد الحداثة
الدولة: فلسفتها وتاريخها من الإغريق إلى ما بعد الحداثة
– المؤلف: محمود حيدر
الفكرة العامة للكتاب
يقدّم محمود حيدر في هذا العمل دراسة فلسفية معرفية شاملة لفكرة الدولة، تتبّع جذورها منذ الميراث الإغريقي الذي صاغ المفاهيم الأولى للمدينة والقانون والسيادة، وصولًا إلى تحوّلات الدولة الحديثة وما بعد الحديثة التي أعادت طرح سؤال السلطة والشرعية والهوية الجماعية. يعالج الكتاب مسألة الدولة باعتبارها ظاهرة مركّبة تتجاوز بعدها السياسي، لتشمل الأسس الأنثروبولوجية التي تجعل البشر في حاجة إلى كيان يوفّر لهم التنظيم والهوية والحضور الحضاري. يبتغي المؤلف تقديم رؤية تاريخية مفصلة لمسار تشكّل الدولة، ثم يقدم تحليلا نقديا للفكر السياسي والفلسفي المرتبط بها، مبرزًا كيف أعادت الحضارات المتعاقبة تعريف الدولة ووظائفها تبعًا لتغير تصورات الإنسان عن ذاته وعن العالم.
المحور الأول: الدولة من الأصل الإغريقي إلى الفلسفة الكلاسيكية
يستهل حيدر كتابه بعودته إلى الإغريق حيث نشأت المدينة الدولة باعتبارها إطارا يضمن للإنسان العيش المشترك وفق قيم العقل والفضيلة. يركّز على أفلاطون الذي رأى الدولة صورة كبرى للنفس الإنسانية تتجسد فيها مراتب الحكمة والشجاعة والاعتدال، ثم على أرسطو الذي منح الدولة أسسها الواقعية، فاعتبرها ثمرة حاجة طبيعية يعيش فيها الإنسان بوصفه كائنًا مدنيًا بالطبع. في هذا السياق تنشأ فكرة المواطنة الأولى، ويتكوّن الربط بين القانون والخير، وبين الدولة والغاية الأخلاقية. يعرض الكاتب بإسهاب التحول الذي أصاب الدولة بعد انحسار المدينة الإغريقية وصعود الإمبراطوريات، حيث انتقلت الفلسفة من إقامة نموذج الدولة الفضلى إلى التفكير في التنظيم العملي للسلطة وفي دور القوة والعرف والدين في تثبيت الحكم.
المحور الثاني: الدولة في الفلسفة الإسلامية الكلاسيكية
ينتقل حيدر إلى التجربة الإسلامية باعتبارها أحد أهم محطات التفكير السياسي في التاريخ الوسيط، محاولا بيان كيف أعادت الدولة الإسلامية تشكيل العلاقة بين القانون الإلهي والتدبير البشري. يستعرض تصوّر الفارابي للمدينة الفاضلة التي تقوم على رئاسة حكيمة تتولّى توجيه الناس نحو الكمال، ويحلل قراءة ابن خلدون للدولة باعتبارها تجسيدًا للعصبية ولضرورة العمران، حيث تتوحّد القوة المادية بالشرعية الرمزية. يبرز الكاتب كيف أثّرت العقائد والفقه واللغة في صوغ هوية الدولة الإسلامية، وكيف تنازعت داخلها سلطتان: سلطة الشرع التي تقيم المعايير، وسلطة السلطان التي تدير الشأن العام. يستخلص حيدر أن التجربة الإسلامية أضافت إلى النظرية السياسية مفهومًا مركبًا للشرعية، يقوم على تلازم الأخلاق بالدولة وارتباط الجماعة بالوحي والتاريخ.
المحور الثالث: تشكّل الدولة الحديثة وبناء الفلسفة السياسية الجديدة
يخصص المؤلف حيزًا كبيرًا لتحوّل الدولة في العصر الحديث حين ظهرت الدولة القومية مع صعود الرأسمالية وتبلور مفهوم السيادة كما حدده هوبز ولوك وروسو. يوضح كيف أُقيمت الدولة الحديثة على فكرة العقد الاجتماعي، حيث يتنازل الأفراد عن جزء من حرياتهم مقابل أمن تضمنه سلطة مركزية. يتتبع نشأة البيروقراطية الحديثة كما صاغها ماكس فيبر بوصفها أداة عقلانية لإدارة المجتمع، ويوضح كيف أصبحت الدولة تمثل فكرة الأمة ووسيلة التعبير عن إرادتها. يرى حيدر أن الحداثة لم تُنتج دولة محايدة تمامًا، بل أنتجت نموذجًا يجمع بين القوة والمؤسسات، بين الحرية والرقابة، وبين الطابع القومي والديناميات الاقتصادية.
المحور الرابع: الدولة في نقد ما بعد الحداثة
يصل الكتاب إلى أكثر مراحله راهنية في مقاربته لتفكيكات ما بعد الحداثة التي تعاملت مع الدولة باعتبارها خطابًا للسلطة أكثر منها بنية مؤسساتية. يدرس المؤلف أعمال فوكو وليلوتار ودريدا، مبينًا كيف تحوّل التركيز من الدولة ككيان مركزي إلى شبكات السلطة التي تتوزع في المجتمع. يبرز نقد ما بعد الحداثة لفكرة السيادة ووحدة الهوية، ويرصد كيف أعادت العولمة تفكيك الدولة القومية من الداخل بعد أن غيّرت أشكال الاقتصاد والإعلام والهجرة طبيعة المجال السياسي. يرى حيدر أن هذا التحول لا يلغي الدولة ولكنه يعيد تعريفها بوصفها فاعلاً محاطًا بقوى عابرة للحدود تتطلب أنماطًا جديدة من الشرعية ومن تصور الذات الجماعية.
الخلاصة الختامية
يمثل كتاب «الدولة: فلسفتها وتاريخها من الإغريق إلى ما بعد الحداثة» محاولة واسعة لبناء رؤية شاملة لمسار تكون الدولة عبر التاريخ، انطلاقا من جذورها الفلسفية الأولى وصولا إلى تشظّيها المعاصر. ينجح محمود حيدر في تقديم قراءة تجمع بين التحليل التاريخي والتأمل الفلسفي، مسلطًا الضوء على أنّ الدولة ليست بنية ثابتة، بل مشروعًا يتغير بتغير تصورات الإنسان عن ذاته وعن العالم. تكمن قيمة الكتاب في قدرته على كشف ما يجعل الدولة ضرورة وجودية واجتماعية، مع إظهار حدودها في زمن العولمة وما بعد الحداثة.
لتصفح الكتاب:



